لا يحتمل الطفل المصاب بالسكري من النوع الأول تأخير جرعته أو استبدالها بنوع لا يتناسب مع حالته؛ فجرعة غير مناسبة قد تقلب يومه إلى أزمة تهدد حياته. وفي مصر، تواجه بعض أسر مرضى السكري أزمات بين الحين والآخر في الحصول على بعض الأصناف التي يحتاجون إليها، ما يدفع بعضهم إلى شرائها على نفقتهم الخاصة.
بينما كانت مروة إبراهيم في عملها، كان ابنها أحمد عبدالحميد، البالغ من العمر حوالي 14 عامًا، ملقى على أرض المنزل فاقدًا الوعي. حاول شقيقه إيقاظه قبل خروجه لتناول إفطاره، لكنه ظن أن أحمد لا يريد الاستيقاظ مبكرًا، فتركه وغادر، من دون أن تعرف الأسرة أن مستوى السكر في دمه هبط بشكل حاد ووصل إلى 30 ملغم/ديسيلتر.
تقول إبراهيم، وهي فنية تمريض بمحافظة القليوبية، لـ”عابر” إنها عادت لتجد ابنها مغشيًا عليه تخرج رغوات من فمه. نقلته إلى المستشفى، حيث ظل في غيبوبة امتدت نحو 30 ساعة قبل أن يستعيد وعيه، في واحدة من أصعب الأزمات التي مرّ بها منذ إصابته بالسكري.
شُخص أحمد بالسكري من النوع الأول منذ صغره، بعدما فقد وزنًا سريعًا، حتى بدأت عظام كتفيه في الظهور، بالتزامن مع حاجته للتبول كل نصف ساعة تقريبًا. ومنذ ذلك الحين، تكررت ارتفاعات السكر، وصلت إلى 451 ملغم/ ديسيلتر في سبتمبر (أيلول) الماضي، ما استدعى دخوله المستشفى عدة مرات.
حين تغير العلاج
كان الطبيب يصف له «هيومالوج 100» و«لانتوس»، وكانت إبراهيم تحصل عليهما بانتظام من التأمين الصحي. إلى أن استبدل «لانتوس» قبل نحو 6 أشهر، ببديل محلي هو «جلارجيفين».
ورغم تأكيد العاملين لها أن البديل مماثل للمستورد، لاحظت إبراهيم تغيرًا في قياسات ابنها؛ إذ كانت منخفضة أكثر. تقول: “من وقت ما اتغير اللانتوس، السكر بقى عالي ومش بينزل بسهولة، وكل شوية ندخل المستشفى، لحد ما حصل له فقدان وعي وغيبوبة”.
وشخص طبيب المخ والأعصاب حالته بتأثر خلايا المخ نتيجة اضطراب شديد في مستوى السكر ونقص وصول الأوكسجين إليه، وخضع للعلاج لنحو تسعة أشهر، ما أثر على مستواه الدراسي.
وأرجع الأطباء طول فترة الغيبوبة إلى بقائه بمفرده في المنزل نحو أربع أو خمس ساعات قبل العثور عليه. ونصحها طبيبه المعالج بالاستمرار على الأدوية القديمة معتبرًا أنهما الأنسب لحالته.
وقال لها صيدلي هيئة التأمين في مارس (آذار): “لو في مقدرتك اشتري المستورد على نفقتك، لأنه مبقاش بينزل التأمين الصحي”. هنا وجدت نفسها عاجزة عن توفير العلاج الذي يراه طبيب ابنها الأنسب لحالته بانتظام. وهي منذ مارس (آذار) الماضي تبحث خارج فرع التأمين الصحي بقليوب، لعدم توفره، لتتنقل بين فروع أخرى، بينها كفر شكر التي تبعد نحو ساعة وربع عن محل إقامتها، للحصول عليه.
ولا تقتصر معاناتها عند الإنسولين؛ إذ توقف التأمين الصحي منذ نحو عام عن صرف بعض المكملات الغذائية لابنها، بينها فيتامين «ب» و«أوميجا 3»، فيما لا تستطيع الأسرة تحمل تكلفة شرائها على نفقتها الخاصة.
«جسم ابني اتبهدل من الشكشكة بالأنسولين، مش متحمل كل ده. لو أكل كيس شيبسي، ولو أكل أي حاجة لازم ياخده»، تقول إبراهيم، التي تتحمل رعاية أحمد بمفردها منذ انفصالها عن زوجها.
