يتكرر في الآونة الأخيرة مشهد موجع ومقلق على أطراف المدن العراقية؛ عائلات فقيرة لا تملك أثمان قطع الأراضي في المقابر الرسمية الممتلئة، فتضطر مرغمة لدفن موتاها خلسة في أراضٍ زراعية مهملة أو مساحات متروكة بين الأحياء والمجمعات العشوائية، بعيدًا عن أعيُن الرقابة. هذا الستر المؤقت لا يدوم طويلًا، إذ تجد العائلات نفسها في معركة يومية لا تنتهي مع جرافات البلديات والجهات المعنية التي تهدد بإزالة تلك المقابر وجرفها بلا مبالاة، لتواجه العائلة مأساة جديدة تتجاوز موت الفقيد نفسه إلى كابوس ملاحقة قبره وانتهاك حرمته.
تتحول هذه المساحات، تدريجيًا، إلى “مقابر هامشية” يحكمها الخوف الدائم من الجرافات، وغياب أي غطاء رسمي أو تنظيمي يضمن للفقراء حقهم في الموت بكرامة والوداع الأخير بسلام. وهذا ما نشهده بوضوح في أطراف العاصمة بغداد ومحافظات الفرات الوسطى والجنوب، لتعكس حالة من العجز المؤسساتي الممتد منذ سنوات طويلة دون أي أفق لحل جذري.
رحلة البحث عن قبر
في زاوية من منزل عراقي بسيط، لم يفق بعدُ من هول فاجعة الفقد، تقف عائلة أحمد أمام عائق مادي قاسٍ يعجزون فيه حتى عن إيجاد مساحة بسيطة لدفن فقيدهم في المقابر الرسمية التي تحولت شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه الاستثمار العقاري المغلق أمام الطبقات الفقيرة، حيث تتضاعف الأسعار تبعًا للموقع والواسطة وشبكات السماسرة.
تروي والدة أحمد تفاصيل معاناتهم: ”حين توفي ابني، اصطدمنا بواقع مرير؛ المقابر الرسمية إما ممتلئة بالكامل أو أن أسعار قطع الأراضي باتت مرتفعة للغاية لا يستطيع إنسان بسيط دفعها حتى لو باع ما يملك”.
وتضيف: “اضطررنا مرغمين لدفنه في أرض متروكة على أطراف المنطقة. اليوم، لا نعاني فقط من لوعة الفراق، بل نعيش رعبًا اسمه جرافات البلدية التي تهدد بتجريف هذه الأراضي وإزالة القبور. بدلًا من أن نزور قبره لنقرأ الفاتحة بسكينة، أصبحنا نخشى في كل لحظة أن نأتي فلا نجد شيئًا يذكرنا به سوى التراب المنتهك”.
ولم تتوقف معاناة العائلة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تداعيات أخرى تتصل بتأمين مصاريف العزاء والتبعات المالية الثقيلة، تقول الوالدة: ”تبدأ الحكاية الأثقل حين تجد نفسك مطالبًا بدفع أموال طائلة لمجرد حفر قبر بسيط أو تأمين ممر للوصول إليه. الناس هنا يتقاسمون لوعة الفقد. وحين توجّهنا للمسؤولين ناشدتهم مرارًا لإيجاد حلول تنقذنا من جشع السماسرة في المقابر الرسمية، لكننا لم نلق سوى الأبواب المغلقة والوعود المؤجلة”.
تتكرر هذه الحكاية بحذافيرها في عدة أحياء ومناطق على أطراف بغداد والمحافظات، حيث أصبحت العائلات الفقيرة رهينة تجارة الأراضي في المقابر الرسمية.
يطاردون الموتى
ولا تقف الحكايات عند عائلة أحمد، ففي منطقة أخرى على أطراف إحدى المحافظات العراقية، عاشت أم حيدر، وهي أمرأة خمسينية فقدت ولدها الشاب قبل عامين، فصولًا أخرى من القهر اليومي بسبب أزمة القبور.
تقول أم حيدر لـ”عابر”: “لم يكن لدينا ما يكفي لشراء قبر في مقبرة المدينة الرسمية التي يتجاوز سعر المتر فيها ميزانيتنا بأضعاف. استلفنا مبلغًا ماليًا لدفن زوجي في قطعة أرض زراعية غير مسكونة، على أمل أن نتمكن لاحقًا من زيارته بسلام. لكن لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى فوجئنا بإشعار شفهي من جيران الأرض بأن البلدية تعتزم جرف المنطقة بحجة التجاوزات”.
