من الشرق إلى الغرب، تنوعت الاحتجاجات بين مطالب بتحسين التعليم والأجور، وأخرى رفضا لغلاء المعيشة والفساد، وتحركات دفاعا عن الحريات والحقوق السياسية.
ورغم اختلاف أسبابها والسياقات التي اندلعت فيها، تقاطعت هذه التحركات عند مطالب العدالة الاجتماعية والكرامة والحق في التعبير والاحتجاج السلمي، لتكشف كيف تتخذ الأزمات أشكالا مختلفة من بلد إلى آخر، فيما يبقى أثرها حاضرا في حياة الناس وحقوقهم.
ففي تونس، خرج آلاف المتظاهرين إلى شوارع العاصمة يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول)، احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، وتضييق الحريات السياسية والنقابية.
وجاءت المسيرة بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات حقوقية ومدنية وأحزاب معارضة، ورفع المشاركون شعارات تطالب باستقلال القضاء، والإفراج عن الموقوفين على خلفية قضايا سياسية وحقوقية، واحترام حرية التعبير والعمل النقابي، إلى جانب مطالب بمواجهة التلوث في مدينة قابس.
وتعكس هذه المطالب مخاوف متصاعدة من تراجع الحقوق والحريات في البلاد، بالتزامن مع أزمة اقتصادية واجتماعية تثقل حياة التونسيين، وسط شكاوى من البطالة وتراجع الخدمات العامة ونقص بعض المواد الأساسية. ومنذ عام 2021، حين بدأ رئيس البلاد قيس سعيد تركيز السلطات بيده، تتواصل انتقادات المعارضة والمنظمات المدنية بشأن الملاحقات القضائية وتضييق المجال العام.
وانتهت المسيرة بتجمع احتجاجي في شارع الحبيب بورقيبة، من دون أن ترد في التقارير أي بيانات تؤكد وقوع اعتداءات أو إصابات أو توقيفات خلال التحرك نفسه. ولم تعلن استجابة حكومية فورية للمطالب التي رفعها المحتجون.
ليبيا حلقة أخرى
عربيا تونس ليست البداية، ففي ليبيا، اتخذ الحراك الاحتجاجي مسارا مختلفا، مع اتساع إضراب المعلمين في المدارس العامة للمطالبة بتحسين الرواتب، وصرف المستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي وظروف عمل أفضل.
ونظم معلمون وقفة أمام مقر الحكومة في طرابلس مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، فيما استمر الإضراب مع تعثر الاستجابة لمطالبهم، ما أدى إلى تعطيل انطلاق العام الدراسي.
وحذرت مديرية أمن طرابلس من تنظيم تظاهرات دون استيفاء الإجراءات القانونية، مشيرة إلى عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، بينما تحدثت تقارير عن تهديدات باتخاذ إجراءات قانونية بحق نقابات وأفراد على خلفية الإضراب وإغلاق المدارس. ويثير هذا التصعيد مخاوف بشأن مساحة العمل النقابي والحق في الاحتجاج السلمي، في وقت يطالب فيه المعلمون بحقوق مهنية ومعيشية لم تُحسم بعد.

أذربيجان .. الحجاب والحق في التعليم
ومن شوارع تونس وليبيا، حيث تتداخل المطالب المعيشية والسياسية مع الغضب من الأوضاع القائمة في البلاد، تنتقل صورة الاحتجاج إلى أذربيجان، لكن من بوابة مختلفة هذه المرة: أبواب المدارس، حيث تحولت قيود الزي المدرسي إلى أزمة تمس حق الطالبات في التعليم وحريتهن في ارتداء الحجاب.
بدأت الأزمة بعد سلسلة تعديلات قانونية نظمت الزي المدرسي وملابس المعلمين في المدارس الحكومية. ففي سبتمبر (أيلول) 2026، صدر قرار لتنظيم زي الطلبة، أعقبه قرار في أكتوبر (تشرين الأول) وضع قواعد لملابس المعلمين واشترط توافقها مع مبدأ علمانية التعليم.