لا تبحث الأم عن انتظام صرف الإنسولين فقط، بل تحلم أيضًا بتوفير مضخة لابنها، لتخفيف الحقن المتكررة التي أصبحت جزءًا من يومه. وتعمل المضخة على ضخ الإنسولين بجرعات منتظمة، ما يقلل الحاجة إلى الحقن المتعددة، فيما رفعت بعض أسر الأطفال المصابين بالسكري في مصر دعاوى قضائية للمطالبة بتوفيرها عبر التأمين الصحي.
ستة أشهر من عدم انتظام الصرف
لكن إبراهيم ليست وحدها في هذا القلق. ففي أسوان، لا تريد هناء عابد، والدة سماح علي البالغة 9 سنوات، أكثر من أن تحصل ابنتها على جرعتها في الوقت المحدد، من دون أن تحمل في كل مرة هم نوع الإنسولين الذي سيصرفه التأمين أو تكلفة شرائه إذا لم يتوفر.
شُخصت الطفلة بالسكري من النوع الأول في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بعد وعكة صحية استدعت حجزها 15 يومًا في مستشفى أطفال مصر. تتذكر الأم أن سكر ابنتها تجاوز حينها 600 ملغم/ديسيلتر، فيما تراوح السكر التراكمي بين 9 و10، قبل أن تكشف الفحوصات إصابتها بالسكري وحاجتها إلى الإنسولين.
بعد التشخيص، بدأت الطفلة تتلقى «تريسيبا» و«نوفو رابيد» بانتظام، فانخفضت قراءات السكر، بحسب والدتها، لتواجه الأسرة بعد نحو العام اضطرابًا في صرف الصنفين المستوردين استمر قرابة ستة أشهر، صُرفت خلالها بدائل محلية. وبحسب الأم لم تعد مستويات السكر مستقرة خلال تلك الفترة، قبل أن تعود الهيئة إلى صرف الصنفين المعتادين.
وتقول الأم إن أزمة توافر الإنسولين تكررت في 2025، واضطر الطبيب حينها إلى تعديل الجرعات مع ارتفاع مستويات السكر. ومنذ ذلك الحين، تتحمل الأسرة تكلفة شراء الإنسولين كلما غاب عن التأمين، حتى لا تجد الأم نفسها أمام موعد جرعة ابنتها من دون توفر العلاج.
عندما لا تكفي الجرعة
منذ أن كانت رضيعة، لم تعرف سلمى (12 عامًا)، وهي طالبة صف ثاني إعدادي، حياتها من دون حقن الإنسولين. ومع مرور السنوات، لم تعد والدتها رشا صلاح تخشى ارتفاع سكر الدم فقط، بل أصبحت تبحث عن وسيلة تخفف عن ابنتها وخز الإبر المتكرر، بعدما ترك آثارًا في ذراعيها وساقيها وبطنها، بحسب قولها.
شُخصت سلمى بالسكري من النوع الأول في عمر عام ونصف، وأُدرجت ضمن منظومة التأمين الصحي بعد نحو ستة أشهر. وتحصل حاليًا على «نوفو رابيد» و«تريسيبا» بانتظام في معظم الأشهر، لكن الكمية المصروفة لا تكفيها دائمًا؛ إذ تقول والدتها إن ارتفاع السكر، يدفعها إلى أخذ جرعات إضافية، خصوصًا خلال أيام الدراسة.
فاتورة الإنسولين خارج التأمين
وتكشف أسعار الإنسولين المستورد حجم العبء الذي قد تتحمله الأسرة عند غياب الأصناف عن التأمين؛ إذ رصدت معدة التقرير في إحدى الصيدليات الكبرى في مصر سعر عبوة «لانتوس» بنحو 248 جنيهًا، و«تريسيبا» 550 جنيهًا، و«نوفو رابيد» 252 جنيهًا. ومع حاجة المريض إلى نحو ثلاث عبوات شهريًا من الصنف الواحد، قد تتجاوز كلفة العلاج 1,650 جنيهًا شهريًا لصنف «تريسيبا» وحده، في وقت يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور 8 آلاف جنيه.
رحلة البحث عن المضخة
“بنتي تعبت من كتر وخز الحقن في إيديها ورجلها. أطفالنا أجسامهم اتبهدلت من الإنسولين، والمضخة والسنسور أملهم الوحيد”، تقول والدة سلمى، التي تسعى منذ عامين إلى توفير مضخة إنسولين وسنسور لابنتها.
ولتحقيق ذلك، رفعت الأم دعوى ضد هيئة التأمين الصحي، وصدر حكم لصالحها العام الماضي، بحسب مستندات القضية، إلا أنه لم يُنفذ حتى الآن. وتقول إن بعض المرضى الذين حصلوا على مضخات بموجب أحكام قضائية اضطروا لاحقًا إلى العودة للحقن، بسبب عدم توفير التأمين مستلزمات تشغيل المضخة، التي تبلغ كلفتها نحو 8 آلاف جنيه وتحتاج إلى تغيير دوري، بحسب قولها.