وتضيف: “كيف لجرافة أن تقتلع قبرًا؟ هل يتحول الإنسان بعد موته إلى متجاوز يجب طرده من الأرض؟ ذهبت إلى دائرة البلدية أتوسل بالمسؤولين وقلت لهم: خذوا مني كل ما أملك، لكن اتركوا لي هذا التراب الذي يضم أبنائي وأبوهم.. لكن لا أحد يستمع لصوت المكسورين”.
وعن حجم الضغط النفسي والمجتمعي تقول: “نعيش في حالة استنفار دائم. تحدثنا مع وجهاء المنطقة لعلهم يتدخلون لدى الدوائر البلدية لوقف حملات التجريف، وطالبنا مرارًا بتخصيص مساحة بديلة تليق بكرامة الراحلين، لكن الرد كان دائمًا قاطعًأ بأن القانون لا يعترف بالمقابر العشوائية. فهل يعقل أن يكون الحل الحكومي هو ملاحقة الموتى بدلًا من محاسبة من تسبب بأزمة الأراضي وغلاء الأسعار؟”.
عائلات تحرس قبورها
وفي مشهد آخر، يروي أبو أحمد، وهو أحد الأهالي الذين يقطنون بالقرب من مقبرة عشوائية قديمة، تفاصيل ما تتحمله بعض العائلات لحماية قبور أحبتهم: “وصل ببعض العائلات الأمر إلى التناوب في حراسة القبور ليلًا على أطراف المدن. يأتي الأب أو الأخ ليجلس الساعات الطويلة بجانب الشاهد الترابي البسيط، خوفًا من أن تقوم جرافات الليل بإزالة القبر.
يتابع مستطردًا: ”الناس هنا فقدوا الثقة بكل الوعود الحكومية المتعلقة بتوفير الخدمات الأساسية. توجهنا لعدة جهات محلية وطالبنا بوضع حد لهذه الانتهاكات، وناشدنا المجالس البلدية بإيجاد حل بدل من التجريف، لكن لا نلقى أذانًا صاغية، وهو ما خلق حالة من الغليان الصامت بين الأهالي الذين يشعرون بأن الدولة لا تهتم لأمرهم”.
أين يدفن الفقراء؟
تواجه السلطات المحلية والدوائر البلدية في العراق اتهامات مستمرة بغياب التخطيط وعدم تخصيص مساحات واسعة ومجانية أو بأسعار رمزية لدفن الموتى، ما دفع الأهالي مرغمين نحو الخيارات العشوائية المهددة بالإزالة.
في قراءة دقيقة لهذا الواقع المعقد، يشير المهندس رياض حسن مسؤول قسم بلدية النجف في العراق إلى جوهر الأزمة بالقول: ”بصراحة، هناك عجز هيكلي وتأخر واضح في استراتيجيات التخطيط الحضري المتعلقة بالمقابر العامة منذ عقود”.
ويضيف: “معظم المقابر الرسمية في مراكز المدن أعلنت امتلائها الكامل منذ سنوات طويلة، ولم تقم الجهات الحكومية المعنية بإنشاء مقابر جديدة ومجانية في أطراف المدن توازيًا مع النمو السكاني المتسارع وحركة التمدد العمراني”.
أما بخصوص اللجوء إلى الدفن العشوائي، يقول: “إن القانون العراقي يمنع استغلال الأراضي الزراعية أو الأملاك العامة، وهو ما يدفع البلديات إلى تنفيذ قرارات الإزالة والجرف وفقًا للمتصديات القانونية والبيئية لتلك الأراضي، رغم إدراكنا التام لقسوة هذا المشهد الإنساني على العائلات”.
وعن الخطط الاستراتيجية البديلة التي تدرسها البلديات، أجاب: ”لقد رفعنا في عدة مناسبات مقترحات متكاملة إلى وزارات الإعمار والحكومات المحلية تطالب بتخصيص قطع أراضي واسعة في بغداد والمحافظات الأخرى لتكون مقابر نظامية مجانية تتبع للبلديات، لكن الأمر يصطدم دائمًا بالروتين الإداري المعقد وتقاطعات الصلاحيات بين الوزارات”
ويختم: “نحن ملزمون بتطبيق القانون وحماية الأملاك العامة، لكننا نؤكد أن الحل الحقيقي لا يكمن في جرافات الإزالة، بل في إنشاء مقابر بديلة تنهي هذه المأساة من أساسها”.
