هل يمكن أن تصبح “البرمودا” سببًا لمنع شخص من دخول مدينة عراقية؟ سؤال أعاده إلى الواجهة مقطع فيديو متداول يظهر شابًا عند أحد مداخل مدينة الكاظمية، شمالي العاصمة بغداد، يقول إنه مُنع من الدخول بسبب ارتدائه “البرمودا”.
ولا يوضح المقطع الجهة التي منعته أو ما إذا كانت تستند إلى قرار أو تعليمات مكتوبة، ما يفتح سؤالًا مباشرًا حول السند القانوني الذي يسمح بمنع شخص من دخول مدينة بسبب ملابسه وشكله الخارجي
الكاظمية ليست العتبة
تضم الكاظمية، وهي منطقة في بغداد، أحياء سكنية وشوارع وأسواقًا ومرافق عامة، إلى جانب العتبة الكاظمية المقدسة، التي تضم مرقدي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد.
وهذا التفريق مهم في قراءة الواقعة؛ فقواعد الزيارة أو الآداب الخاصة بموقع ديني لا تعني تلقائيًا أنها تنطبق على كل من يدخل المدينة أو يمر في شوارعها. لذلك، فإن معرفة المكان الذي مُنع فيه الشاب والجهة التي أوقفته، وما إذا كان المنع عند مدخل المدينة فعلًا أم في نطاق تابع للعتبة، تظل أساسية لفهم ما حدث.
أين يقف القانون؟
لا يحدد الدستور العراقي نوع الملابس التي يجوز ارتداؤها عند دخول المدن، لكنه يضع إطارًا لتنظيم حريات الأفراد. وتنص المادة 10 من الدستور العراقي على أن “العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها”.
وتنص المادة 15 على أن لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقًا للقانون وبناءً على قرار صادر عن جهة قضائية مختصة، فيما تنص المادة 44 على حرية العراقي في التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه.
كما تقر المادة 17 حماية الخصوصية الشخصية، بما لا يتعارض مع حقوق الآخرين والآداب العامة، بينما تنص المادة 46 على أن تقييد الحقوق والحريات لا يكون إلا بقانون أو بناءً عليه، وبما لا يمس جوهر الحق أو الحرية.
وهنا تتحدد المسألة القانونية في واقعة الكاظمية: ليس ما إذا كانت “البرمودا” مقبولة اجتماعيًا أو مناسبة من وجهة نظر جهة ما، وإنما ما إذا كان هناك نص قانوني أو تعليمات نافذة تمنح جهة محددة صلاحية منع شخص من دخول مدينة بسبب لباسه.
وماذا تقول قواعد العتبات؟
تنظم التشريعات العراقية الخاصة بالعتبات المقدسة سلوك الزائر داخلها، وينص نظام العتبات المقدسة رقم 21 لسنة 1969 على مراعاة الآداب العامة بما يتناسب مع حرمة المكان المقدس.
لكن هذا الإطار يتعلق بالعتبات والمواقع الدينية وطبيعة زيارتها، ولا يعني بحد ذاته وجود زي محدد يشترط لدخول مدينة الكاظمية بأكملها. لذلك، فإن استخدام قواعد الزيارة لتبرير منع شخص من دخول المدينة يحتاج إلى سند آخر يحدد نطاق المنع والجهة المخولة بفرضه.
البرمودا لها سابقة في الكاظمية
والجدل حول الملابس القصيرة في الكاظمية ليس جديدًا. ففي آب (أغسطس) 2012، نفت وزارة الداخلية العراقية منع النساء غير المحجبات والشباب الذين يرتدون الملابس القصيرة، وذكرت “البرمودة” بالاسم، من دخول مدينة الكاظمية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عراقية عن الوزارة آنذاك، اعتبرت الداخلية أن مثل هذه التصرفات تدخل ضمن الحريات الشخصية، كما نفت وجود “شرطة آداب” ضمن تشكيلاتها.
ويعيد الفيديو الحالي بذلك قضية طُرحت أمام السلطات العراقية قبل 14 عامًا، إذا كانت الوزارة نفت آنذاك وجود منع على هذا الأساس، فهل صدرت منذ ذلك الوقت تعليمات جديدة تغير هذا الموقف؟ وإذا كانت هناك تعليمات حالية، فمن أصدرها وأين نُشرت؟
حين يصبح اللباس مسألة أمنية
ولا يقتصر الجدل على الكاظمية. ففي أيار (مايو) 2026، أعلنت قيادة شرطة صلاح الدين حملة في الأسواق والمتنزهات والأماكن العامة لمتابعة ما وصفته بالمخالفات للآداب العامة، وذكرت “البرمودا” ضمن الملابس التي اعتبرتها غير لائقة، وفق ما نقلته وسائل إعلام عراقية عن القيادة.