عانت الطفلة، وفق شهادة والدتها، من تليفات في القدم والبطن مع استخدام الإنسولين، كما لاحظت عليها نسيانًا متكررًا خلال فترة استخدام أحدهم. ويتيح السنسور مراقبة مستوى السكر على مدار الساعة دون الحاجة إلى وخز الإصبع المتكرر.
اختلافات لا يمكن تجاهلها
“لكل نوع خصائص مختلفة من حيث بداية المفعول وذروة التأثير ومدة العمل”، يقول الدكتور محمد زكريا، كبير استشاري السكر والغدد الصماء لـ”عابر”، موضحًا أن تغيير نوع الإنسولين قد يؤثر في مستويات السكر، ويستلزم ضبط الجرعات وتوقيت استخدامها وفقًا للنوع الجديد، وتوضيح ذلك للمريض.
ويضم الإنسولين القاعدي أنواعًا طويلة المفعول، منها «تريسيبا» و«توجيو» و«لانتوس»، فيما تُستخدم الأنواع قصيرة المفعول لتغطية الارتفاع الناتج عن تناول الطعام. ويشير الطبيب إلى أن الفروق بين الأنواع القاعدية، وإن بدت محدودة، قد تؤثر في ضبط الجرعات والتوقيت، بينما يتطلب سريع المفعول مواءمة الجرعة مع توقيت الطعام وكمية الكربوهيدرات.
ولا ينفي الطبيب وجود فروق في كفاءة بعض الأنواع المحلية مقارنةً ببعض المستوردة، لكنه يعزو لجوء بعض الأسر إلى البدائل المحلية إلى انخفاض أسعارها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
غيبوبة كامنة
“انخفاض السكر الشديد ممكن يؤثر في خلايا المخ خلال دقائق”، يقول الدكتور زكريا، موضحًا أن اختلال التوازن بين جرعة الإنسولين وكمية الطعام قد يؤدي إلى هبوط حاد في السكر، يسبب تشنجات صرعية والمعروفة بـ«الكهرباء الزائدة على المخ»، وقد يصل إلى الوفاة إذا لم يُعالج سريعًا.
وفي المقابل، يؤدي نقص الإنسولين لدى المصابين بالسكري من النوع الأول إلى ارتفاع السكر وتكون الأجسام الكيتونية والحموضة في الدم، ما قد يتطور إلى غيبوبة كيتونية. ويحذر الطبيب من تشخيصها خطأً في بعض الحالات كـ«نزلة معوية» أو «زائدة دودية» بسبب أعراض مثل القيء وآلام البطن، بينما تكشف تحاليل السكر وغازات الدم عن الحالة.
ومع استمرار عدم ضبط المرض، قد تتضرر الأوعية الدموية وتظهر مضاعفات في أعضاء بينها شبكية العين والكلى والكبد والقلب.
ويرى الطبيب أن مضخة الإنسولين قد تناسب بعض الأطفال القادرين على استخدامها والالتزام بها، إذ تضبط الجرعات وتقلل الحقن، لكنها لا تلغي مخاطر اضطراب السكر أو حدوث غيبوبة، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها و احتمال انسداد القسطرة.
حين يصبح العلاج عبئًا
كل ما تريده الأمهات الثلاث ليس أكثر من جرعة تصل إلى أطفالهن في موعدها؛ لكن حين يغيب الإنسولين، تتحول الجرعة التي تحفظ حياتهم إلى معركة يومية، تدفع إحداهن ثمنها من راتبها، وتدفع أخرى وقتها في التنقل بين فروع التأمين، بينما تنتظر الثالثة حلًا يخفف عن ابنتها وخز الإبر.
وبحسب الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، تتعامل منظومتا التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة مع نحو 2.45 مليون مريض بالسكري من البالغين، و 60 ألف طفل، بتكلفة علاج إجمالية تقدر بنحو 4.2 مليار جنيه سنويًا.
وحاولت معدة التقرير التواصل هاتفيًا مع المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، للحصول على رد بشأن ما ورد في التقرير، لكنه لم يستجب حتى موعد النشر.
ما تتحمله الدولة ضمن هذه التكلفة لا يعكس ما تنفقه الأسر، بعدما اضطرت إلى شراء الإنسولين المستورد في ظل قرار وزارة الصحة الأخير الذي يسمح باختيار الدواء المستورد كخيار شخصي وعلى النفقة الخاصة طالما يتوفر البديل المحلي.