جرح لايلتئم
إلى جانب البعد الخدماتي والقانوني، تترك ملاحقة القبور وإزالتها آثاراً نفسية بالغة القسوة على العائلات، حيث يعيد تهديد الجرافات فتح صدمة الفقد الأولى ويحرم الأهالي من استكمال مراحل الحداد الطبيعية والوصول إلى حالة الطمأنينة والسكينة.
يوضح الدكتور مهدي القريشي، وهو أخصائي علم النفس الإكلينيكي والصدمات النفسية، هذا الأثر: ”بلا شك، إن تهديد قبر الفقيد بالتجريف والإزالة يمثل صدمة مضاعفة وعنيفة للعائلة”.
ويضيف لـ”عابر”: “فالطبيعة البشرية تحتاج إلى مكان ثابت ومستقر لزيارة الراحل وتهدئة لوعة الفراق” ويتابع: “لكن حين تعيش العائلة في قلق دائم من أن يُمحى أثر ميتهم أو تُنقل رفاته قسرًا، فإن ذلك يبقيهم في حالة توتر واضطراب مستمر، ويمنع الدماغ البشري من الوصول إلى محطة التقبّل والتعافي، لتتحول ذكرى الموت إلى كابوس يومي متجدد يؤجج الأحزان بدلًا من أن يطفئها”.
وحول الآثار بعيدة المدى لهذا الضغط النفسي المستمر على الأسر، يقول: ”الآثار النفسية لا تقتصر على الحزن المؤقت، بل تمتد لتخلق اضطرابات وجدانية مزمنة وعزلة اجتماعية لدى أفراد العائلة، وخاصة الأمهات والأبناء الذين يفقدون ركنهم الآمن لتقديم العزاء والذكرى”.
أين الدولة؟
وسط هذا التشابك الإنساني والإداري، يبرز التساؤل الأهم عن الإطار القانوني والشرعي الذي يحكم حرمة الموتى، ومدى التزام الدولة بتوفير مقابر عامة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
وفي مقاربته القانونية والشرعية لهذه المعضلة، يقول الباحث في الفقه الإسلامي والقوانين العامة ماجد بشير: “من الناحية الدينية والشرعية، حرمة الميت كحرمة الحي تمامًا”، ويضيف: “إن نبش القبور أو انتهاكها أو جرفها بغير ضرورة شرعية قصوى هو أمر محرم ومرفوض قطعًا في الشريعة الإسلامية والأعراف الإنسانية”.
أما من الناحية القانونية، “فإن الدولة ممثلة بالحكومات المحلية والبلديات ملزمة أخلاقيًا وقانونيًا بتوفير مساحات كافية ومجانية لدفن المواطنين باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية الأساسية” حسبما يقول، ويتابع: “لكن المؤسف أن منظومتنا القانونية تعاني من قصور تشريعي واضح وغياب نصوص صريحة تحمي المقابر العشوائية القديمة أو تنظم إدارتها بشكل إنساني، مما يترك العائلات بلا حماية قانونية حقيقية أمام قرارات الإزالة الإدارية الصارمة”.
ويضيف: ”القوانين البلدية الحالية صُممت للتعامل مع التجاوزات العمرانية والتجارية للأحياء السكنية، ولم تلحظ نهائيًا الحالات الإنسانية المتعلقة بالدفن العشوائي للفقراء العاجزين عن شراء الأراضي”.
ويلفت إلى أهمية سن تشريعات برلمانية استثنائية تلزم الحكومات المحلية بتخصيص مساحات مأمونة لدفن غير القادرين، ومنع أي إجراءات تعسفية بالجرف دون توفير البدائل القانونية المسبقة. ويختم: “إن غياب هذه الغطاء التشريعي يجعل الدولة في مواجهة مباشرة وأخلاقية مع مواطنيها حتى في موتهم”.
إن أزمة مقابر الهامش في العراق لا يمكن اختزالها في كونها مجرد تجاوز على أراضي بلدية أو زراعية، بل هي مرآة حقيقية لأزمة تخطيط وخدمات وغياب أبسط حقوق المواطن البسيطة حتى في موته. ويظل السؤال المعلق بلا جوب: من يحمي كرامة الراحلين وكيف ستُحل هذه الأزمة؟
