يفتقر الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية في الأردن إلى خدمات الترجمة بلغة الإشارة داخل المستشفيات والمراكز الصحية، ما يصعّب عليهم التواصل مع الأطباء وشرح أعراضهم وفهم ما يتعلق بتشخيصهم وعلاجهم، ويجعل الوصول إلى الرعاية الصحية مرتبطًا في كثير من الحالات بوجود مترجم أو مرافق يستطيع التواصل معهم.
وفي ظل غياب خدمة ترجمة منتظمة داخل المنشآت الصحية، يضطر بعض الأشخاص الصم إلى البحث بأنفسهم عن مترجم عند الحاجة، فيما قد يلجأ آخرون إلى الكتابة أو الإشارات أو الاستعانة بأفراد الأسرة، وهي وسائل لا توفر دائما تواصلا دقيقا في المواقف الطبية، خصوصا عند شرح الأعراض أو فهم الأدوية والعلاجات.
وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة المستندة إلى التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2015، تبلغ نسبة الأردنيين بعمر 5 سنوات فأكثر ممن يواجهون صعوبة في واحدة أو أكثر من وظائف الجسم 11.2 في المئة، فيما تبلغ نسبة من يواجهون صعوبة في السمع 3.1 في المئة. وفي هذا السياق، تأتي قصة عبدالله، الذي يواجه صعوبة في إيصال ما يشعر به إلى الأطباء كلما احتاج إلى الرعاية الصحية.
كيف يشرح ألمه؟
منذ نحو عام، يحاول عبدالله (25 عاما) أن يجد تفسيرًا لألم مستمر في منطقة الحوض. راجع مستشفى البشير الحكومي أكثر من مرة، محاولا أن يشرح للأطباء ما يشعر به، لكن غياب مترجم لغة إشارة جعل التواصل معه أكثر صعوبة.
وللتواصل مع عبدالله، أجرت “عابر” المقابلة معه بمساعدة مترجم لغة إشارة، نقل إليه أسئلتنا وترجم إجاباته.
يسكن عبدالله في جبل التاج في العاصمة عمان، ويدرس تخصص الرياضة في الجامعة الأردنية، ويستخدم سماعة تساعده على السماع، ولكن بنسبة قليلة جدا وغير واضحة، إلى جانب اعتماده على لغة الإشارة في التواصل، التي لا يعرف أي من أفراد أسرته التعامل بها.
يحاول شرح ألمه بأكثر من طريقة عندما يراجع الطبيب؛ يستخدم لغة الإشارة، ويشير إلى موضع الألم في جسده، ويحاول تمثيل ما يشعر به بالحركات، كما يلجأ إلى الكتابة عندما يحتاج إلى ذلك، لكنه يقول إن هذه المحاولات لا تنجح دائما في إيصال ما يريد للطبيب.
ويصف إحدى المرات التي حاول فيها شرح حالته: “كل ما أحاول أشرح له يظل يهز براسه بإيماءات إنه فهم ألمي، ويعطيني مسكن بالنهاية”.
حصل عبدالله بالفعل على مسكن، لكنه يقول إن الألم لم ينته، وإن المشكلة التي يعاني منها مستمرة. وبالنسبة إليه، لا تكمن الصعوبة في الحصول على دواء فقط، وإنما في القدرة على شرح طبيعة الألم ومكانه وما يشعر به، ثم فهم ما يقوله الطبيب له بشأن حالته.
ولا تقتصر هذه الصعوبة على مستشفى البشير، فقد واجهها أيضا عند مراجعته مراكز صحية شاملة في المنطقة التي يسكن فيها، حيث يجد نفسه مضطرا إلى الاعتماد على وسائل مختلفة للتواصل مع العاملين الصحيين في غياب مترجم لغة إشارة.
وعندما يحتاج إلى مترجم، يتواصل عبدالله مع أشخاص يعرفهم، ويسألهم إن كان أحدهم متاحًا وقادرًا على الحضور معه، لكن العثور على شخص في الوقت المناسب ليس أمرًا مضمونًا دائمًا، خصوصا عندما يشتد الألم أو يحتاج إلى الرعاية بشكل مفاجئ.
لذلك، يذهب أحيانا إلى المستشفى أو المركز الصحي بمفرده، إذ يقول إنه يريد الاعتماد على نفسه، كما أن طبيعة الألم قد تجعله غير قادر على الانتظار إلى أن يجد شخصا يرافقه ويترجم له.
وتصبح هذه الفجوة أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى عبدالله، الذي يصف هذا الاحتمال بأنه “مرعب، ومخيف وخطر”، مضيفا أنه سيضطر في تلك الحالة إلى بذل كل ما يستطيع للعثور على مترجم، لأنه يرى أن التواصل المباشر مع الطبيب ضروري حتى يتمكن من الحصول على المساعدة التي يحتاجها.
