الأحد، 18 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
إنسان دولي

الحجاب على أبواب المدارس.. رفض عربي ودولي لحرمان طالبات من التعليم في أذربيجان

من أبواب المدارس التي أخرجن منها إلى مشاهد البكاء واحتضان المعلمات، تواجه فتيات محجبات في أذربيجان موجة من الإقصاء والتمييز بسبب لباسهن، بعدما تحول الحجاب إلى سبب لحرمان طالبات من دخول الفصول، ومعلمات من الوصول إلى أماكن عملهن. 

وتكشف مقاطع مصورة متداولة عن مشاهد مؤلمة لفتيات ينبذن بسبب مظهرهن، و يواجهن احتمال خسارة حقهن في التعليم، في قضية تتجاوز قواعد الزي المدرسي لتطرح تساؤلات عن التمييز على أساس المعتقد الديني، والحدود التي يمكن أن تصل إليها القيود المفروضة على الملابس داخل المؤسسات التعليمية.

كيف بدأت الأزمة في أذربيجان؟

لم تبدأ الأزمة بقرار يذكر الحجاب صراحة، بل بسلسلة من التعديلات القانونية التي أعادت تنظيم ما يسمح للطلبة والمعلمين بارتدائه داخل المدارس الحكومية في أذربيجان، قبل أن يتحول تطبيقها إلى مواجهة تمس طالبات ومعلمات محجبات.

تعود إحدى المحطات الأساسية إلى يوليو (تموز) 2026، حين أقرت تعديلات على قانون “التعليم العام” الأذربيجاني، أضافت مفهوم “الوطنية والعلمانية” إلى المبادئ المنظمة للتعليم، ومنحت الجهات التنفيذية صلاحية تحديد متطلبات لباس المعلمين في المؤسسات التعليمية الحكومية. كما ألزمت التعديلات الطلبة والمعلمين بالامتثال لقواعد اللباس، وحمّلت أولياء الأمور مسؤولية ضمان التزام أبنائهم بالزي المدرسي المحدد.

وفي 21 سبتمبر (أيلول)، اتخذ مجلس الوزراء الأذربيجاني خطوة أخرى، بإصدار القرار رقم 309، الذي عدل القواعد المتعلقة بزي طلبة المدارس الحكومية. ولم يتضمن القرار حظرًا مباشرًا للحجاب، لكنه منع ارتداء أي عناصر إضافية من شأنها الإخلال بوحدة الزي المدرسي أو مخالفة مبدأ علمانية التعليم العام، وفق النص الذي نشرته وزارة التعليم في باكو.

وأبقى القرار استثناءً يسمح بارتداء الملابس الوطنية الأذربيجانية، أو بعض عناصرها، خلال الفعاليات المرتبطة بتاريخ البلاد وثقافتها وقيمها الوطنية، شريطة الحصول على موافقة المجلس التربوي في المدرسة. كما ترك معالجة مسائل التزام الطلبة بالزي المحدد للمجالس التربوية، بدلًا من أن يورد في نصه حكمًا صريحًا بشأن الحجاب.

ولم تقتصر التغييرات على الطلبة. ففي 6 أكتوبر (تشرين الأول)، أقر مجلس الوزراء القرار رقم 325، الذي وضع قواعد محددة لملابس المعلمين والعاملين في التدريس بالمدارس الحكومية. ونص على أن تكون الملابس نظيفة ومرتبة وبأسلوب مهني، وحدد خيارات للملابس النسائية تشمل السترات مع السراويل أو التنانير أو الفساتين، على أن يصل طول التنورة أو الفستان إلى مستوى الركبة أو أسفلها. واشترط أيضًا أن تتوافق الملابس، بما فيها العناصر المضافة إليها، مع مبدأ علمانية التعليم العام.

لكن التحول الأبرز جاء مع بدء تطبيق القواعد في 12 أكتوبر (تشرين الأول)، فقد أفادت تقارير بأن مدارس حكومية بدأت منع طالبات محجبات من الدخول، فيما أبلغت معلمات بضرورة خلع الحجاب أو منعن من الوصول إلى أماكن عملهن. وأدى ذلك إلى احتجاجات ومقاطعة دروس في بعض المدارس، مع تداول مقاطع مصورة لطالبات يبكين ويحتضنّ معلماتهن بعد منعهن من الدخول.

انتقادات حقوقية دولية

وامتدت الأزمة من أبواب المدارس إلى الشارع. ففي 12 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية توقيف 37 شخصًا في باكو على خلفية الأحداث، بينما تحدث ناشطون عن أعداد أكبر من الموقوفين. 

