الأحد، 11 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
إنسان مصر

“متصدقش” أن الصحافة جريمة.. ستة صحفيين مصريين خلف القضبان والتضامن يتجاوز الحدود

من بيروت، ارتفع صوت التضامن مع صحفيي منصة “متصدقش” المصرية، بعد أكثر من أسبوع على توقيف ستة من أعضاء فريقها، في قضية أعادت إلى الواجهة أسئلة بشأن حرية العمل الصحفي في مصر والضمانات القانونية المكفولة للصحفيين.

وفي حديقة سمير قصير وسط العاصمة اللبنانية (بيروت)، نظّم “تحالف حرية الرأي والتعبير في لبنان”، أمس الجمعة، وقفة تضامنية للمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفيين الستة، وضمان حقوقهم القانونية، تحت شعار “متصدقش أن الصحافة جريمة”.

وتعود القضية إلى يومي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين أوقفت السلطات المصرية الصحفيين الستة من منازلهم ومواقع مختلفة في القاهرة ومحافظات أخرى، وصادرت هواتف وأجهزة إلكترونية، وفق ما أعلنته جهات حقوقية ونقابية.

وبعد أيام من الغموض بشأن أماكن احتجازهم، مثلوا أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي قررت حبسهم احتياطيا لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق.

ويأتي توقيف الصحفيين في ظل تراجع حرية الصحافة في مصر، التي حلّت في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”. ويضع التصنيف مصر ضمن الدول التي تواجه فيها الصحافة قيودًا شديدة، في سياق تتزايد فيه المخاوف بشأن استخدام الإجراءات القانونية والأمنية في التعامل مع العمل الصحفي المستقل.

اتهامات بالإرهاب

السلطات المصرية قالت إن توقيف الصحفيين الستة يرتبط باتهامات تتجاوز طبيعة عملهم في التحقق من المعلومات. فبعد يومين من توقيفهم، أعلنت وزارة الداخلية أن منصة “متصدقش” تعمل من دون ترخيص وتُدار من الخارج، واتهمتها بالارتباط باللجان الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في مصر.

وفي بيان نشرته قبل أيام، رفضت منصة “متصدقش” اتهامات الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وتلقي تمويل خارجي، مستندة إلى ما قالت إنه تدقيق أمني خضعت له المنصة وفريقها عام 2023، عقب توقيف أحد محرريها السابقين والإفراج عنه بعد يومين دون توجيه اتهامات. وأضافت أن ثلاثة من الصحفيين الموقوفين حاليا كانوا ضمن الفريق آنذاك، ولم تُوجَّه إليهم اتهامات، مشيرة إلى أن العاملين قدموا مستندات عملهم وعقودهم إلى بنوك مصرية للحصول على رواتبهم بصورة قانونية. واعتبرت المنصة أن هذه الوقائع تتعارض مع الاتهامات الحالية، لافتة إلى أن عملها في التحقق شمل أيضا أخبارا وشائعات روّجتها جهات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وفي 7 أكتوبر (تشرين الأول)، عرضت النيابة العامة روايتها للقضية، معلنة أن التحقيقات تتضمن اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة من شأنها الإخلال بالأمن العام. وقالت إن تحرياتها أشارت إلى عقد لقاءات عبر تطبيقات التواصل مع أحد قيادات الجماعة في الخارج، وتلقي تحويلات مالية شهرية بعملات أجنبية.

وبحسب بيان النيابة، أقر أحد المتهمين بانضمامه سابقا إلى الجماعة، فيما نفى آخرون الانتماء إليها. وأضافت أن الفحص الفني لبعض الحسابات الإلكترونية أظهر، وفق ما توصلت إليه، منشورات مؤيدة للجماعة ودعوات لإسقاط الحكومة، كما قالت إن الصحفيين تلقوا تكليفات بنشر أخبار كاذبة وشائعات عن مؤسسات الدولة ومسؤولين فيها.

وتبقى هذه الاتهامات جزءا من رواية السلطات في قضية لا تزال قيد التحقيق، ولا تعني ثبوتها بحق الصحفيين بحكم قضائي.

ادعاءات التعذيب ونفي السلطات

في المقابل، أثار محامو الصحفيين مخاوف بشأن ظروف احتجازهم، وقالوا إن بعض الموقوفين أبلغوا نيابة أمن الدولة العليا، خلال التحقيق معهم في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة داخل مقار تابعة للأمن الوطني في محافظات مختلفة، منذ توقيفهم وحتى عرضهم على النيابة.

وبحسب ما نقلته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن فريق الدفاع، شملت الادعاءات تقييد أيدي الصحفيين خلف ظهورهم، وتغطية أعينهم خلال التحقيقات، والضرب والتجريد من الملابس والصعق بالكهرباء، إلى جانب تهديدهم بإيذاء ذويهم. وقال بعضهم إنهم أُجبروا على قراءة اعترافات أُعدت مسبقا أمام الكاميرا.

ونفت السلطات المصرية هذه الاتهامات، وقالت النيابة العامة إن ثلاثة من المتهمين أثاروا ادعاءات باستخدام القوة بحقهم، فأحالتهم إلى الطب الشرعي، ولم يرصد إصابات أو آثارا للعنف. 

من جهتها، وصفت وزارة الداخلية هذه الادعاءات بأنها محاولة للتهرب من الاتهامات، مؤكدة أن الإجراءات اتُخذت وفق القانون.

وفي ردها على بيان النيابة، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن الإشارة إلى عدم وجود إصابات ظاهرة لا تكفي وحدها للرد على ادعاءات التعذيب، وانتقدت ما اعتبرته غيابا لتوضيح بشأن التحقيق في هذه الشكاوى أو استدعاء المسؤولين عن أماكن الاحتجاز والشهود.

