الإثنين، 28 سبتمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق مصر

عندما يكون المتحرش امرأة.. لماذا تختلف نظرتنا إلى الضحية والجاني؟

لا تتبدل النقاشات داخل أوساط النساء في مصر عن التحرش، ففي كلّ جلسة ستجد إحداهن تشكو من تعرضها لأحد أشكال التحرش: إلكتروني، جسدي، نفسي، لفظي، إلخ، نتحسر على الحال ونتمنى لو أن مصر بلا تحرش، لكن حينما نقلت العدسة إلى الجهة الأخرى، ماذا لو أن الضحية رجل؟ هل ستختلف نظرتنا؟ هل سنظل نرى مصر بلدًا غير آمنة – للجميع- نساءً ورجالًا؟

قبل أسابيع، انتشرت واقعة غريبة في تفاصيلها وجديدة من نوعها، إذ اتُّهمت امرأة في تركيا بالتحرش بالرجال. كانت ترتاد المحلات التجارية والأسواق والمناطق المزدحمة والشوارع، والتقطت عدسات كاميرات المراقبة لقطات لها وهي تتحرش بالرجال في هذه الأماكن.

المرأة، التي لُقبت بـ”المرأة المخيفة في تركيا”، أثارت تعليقات غريبة من أشخاص غير عرب؛ إذ أكد البعض أن ما حدث جريمة تحرش واضحة وكاملة، ولا تحتمل اللبس أو الخطأ. ولم يتناول أحد الواقعة بمزاح، وإنما تعاملوا معها بجدية، مؤكدين أن ما حدث مرفوض، وأن هناك خصوصية للجسد، حتى لو كان المجني عليهم رجالًا.

بينما جاءت التعليقات من جانب بعض العرب مازحة ومتهكمة على خوف الرجال منها، متمنين لو وقعوا في طريقها، ومرحّبين حتمًا بذلك.

ومن اللافت أن واقعة أخرى في مصر ظهرت قبل أيام، حين التقطت عدسات الكاميرات مقطعًا مصورًا لفتاة التقت بالفنان رامي صبري، واحتضنته وحاولت تقبيله رغم رفضه. هذه الواقعة، التي تُصنَّف أيضًا تحرشًا، اتخذها بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي سببًا للهجوم على الفتيات اللاتي يدّعين التعرض للتحرش.

في المقابل، وقبل أشهر، انتشرت واقعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة تتعرض، في أتوبيس عام بالقاهرة، للملاحقة والتحرش من أحد الركاب الذي تتبعها حتى صعودها إلى الأتوبيس. لاقى هذا الرجل دعمًا كبيرًا من الرجال الموجودين في الأتوبيس، ونهروا الفتاة وعلّقوا على ملابسها وأكسسواراتها، واتهموها بأنها ليست متدينة.

كما كانت غالبية التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحتفي بالرجل، وتتّهم الفتاة بالعهر والفسق والفجور، وطالب آخرون بمحاكمتها.

وهنا تبرز ازدواجية المعايير في التعامل مع جريمة التحرش، سواء كان الجاني امرأة أو رجلًا. ففي بعض الحالات، يختفي مفهوم خصوصية الجسد وحق الأشخاص في تحديد ما يحدث لأجسادهم، بينما يتدخل المجتمع في وضع معايير للنساء بشأن ملابسهن وطريقة تصفيف شعرهن وأكسسواراتهن، أو حتى ردود أفعالهن تجاه المتحرشين.

التحرش بالرجال مقابل النساء

في إحصائية منسوبة إلى وحدة الدراسات الاجتماعية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، تناقلتها وسائل إعلام محلية عام 2013، ورد أنه في بحث ميداني أُجري في القاهرة الكبرى على ألف رجل، ظهر أن 9% من الرجال تعرضوا لتحرش جنسي من نساء، كما أن 4% من الرجال اضطروا إلى إقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج بناءً على ضغط من سيدات، كنّ في معظمهن مديرات أو مالكات للشركات التي يعمل بها الرجال.

لم نجد أي روابط إلكترونية أصلية لتلك الإحصائية، لذلك لا يمكن التحقق بشكل مستقل من منهجيتها أو نتائجها. ومع ذلك، يمكن الإشارة إليها بوصفها مؤشرًا متداولًا على وجود رجال يتعرضون للتحرش الجنسي، مع ضرورة الحذر من التعامل مع النسبة الواردة فيها باعتبارها تقديرًا موثوقًا لحجم الظاهرة.