وتختلف هذه الواقعة عن فيديو الكاظمية من حيث المكان والجهة الأمنية، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على وجود تعليمات مماثلة في بغداد. لكنها تضيف واقعة حديثة إلى النقاش حول استخدام مفاهيم مثل “الآداب العامة” و”الذوق العام” في التعامل الأمني مع الملابس في الأماكن العامة، وما الحدود القانونية لهذه الصلاحيات.
سامراء.. واقعة سبقت الكاظمية بأيام
وقبل واقعة الكاظمية بأيام، ظهرت واقعة أخرى في سامراء بمحافظة صلاح الدين. ففي 22 أيلول (سبتمبر) 2026، أجرى مدير شرطة سامراء، اللواء عدنان تركي، جولة في شوارع المدينة لمتابعة ارتداء “البرمودة” وما وصفه بـ”المظاهر غير اللائقة”.
وأظهر مقطع متداول المدير وهو يوبخ عددا من الشبان الذين يرتدون السراويل القصيرة، متوعدا باتخاذ إجراءات بحقهم.
ولا تقف أهمية الواقعة عند كونها سبقت فيديو الكاظمية بأيام، بل في أن التدخل هنا جرى في شوارع مدينة سامراء من جانب جهاز أمني، وليس في مدخل موقع ديني. وهو ما يعيد السؤال حول حدود صلاحية الأجهزة الأمنية في تحديد الملابس التي يجوز للأفراد ارتداؤها في الأماكن العامة، وما إذا كان هناك نص قانوني واضح يجي اتخاذ إجراءات بحقهم على هذا الأساس.
الأنبار.. حين دخلت البرمودا دائرة المنع
ولا تبدو واقعة الكاظمية معزولة عن ممارسات ظهرت في محافظات عراقية أخرى خلال السنوات الماضية. ففي آب (أغسطس) 2019، أعلن المكتب الإعلامي لشرطة الأنبار أن ارتداء “البرمودا” في الأسواق والأماكن العامة يخالف ما وصفه بـ”الآداب العامة”، مؤكدًا تطبيق القانون، فيما نقلت وسائل إعلام عراقية عن عضو في مجلس المحافظة آنذاك تأكيده توقيف شبان بسبب ارتدائها في عدد من المناطق، وأخذ تعهدات منهم قبل الإفراج عنهم.
وعاد الأمر في أيار (مايو) 2025، عندما أعلن قائد شرطة الأنبار، اللواء عادل حامد رشيد، توجيهات بمنع ارتداء “البرمودا والشورتات القصيرة” في الأماكن العامة، على أن تسبق الإجراءات القانونية بحق المخالفين حملات توعية وتنبيه.
وفي تموز (يوليو) من العام نفسه، قال قائم مقام قضاء القائم، تركي المحلاوي، إن ارتداء “البرمودا” محظور في الأماكن العامة والأسواق داخل القضاء، مشيرا إلى توجيه الأجهزة الأمنية بالتعامل مع المخالفين، وربط القرار بشكاوى الأهالي والتقاليد الاجتماعية السائدة.
هذه الوقائع تخص الأنبار، ولا تعني تلقائيا وجود تعليمات مماثلة في بغداد أو غيرها، لكنها تكشف أن التعامل مع الملابس باعتبارها مسألة تستدعي تدخلا أمنيا ليس جديدا في العراق، وأن عبارات مثل “الآداب العامة” والتقاليد الاجتماعية استُخدمت في تبرير إجراءات تتعلق بملابس الأشخاص في الأماكن العامة.
بين التأييد والمعارضة
وفي خضم الجدل، تساءل الإعلامي صباح الجاف بمقطع فيديو على “الانستغرام” عن مبررات منع ارتداء البرمودا في الشوارع، مشيرا إلى أن القضية تحولت إلى “تريند” وأشعلت نقاشا واسعا، وسط مطالبات بتوضيح أسباب المنع. وطرح الجاف استطلاعا للرأي حول القضية، التي انقسمت بشأنها المواقف بين من يرى في ارتداء البرمودا حرية شخصية، ومن يعتبره تجاوزا للآداب العامة.
كما طرح المحامي محمد الحاج اللامي سؤالا حول السند القانوني لهذه الإجراءات، قائلا: “لماذا تلبس الفتاة قصيرا ولا أحد يحاسبها، وإذا الشاب لبس برمودا يحاسب؟ وما النص القانوني الذي يعتمد عليه الضابط لمنع البرمودا في المناطق العامة؟”. ويؤكد أنه لا يشجع على ارتداء البرمودا، لكنه يتساءل عن أساس إهانة الشاب العراقي أمام الناس بسبب ملابسه “دون نص قانوني”.
الفيديو أثار نقاشًا واسعًا أيضا في التعليقات على فيسبوك، انقسمت فيه الآراء بين من رأى أن المنع يمكن تبريره بخصوصية الكاظمية، ومن اعتبر أن العادات أو القناعات الشخصية لا تكفي لفرض قيود على لباس الأفراد.