ليست بالمجان!
ولا ترتبط الاستعانة بالمترجم بالنسبة إلى عبدالله بتوافر شخص يستطيع مساعدته فقط، إذ يقول إن بعض المترجمين الذين استعان بهم يساعدونه من دون مقابل، بينما يتقاضى آخرون أجرًا. ويذكر أن ما دفعه في بعض الحالات تراوح بين 10 و20 دينارا (14-28 دولارا).
وتجعل هذه الظروف وصوله إلى الرعاية الصحية مرتبطا بقدرته على العثور على شخص يعرف لغة الإشارة، وفي الوقت الذي يحتاجه، وهو ما لا يستطيع ضمانه دائمًا.
ويرى عبدالله أن وجود مترجم لغة إشارة داخل المستشفيات والمراكز الصحية، أو توفير خدمة سريعة للترجمة عن بعد، يمكن أن يغير هذه التجربة، بحيث لا يضطر الشخص الأصم إلى البحث بنفسه عن شخص يترجم له في كل مرة يحتاج فيها إلى الطبيب.
وبالنسبة إلى عبدالله، تبدأ المشكلة قبل التشخيص والعلاج: كيف يشرح للطبيب ما يشعر به، وكيف يتأكد أن الطبيب فهمه، وكيف يفهم هو ما الذي يعانيه وما الذي ينبغي أن يفعله بعد ذلك.
فجوة في الترجمة الطبية
من واقع عمله كمترجم ومدرب لغة إشارة، يرى سيف الدين صالح أن الترجمة في المجال الصحي تحتاج إلى معرفة تتجاوز إتقان لغة الإشارة، لأن المترجم يتعامل مع مصطلحات وأمراض وعلاجات وأدوية تحتاج إلى فهم طبي حتى يستطيع نقلها للشخص الأصم بصورة دقيقة.
ويقول لـ”عابر” إن الوصول إلى مهنة ترجمة لغة الإشارة في الأردن يأتي عبر مسارين؛ الأول من خلال الاحتكاك المبكر بالأشخاص الصم، والثاني عبر دورات تعلم لغة الإشارة بمستوياتها الأربعة، ثم التدرج في التعامل مع الأشخاص الصم إلى أن يصل المتدرب إلى مستوى يمكنه من الترجمة.
وبعد التدريب، يخضع مترجمو لغة الإشارة لامتحان للحصول على “رخصة اعتمادية مترجمي لغة الإشارة” من المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويتضمن الامتحان جانبا نظريا وآخر عمليا، بحسب صالح.
خلفية طبية متخصصة
ويبين صالح أن التدريب المتخصص في الترجمة الطبية بلغة الإشارة غير متوفر حاليا، مؤكدا أن خلفيته في التمريض تساعده على أداء هذا النوع من الترجمة، لأنه يعرف أسماء الأمراض والعلاجات والأدوية، ويستطيع شرحها بلغة الإشارة، بينما قد يواجه مترجم لا يمتلك خلفية طبية صعوبة في فهم بعض المصطلحات أو نقلها للشخص الأصم.
ولا تكون الترجمة الطبية، بحسب صالح، نقلا حرفيا لكلام الطبيب، إذ إن بعض المصطلحات الطبية لا توجد لها إشارة متعارف عليها، ما يتطلب من المترجم شرح المصطلح بطريقة يفهمها الشخص الأصم.
ويشير إلى أن مصطلحات مثل المسكن والحقنة واللقاح لها إشارات معروفة، بينما قد تحتاج مصطلحات أكثر تخصصا، مثل “هضم” و”عصارة المعدة”، إلى شرح بحسب الشخص الأصم ومستوى معرفته بالمصطلحات الطبية.
كما يوضح صالح أن الاختلاف بين الأشخاص الصم في استخدام الإشارات لا يعني بالضرورة وجود لغات إشارة مختلفة، وإنما قد تكون هناك اختلافات في طريقة استخدام الإشارة من شخص إلى آخر، ويستطيع المترجم المتمرس التعامل معها وفهم المقصود.
وفي المجال الصحي، تصبح الدقة والسرية جزءا أساسيا من عمل المترجم، ويقول إنه قد يكرر المعلومة مرتين أو ثلاثا، أو يطلب من الشخص الأصم إعادة الإشارة، للتأكد من أن المعنى وصل بصورة صحيحة، خصوصا أن المعلومات الطبية قد تتعلق بحالة صحية أو دواء أو علاج.