وفي المقابل، تتوفر بيانات عالمية أوسع عن العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء والفتيات. وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو 650 مليون فتاة وامرأة على قيد الحياة اليوم، أي واحدة من كل خمس، تعرضن للعنف الجنسي خلال طفولتهن، بينما تعرض أكثر من 370 مليونًا، أي واحدة من كل ثمانٍ، للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي قبل بلوغ سن 18 عامًا.

وتوفر بيانات اليونيسف كذلك تقديرات للعنف الجنسي الذي تعرض له الفتيان والرجال خلال الطفولة، إذ تشير إلى أن ما بين 410 و530 مليون فتى ورجل على قيد الحياة اليوم تعرضوا لشكل من أشكال العنف الجنسي قبل سن 18 عامًا، بينهم ما بين 240 و310 ملايين تعرضوا للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي خلال طفولتهم.

وتوثق دراسة للجامعة الأمريكية بالقاهرة تجربة موظف مصري قال إن امرأة حاولت لمسه جنسيًا تحت الطاولة أثناء اجتماع، لكنه أشار إلى أن مثل هذه الوقائع لم تكن تُبلَّغ إلى إدارة الموارد البشرية، إذ كان زملاء العمل يعتبرونها سلوكيات غير مؤذية. كما لم تورد الدراسة إحصائية عن نسب تعرض الرجال للتحرش الجنسي، لصعوبة الحصول على أرقام تخص ذلك.

وفي عام 2025، صدرت دراسة عن برنامج النساء في الأخبار التابع لـWAN-IFRA، وBBC Media Action، وجامعة City, St George’s University of London، حول التحرش الجنسي في بيئة العمل الإعلامية، وشملت 21 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والمنطقة العربية وجنوب شرق آسيا وأوكرانيا.

وفيما يخص المنطقة العربية، بلغت نسبة المستجيبات للدراسة اللاتي تعرضن للتحرش اللفظي 52%، مقابل 20% من الرجال، بينما تعرضت 57% من النساء للتحرش الإلكتروني، مقابل 33% من الرجال. أما التحرش الجنسي الجسدي، فكان الأقل شيوعًا، بنسبة 26% بين النساء و13% بين الرجال.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الرجال، وإن كانوا أقل تعرضًا للتحرش مقارنة بالنساء في هذه العينة، ليسوا بمنأى عن التجربة، كما أن الفارق في الأرقام لا يلغي الحاجة إلى الاعتراف بتجارب الرجال الذين يتعرضون للتحرش، خصوصًا عندما تمنع الصور النمطية المرتبطة بالرجولة الاعتراف بهذه التجارب أو الإبلاغ عنها.

أسباب ازدواجية النظرة إلى مرتكب التحرش

محمد السعيد، شاب مصري تعرض للتحرش من شابة أخرى عدة مرات، يقول لـ”عابر”: “في عام 2011، حينما كنت في السادسة والعشرين من عمري، كنت في فعالية تخص العمل، وكانت تجلس في القطار بجواري زميلة. غطّت في النوم على كتفي، ثم بدأت تعض ذراعي. لم أعرها أي اهتمام. بعد عدة أشهر، التقينا في مكان عمل آخر، وفوجئت بها بجواري بينما كنت أعد القهوة في المطبخ، تطلب مني تقبيلها. صُدمت ولم أفعل ما طلبته، فتركتني وذهبت”.

تعرض السعيد لصدمة لحظية وتجمد خلال هذه المواقف، لا تختلف عما تتعرض له الفتيات والنساء حين يتعرضن للتحرش. اللافت كان أيضًا أنه حمّل نفسه جزءًا من اللوم على واقعتي التحرش، متسائلًا عما إذا كان قد أوحى لها بأنه موافق على التقارب الجسدي.

حين حكى لبعض رفاقه ما تعرض له، قوبل في البداية بسخرية منهم، إلا أنهم سرعان ما قدّروا موقفه، خصوصًا مع فكرة احترامه لخصوصية الجسد، سواء للرجال أو النساء، وألّا يستغل الرجل الموقف حتى لو اقتربت منه الفتاة وبادرت بخطوة جسدية غير مرحب بها.

أسئلة عديدة ظهرت أثناء كتابة المقال بخصوص ازدواجية معايير الحكم على جريمة التحرش الجنسي والفاعل بها، ولماذا تختلف تلك النظرة.