وأثارت الإجراءات انتقادات حقوقية، خصوصًا في ظل التقارير عن توقيف أشخاص شاركوا في الاحتجاج على منع الطالبات من الدراسة.

وتستند السلطات في تنظيم الزي المدرسي إلى علمانية التعليم وتوحيد المظهر داخل المدارس الحكومية. غير أن عدم ورود حظر صريح للحجاب في القرار الخاص بالطلبة، مقابل ورود شرط العلمانية في قواعد لباس المعلمين، يجعل التمييز بين نصوص القرارات وكيفية تطبيقها أمرًا أساسيًا لفهم القضية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت القواعد تذكر الحجاب بالاسم، بل أيضًا بما إذا كان تطبيقها يؤدي إلى حرمان طالبات من التعليم أو معلمات من ممارسة عملهن بسبب لباسهن الديني.

وفي 16 أكتوبر (تشرين الأول)، دخلت منظمة العفو الدولية على خط الأزمة، داعية السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن القيود التي وصفتها بالتمييزية، وإعادة الطالبات والمعلمات المتضررات إلى المدارس، والإفراج عن المحتجزين لمجرد ممارستهم حقهم في الاحتجاج السلمي. واعتبرت المنظمة أن مبدأ علمانية التعليم العام لا يبرر فرض قيود شاملة على اللباس الديني.

وبذلك، انتقلت القضية من خلاف حول قواعد الزي المدرسي إلى جدل حقوقي أوسع بشأن حدود سلطة الدولة في تنظيم المظهر داخل المؤسسات التعليمية، وما إذا كانت هذه القواعد تطبق بطريقة تضمن المساواة بين الطلبة، أم تؤدي عمليًا إلى إقصاء فئة منهم بسبب معتقداتهم الدينية.

أصوات ترفض إقصاء المحجبات

انتقد المحامي ونائب البرلمان التونسي الحبيب بنسيدهم، منع طالبات محجبات من دخول الفصول الدراسية في المدرسة رقم 124 ببلدة شاغان في العاصمة الأذربيجانية باكو. وبحسب ما نشره، اضطرت الطالبات، بعد منعهن من دخول المدرسة لثلاثة أيام، إلى الجلوس على أرض باحتها لمراجعة دروسهن، في مشهد يعكس أثر القيود المفروضة على الحجاب في حقهن في التعليم.

من جانبه، اعتبر المحامي الدولي العراقي شيرزاد بابان حمافندي أن منع الطالبات القاصرات من الذهاب إلى المدارس بسبب الحجاب يشكل انتهاكًا لحرية الدين والحق في التعليم، مؤكدًا أن حرية المعتقد واللباس مكفولتان على المستوى الدولي، ومحذرًا من أن حرمان الأطفال من التعليم لا يمس حاضرهم فحسب، بل يهدد مستقبلهم أيضًا.

ليس مبررًا للتمييز!

في ذات السياق أعرب القطاع النسائي في حزب الأمة عن استنكاره للقيود المفروضة على الطالبات والمعلمات المحجبات في أذربيجان، داعيًا السلطات إلى مراجعتها بما يضمن عدم حرمان النساء من التعليم والعمل بسبب الحجاب.

وأكد القطاع أن الحجاب لا ينبغي أن يكون سببًا للتمييز أو الإقصاء، مشددًا على ضرورة احترام حرية الدين والمعتقد، ومراعاة مبدأي التناسب وعدم التمييز عند تنظيم الزي المدرسي، بما يحول دون المساس بالحقوق الأساسية للطالبات والمعلمات. 

كما دعا المؤسسات الحقوقية والدينية والتربوية إلى متابعة القضية والعمل على حماية حقوق المتضررات.

قلق أوروبي من قيود الحجاب

فيما أعرب مجلس مسلمي أوروبا عن قلقه إزاء تقارير عن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس في أذربيجان، على خلفية تطبيق قواعد جديدة للزي المدرسي.

وأكد المجلس أن الحجاب لا ينبغي أن يكون سببًا لحرمان الطالبات من التعليم أو المعلمات من العمل، داعيًا السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة الإجراءات وضمان عودة المتضررات إلى المؤسسات التعليمية دون تمييز، بما يحفظ حرية الدين والمعتقد والحق في التعليم والعمل. كما دعا المنظمات الحقوقية والدولية إلى متابعة القضية وحماية هذه الحقوق.