 كما أشارت إلى أن بيان النيابة لم يتناول إفادات بعض الصحفيين بشأن إجبارهم على تسجيل اعترافات وصفوها بالمفبركة.

تأخر العرض على النيابة

وفي السياق ذاته، طعنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في قانونية الإجراءات التي سبقت عرض الصحفيين على النيابة، وقالت إنهم ظلوا محتجزين خمسة أيام قبل المثول أمام جهة التحقيق، من دون تمكينهم من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، رغم تقديم 18 شكوى بهذا الشأن.

وانتقدت المبادرة استخدام إجراء “التحفظ” استنادا إلى قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 2015، موضحة أن اللجوء إليه مشروط بوجود خطر إرهابي يستدعي اتخاذ تدابير استثنائية. ورأت أن الاتهامات المعلنة، المتعلقة بنشر أخبار كاذبة وشائعات، لا توضح وجود خطر وشيك يبرر تجاوز الضمانة القانونية التي تقضي بعرض المحتجز على سلطة قضائية خلال 24 ساعة.

وأشار حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى أن “استخدام هذا الإجراء بحق صحفي يعمل في مجال التحقق من المعلومات يثير تساؤلات حول طبيعة القضية ومدى انطباق المبررات القانونية المنصوص عليها في القانون على الوقائع محل التحقيق”.

واعتبر بهجت أن السلطات لم تمكّن المحتجز، بحسب قوله، من بعض الضمانات التي ينص عليها القانون ذاته، ومنها التواصل مع أسرته والاستعانة بمحامٍ خلال فترة التحفظ.

نقابة الصحفيين تطالب بالإفراج

من جهتها، أعلنت نقابة الصحفيين المصريين متابعتها قضية الصحفيين الستة، وبينهم خمسة متدربين بالنقابة، مؤكدة اتخاذ خطوات قانونية ونقابية للدفاع عنهم، بصرف النظر عن أوضاع عضويتهم. وقررت النقابة تقديم بلاغ إلى النائب العام بشأن ما أورده الصحفيون عن تعرضهم لانتهاكات جسدية وإكراه على الإدلاء بأقوال وتسجيلات غير صحيحة خلال احتجازهم، مطالبة باستبعاد أي اعترافات انتُزعت تحت الضغط.

وطالبت النقابة بالإفراج عن الصحفيين، وأبدت استعدادها لتقديم ضمانة لحضورهم أمام جهات التحقيق عند الطلب. 

كما أشارت إلى أن الصحفيين قدموا عقود عمل رسمية، وأودعت نسخ منها لدى بنوك مصرية، التي كانوا يتلقون أجورهم عبرها، معتبرة أن هذه المعطيات تدعم مشروعية عملهم الصحفي. 

وشددت على أن مسؤولية التحقق من مصادر تمويل المؤسسات تقع على عاتق الجهات المختصة، لا الصحفيين العاملين فيها.

وأعادت النقابة التذكير بأن المنصة واجهت أزمة مشابهة قبل نحو ثلاث سنوات، حين زودت السلطات بأسماء العاملين فيها، وكان ثلاثة من الصحفيين الموقوفين حاليا ضمن تلك القائمة. 

وأضافت أن صحفيا آخر احتجز يومين آنذاك قبل الإفراج عنه من دون توجيه اتهامات، عقب تدخل النقابة.

تضامن تجاوز الحدود

امتد التضامن مع صحفيي منصة “متصدقش” إلى خارج مصر، إذ وقعت أكثر من 50 منظمة حقوقية ومؤسسة إعلامية ومنصة للتحقق من المعلومات، من مصر ودول عربية وأوروبية والولايات المتحدة، بيانا مشتركا طالبت فيه بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفيين الستة.

ودعت الجهات الموقعة إلى ضمان سلامتهم وحقوقهم القانونية، في ظل ما أثير بشأن ظروف احتجازهم والادعاءات المتعلقة بتعرض بعضهم للتعذيب والإكراه، مؤكدة ضرورة وقف الإجراءات التي تستهدف عملهم الصحفي.

وقالت الصحفية اللبنانية هلا نصر الدين، التي شاركت في الوقفة التي شهدتها بيروت أمس، لـ”عابر”، إن التضامن مع صحفيي منصة “متصدقش” لا يقتصر على مصر، بل يرتبط بحرية الصحافة والعمل الصحفي المستقل في المنطقة والعالم.

وأشارت إلى أن القلق لا يتعلق فقط بتوقيف فريق التحرير بأكمله، بل أيضا بالادعاءات المتعلقة بتعرض بعض الصحفيين للتعذيب والإكراه وتهديد الصحفيين العاملين حاليا في الميدان، معتبرة أن القضية تستدعي تحركا أوسع يجعلها قضية رأي عام، ويزيد الضغط من أجل الإفراج عنهم.

ومن الأردن، انتقدت الصحفية شفاء القضاة ما وصفته بحملة تحريض ضد الصحفيين الستة، على خلفية اتهامهم بالإرهاب والانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وشددت على أن التعامل مع القضية من منطلق الشماتة أو التحريض يتعارض مع التضامن المهني بين الصحفيين، مؤكدة أهمية مساندة زملائهم في مواجهة ما قد يترتب على توقيفهم من مخاوف بشأن حرية العمل الصحفي.

وفي ظل اتساع دائرة التضامن مع صحفيي “متصدقش”، تتواصل الدعوات إلى الإفراج عنهم، وسط تمسك المؤسسات الحقوقية والإعلامية بضرورة حماية الصحفيين من الملاحقة بسبب عملهم، وضمان حقهم في ممارسة مهنتهم بحرية، بعيدا عن أي إجراءات تقيد قدرتهم على التحقق من المعلومات ونشرها.