ورغم أن القرار الخاص بالطلبة لم يحظر الحجاب صراحة، بدأت مدارس في 12 أكتوبر (تشرين الأول) منع طالبات محجبات من الدخول، فيما أفادت معلمات بمواجهتهن قيودًا مماثلة في أماكن عملهن، ما دفع طلابًا وأهالي إلى الاحتجاج ومقاطعة الدروس في بعض المدارس.
وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصًا في العاصمة باكو على خلفية الأحداث. وأثارت الإجراءات انتقادات حقوقية، إذ دعت منظمة العفو الدولية إلى إنهاء القيود التي تحرم الطالبات من التعليم بسبب الحجاب، والإفراج عن المحتجزين بسبب احتجاجهم السلمي. وبينما تتمسك السلطات بمبدأ علمانية التعليم وتوحيد الزي المدرسي، بقيت آثار تطبيق القواعد في صلب القضية: طالبات يُحرمن من دخول صفوفهن، ومعلمات يواجهن قيودًا على لباسهن الديني.

ألبانيا .. احتجاجات تتحدى الحكومة
وعلى الضفة الأخرى، لم تكن المطالب الاجتماعية والحقوقية أقل حضورا، إذ شهدت دول أوروبية احتجاجات ارتبطت بأزمات المعيشة والتعليم والفساد، إلى جانب الاعتراض على سياسات حكومية.
ففي ألبانيا، سبقت الاحتجاجات موجة التصعيد الأوروبي والعربي الذي جرى في 17 أكتوبر(تشرين الأول)، إذ بدأت التحركات الطلابية في 13 أكتوبر، على خلفية الغضب من أوضاع التعليم ونقص فرص العمل والفساد، وتطورت إلى مطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
وفي تيرانا، شهدت المواجهات استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما أظهرت لقطات رويترز إطلاق مقذوفات بدت كأنها رصاص مطاطي.
ودخلت الاحتجاجات يومها الخامس في 17 أكتوبر (تشرين الاول)، وأعلن مدير الشرطة الألبانية سكندر هيتا اعتقال 167 شخصًا وإخضاع 388 آخرين لإجراءات جنائية خلال خمسة أيام من الاحتجاجات، فيما أصيب 132 من أفراد الشرطة، ونقل بعضهم إلى المستشفى، كما أعلن تعليق عمل سبعة ضباط وفتح تحقيقات تأديبية بحقهم للاشتباه في تجاوز صلاحياتهم.
وتعود جذور الغضب إلى ما هو أبعد من المطالب الطلابية، إذ سبقت هذه التحركات احتجاجات على مشروع منتجع سياحي فاخر على الساحل الألباني، مدعوم من مستثمرين بينهم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومع اتساع الاحتجاجات لتشمل الفساد ونقص فرص العمل، رفض راما التنحي، فيما تواصلت المواجهات في العاصمة.

فرنسا .. احتجاجات تتحول إلى مواجهات
ومن ألبانيا إلى فرنسا حيث تراكم الغضب على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بالتزامن مع احتجاجات طلابية على أوضاع المدارس ونقص المعلمين. ففي 17 أكتوبر(تشرين الأول) 2026، اتسعت التحركات لتجمع طلابًا ونقابات ومجموعات من حركة “السترات الصفراء”، في محاولة لربط المطالب الاجتماعية ببعضها. وقدّرت وزارة الداخلية المشاركة بنحو 550 ألف شخص، مقابل 800 ألف وفق المنظمين.
وبينما بقيت مسيرات كثيرة سلمية، شهدت مدن عدة مواجهات وأعمال نهب وإحراق وتخريب لمتاجر ومبانٍ عامة.
وفي مدينة ليموج، اندلع حريق في مبنى البلدية التاريخي الذي يعود إلى نحو 140 عامًا، وانهار برجه وسط النيران، في مشهد خلف صدمة لدى السكان.
وارتفعت حصيلة التوقيفات من نحو 400 شخص مساء السبت إلى 1,800 بحلول الأحد، ثم نحو 2,400 وفق تحديث رويترز في 18 أكتوبر.