ويوضح صالح أنه يعرف مترجمين اثنين فقط يعملان في القطاع الطبي ويتمتعان بالخبرة المطلوبة، هو ومترجمة أخرى. ويرى أن هناك حاجة إلى تدريب المترجمين على المصطلحات الطبية وطبيعة التواصل داخل المؤسسات الصحية، مشيرا إلى أن توظيف مترجمين مؤهلين في وزارة الصحة يمكن أن يساعد في معالجة جانب من المشكلة.
ولا تتعلق المشكلة بعدد المترجمين فقط، وإنما أيضا بطريقة تنظيم المهنة وممارستها. ويشير إلى أن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يعتمد المترجمين بعد اجتياز الاختبارات، ويرشح مترجمين للجهات والمؤسسات، كما توجد قائمة بالمترجمين المعتمدين يجري تعميمها على الوزارات والجهات الحكومية.
لكن صالح يقول إن متابعة ممارسة المهنة بعد الترخيص ما تزال ضعيفة أو شبه غائبة، وإن بعض الأشخاص يعملون في الترجمة من دون ترخيص. كما ينتقد تعامل بعض المؤسسات مع المهنة، إذ تبحث بعض الجهات عن المترجم الأقل كلفة، فيما تكون فرص العمل الرسمية محدودة، ويعمل معظم المترجمين بنظام شراء الخدمات.
ويؤكد أن ترجمة لغة الإشارة مهنة لها أخلاقياتها وحساسيتها، وأن المترجم يمثل “مفتاحا للتواصل” بين الشخص الأصم والطرف الآخر.
ترجمة مرئية عن بعد
وأمام محدودية وجود المترجمين داخل المنشآت الصحية، يتجه المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ووزارة الصحة إلى توفير خدمة ترجمة مرئية عن بعد.
يقول رأفت الزيتاوي، الناطق باسم المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لـ”عابر” إن المجلس عمل مع وزارة الصحة على تعزيز إتاحة الوصول والتواصل الفعال في القطاع الصحي، استنادا إلى المادة 24 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، وشمل ذلك إعداد أدلة إرشادية للمستشفيات والمراكز الصحية، وتدريب مئات العاملين في الصحة والتمريض والاستقبال على أساسيات التواصل بلغة الإشارة.
ويشير إلى أن خيار تعيين مترجم مقيم في كل منشأة نوقش مع وزارة الصحة، لكن نقص أعداد المترجمين المعتمدين المؤهلين للترجمة الطبية المتخصصة وارتفاع الكلفة التشغيلية دفعا إلى اعتماد الترجمة المرئية عن بعد كخيار يغطي المستشفيات والمراكز الصحية.
ويعمل المجلس والوزارة حاليا على إعداد مذكرة تفاهم لإطلاق الخدمة، بحيث يتمكن الشخص الأصم من داخل المستشفى أو المركز الصحي من الاتصال عبر الفيديو بمترجم لغة إشارة معتمد. ويمول المجلس التعاقد مع شركة متخصصة ويدعم الخدمة فنيا لمدة عامين، على أن تتولى وزارة الصحة استدامتها لاحقا.
أما الترجمة الحضورية داخل المنشآت الصحية، فيؤكد الزيتاوي أنها “نادرة” و تقتصر حاليا على جهود ومبادرات فردية. ولدى المجلس قاعدة بيانات رسمية للمترجمين المعتمدين، تضم 105 مترجمين، بينهم 78 داخل الأردن و27 خارجه، وترفع القائمة سنويا إلى رئاسة الوزراء لتعميمها على المؤسسات الحكومية.
ويشير إلى أن الجهات الصحية تستطيع الاستعانة بالمترجمين من القائمة في الحالات التي تتطلب حضورهم، مثل اللجان والمواعيد الطبية، إلى جانب الاستفادة منها في تشغيل خدمة الترجمة عن بعد.
ويرفض المجلس الاعتماد على أفراد الأسرة أو المرافقين لترجمة المعلومات الطبية، ويعتبر ذلك “غير مقبول ومرفوض بالكامل”، لما قد يترتب عليه من نقل غير دقيق للأعراض أو الأدوية أو الجرعات، فضلا عن انتهاك خصوصية المريض، وحقه في فهم حالته واتخاذ قراراته العلاجية بنفسه.
كما يرى المجلس أن الكتابة أو تطبيقات الترجمة المتاحة حاليا لا توفر بديلا دقيقا للترجمة الفورية بلغة الإشارة، خصوصا في الحالات التي تتطلب فهما مباشرا للمصطلحات الطبية.
ويقول الزيتاوي إن أبرز التحديات تتمثل في الكلفة المستمرة، ونقص المترجمين المؤهلين ميدانيًا، واعتماد بعض الخدمات على مبادرات فردية، فيما يهدف نموذج الترجمة عن بعد إلى تجاوز هذه العقبات وإدماج الخدمة لاحقا ضمن منظومة وزارة الصحة.