سعد عزيز رأى أن “الأماكن المقدسة لها خصوصيتها”، متسائلًا: “تكدر تدخل دائرة حكومية أو جامعة بالبرمودة؟”، وهو ما ذهب إليه محمد فوزي أيضًا، معتبرًا أن “كل مكان إله لبسه”، وأن الأمر لا يختلف، من وجهة نظره، عن اشتراط لباس معين في الدوائر الحكومية أو الأماكن ذات الخصوصية.

وفي الاتجاه نفسه، استند تعليق آخر إلى المادة 10 من الدستور العراقي، معتبرًا أن صيانة حرمة العتبات والمقامات المقدسة تستلزم الالتزام بزي محتشم داخلها.
في المقابل، جاء السؤال من زاوية مختلفة تمامًا: “هل هناك قانون يجبر الإنسان على لبس ملابس يغطي جسمه؟”، كما كتب عبد الخالق الجابري.

وقال زياد متي: “ماكو أي مادة قانونية صريحة تمنع لبس البرمودا”، معتبرًا أن القوانين القابلة للتأويل قد تتيح، بحسب رأيه، تحويل قناعات أصحاب السلطة إلى أوامر ملزمة، وأن العرف الاجتماعي “مو حجة لفرض الوصاية على الآخرين”.

أما علي عماد، فقال إنه لا يوجد قانون يمنع ارتداء البرمودا، مع إشارته في الوقت نفسه إلى مفهوم ديني يتعلق بلباس الرجل.
ولم يقتصر النقاش على القانون والدين؛ إذ قدم مصطفى سروان قراءة اجتماعية للواقعة، معتبرًا أنها تعكس، من وجهة نظره، “سلط العقل الريفي وتغير بغداد”، وما وصفه بفرض عادات وتقاليد على أهل العاصمة.

وبين هذه المواقف، يبقى السؤال الذي لا تحسمه التعليقات: هل خصوصية المكان تبرر هذا المنع تحديدًا، وأين ينتهي العرف أو القناعة الدينية ويبدأ القيد الذي يحتاج إلى سند قانوني؟
وماذا عن فيديو الكاظمية؟
في حالة الفيديو المتداول، لا يظهر في المقطع قرار مكتوب يوضح سبب المنع أو الجهة التي أصدرته، كما لم يظهر في المصادر التي جرى رصدها حتى الآن توضيح رسمي من الجهة التي أوقفت الشاب يحدد النص أو التعليمات التي استندت إليها.
ولهذا، لا يمكن اعتبار الفيديو وحده دليلًا على وجود قرار عام يمنع ارتداء “البرمودا” في الكاظمية، كما لا يمكن تجاهل الواقعة باعتبارها مجرد خلاف على نوع الملابس. فجوهرها يتعلق بصلاحية الجهة التي أوقفت الشاب: هل كانت تتعامل مع مدخل تابع للعتبة؟ أم مع مدخل للمدينة؟ وهل لديها تعليمات نافذة تسمح لها باتخاذ هذا الإجراء؟
من “الذوق العام” إلى حرية الفرد
وتعيد هذه الواقعة طرح سؤال أوسع من حالة الشاب نفسه: إلى أي حد يمكن أن يمتد مفهوم “الآداب العامة” في العراق ليشمل ملابس الأفراد في الأماكن العامة؟
فثمة فارق بين أن تضع مؤسسة دينية قواعد للزوار داخل موقع ديني بما يتناسب مع طبيعة المكان، وبين أن تتحول تلك القواعد إلى شرط يمنع شخصًا من دخول مدينة أو المرور في شارع عام. كما أن هناك فرقًا بين الأعراف الاجتماعية التي تحدد ما يعتبره المجتمع لائقًا، وبين تحويل هذه المعايير إلى قيود تنفذها جهات رسمية أو أمنية.