وفي اليوم نفسه، أفادت السلطات بإصابة قرابة ألف من أفراد الشرطة. كما فقد متظاهر يبلغ 17 عامًا يده في سانت إتيان إثر إصابته بقنبلة لتفريق الحشود، وفتحت السلطات تحقيقًا في الحادثة. كما توفي متظاهر في باريس إثر سكتة قلبية خلال الاحتجاجات، من دون أن تثبت أن الوفاة نتجت مباشرة عن تدخل الشرطة.
ودعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الهدوء، وأدان أعمال التخريب والنهب، مؤكدًا أن المطالب الاجتماعية للمحتجين السلميين مشروعة، فيما تعهدت الحكومة بمحاسبة المسؤولين عن الأضرار.
وفي 19 أكتوبر، رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز. لكن لم يعلن عن حزمة إجراءات محددة لمعالجة مطالب الغلاء والخدمات العامة، وظلت تداعيات المواجهات مفتوحة.

إيطاليا.. الغلاء وحق التظاهر
كما في فرنسا، دفعت الضغوط المعيشية وتراجع الخدمات العامة متظاهرين في إيطاليا إلى الشوارع، لتتداخل المطالب الاقتصادية مع رفض الأوضاع التي تثقل الحياة اليومية، وسط مواجهات وضعت التعامل الأمني مع الاحتجاجات في صلب المشهد.
في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، شهدت مدن إيطالية عدة مظاهرات احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي ميلانو، تحولت أجزاء من المسيرة إلى مواجهات، إذ ألقى بعض المشاركين الحجارة وأضرموا النار في حاويات نفايات، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وأغلقت متاجر أبوابها، وغادر سياح وسط المدينة، وأغلقت محطة مترو الدومو مؤقتًا، فيما امتدت المواجهات إلى بولونيا وتورينو ومدن أخرى.
وبحسب حصيلة أولية نشرت في 18 أكتوبر، أوقف 28 شخصًا، بينهم 12 قاصرًا، وأُصيب 141 من أفراد قوات الأمن خلال أحداث السبت. وفي اليوم التالي، تجددت المواجهات في ميلانو، واقتادت الشرطة أكثر من 60 شخصًا إلى مركزها لإجراء التحقق والتحقيق، من دون تأكيد توقيفهم جميعًا رسميًا.
وأدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف، مؤكدة أن حق التظاهر لا يبرر الاعتداء على قوات الأمن أو تخريب الممتلكات.
وفي المقابل، شدد رئيس بلدية ميلانو جوزيبي سالا على أن المطالب الاجتماعية للمحتجين لا ينبغي اختزالها في أعمال التخريب. وبينما ركزت التصريحات الرسمية على إدانة العنف ومحاسبة المتورطين، ظلت المطالب المرتبطة بكلفة المعيشة والخدمات العامة حاضرة في المشهد.
تحت المجهر الحقوقي
ترافقت الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية مع مخاوف حقوقية بشأن استخدام القوة والقيود المفروضة على حرية التجمع السلمي. ففي فرنسا، انتقدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تعامل الشرطة مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، وأشارت إلى إصابات خطيرة بين قاصرين، ودعتا إلى حماية حقهم في الاحتجاج السلمي والتحقيق في استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات. وشددت المنظمتان على أن الحفاظ على الأمن لا يبرر استخدام القوة بصورة غير قانونية أو غير متناسبة، خصوصًا ضد الأطفال.
أما في إيطاليا، فتتركز المخاوف التي أثارتها منظمة العفو الدولية على الإطار القانوني للاحتجاج، إذ حذّرت من أن أحكامًا في تشريعات الأمن العام قد تفرض قيودًا غير متناسبة على التجمع السلمي وبعض أشكال العصيان المدني.
لكن هذا الموقف يتعلق بالتشريعات وتداعياتها المحتملة على الحريات، ولا يشكّل تعليقًا مباشرًا على احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وبذلك، تتقاطع المواقف الحقوقية في التشديد على ضرورة حماية الحق في الاحتجاج، مع اختلاف طبيعة الانتهاكات والمخاوف من بلد إلى آخر.