ومن جانبها، قالت د. مريم جمال، الباحثة في النوع الاجتماعي، إنه حين نتحدث عن التحرش، نفترض عادة أننا نتحدث عن فعل واضح، يتجاوز فيه شخص الحدود الجسدية أو الجنسية لشخص آخر من دون موافقته. لكن المفارقة أن المجتمع لا يتعامل دائمًا مع الفعل نفسه بالطريقة نفسها؛ فعندما يتغير جنس المتحرش أو الضحية، تتغير أحيانًا اللغة، ويتغير الحكم الأخلاقي، بل قد تتغير صورة من يستحق أن يُنظر إليه باعتباره ضحية أصلًا.

وتشير جمال إلى أن الازدواجية تبدأ بالمرأة التي تقع ضحية للتحرش، فيُطرح السؤال عما كانت ترتديه، أو ماذا كانت تفعل في هذا المكان وهذا الوقت، ولماذا لم تغادر فورًا أو تصرخ وتطلب النجدة؟ ويبدأ تحليل طريقة كلامها وتفاعلها مع الموقف، وتصيّد ردود أفعالها لتحميلها اللوم، واعتبارها من دعت إلى حدوث الجريمة.

وهنا ينتقل مركز الاهتمام من فعل المعتدي إلى سلوك الضحية، وهي آلية معروفة في دراسات العنف القائم على النوع الاجتماعي باسم “لوم الضحية”، الذي يتحول من مجرد تعليق فردي إلى آلية اجتماعية تعيد توزيع المسؤولية عن العنف وفقًا للنوع الاجتماعي.

لكن حين تنقلب الأدوار ويصبح الرجل هو الضحية والمرأة هي المعتدية، تظهر مفارقة أخرى، بحسب جمال. هنا قد لا يُلام الرجل على الاعتداء، وإنما قد يُحرم أصلًا من الاعتراف بأنه تعرض لاعتداء. قد يسمع عبارات مثل: “أنت محظوظ”، أو “يا بختك”، أو “يا ريتني مكانك”، وكأن حصول الرجل على اهتمام جنسي من امرأة يمثل مكسبًا له بالضرورة، بغض النظر عن رغبته أو رفضه.

وتعتبر الباحثة في دراسات النوع الاجتماعي أن هذه الاستجابة مرتبطة بصورة اجتماعية شديدة الرسوخ عن الرجولة؛ صورة تجعل الرجل قويًا ومبادرًا ومسيطرًا ومستعدًا جنسيًا في كل الأوقات. ووفقًا لهذه الصورة، يصبح من الصعب الاعتراف بأن الرجل يمكن أن يخاف أو يرتبك أو يرفض أو يشعر بالانتهاك. فالرجل، وفق هذا التصور، يجب أن يرغب دائمًا في الجنس، ولذلك فإن أي مبادرة جنسية من امرأة تُفسَّر مسبقًا على أنها شيء مرغوب فيه.

وأضافت أن هذه التفسيرات مرتبطة بإحدى صور الاستحقاق الجنسي المرتبط بالرجولة؛ أي الاعتقاد الاجتماعي بأن الرجل يفترض أن يكون راغبًا في أي فرصة جنسية، وأن رفضه لها أمر غير طبيعي. والمفارقة أن هذا التصور، الذي يبدو في ظاهره احتفاءً بالرجل، يسلبه في الحقيقة جزءًا من حريته؛ لأنه يضع افتراضًا مسبقًا بأن رغبته موجودة، بدلًا من أن يسأله عما يريده بالفعل.

وبالعودة إلى قصة محمد، الذي لاقى عبارات ساخرة من رفاقه، علقت الباحثة في دراسات النوع الاجتماعي على مثل هذا النوع من ردود الفعل، معتبرة أنها غير محايدة، وتفترض أن الرجل لا يمكن أن يكون متضررًا من الاهتمام الجنسي الذي لم يطلبه، وأن جسده أكثر إتاحة من أن يحتاج إلى موافقة.

وبذلك يتحول الرجل من إنسان يملك حق تحديد ما يحدث لجسده إلى صورة نمطية عن “الرجل الذي يجب أن يستمتع دائمًا”.

لكنها تحذر من أن الاعتراف بأن الرجل يمكن أن يكون ضحية لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للطبيعة البنيوية للعنف ضد النساء، الذي يرتبط في كثير من المجتمعات بعلاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية غير متكافئة بين الجنسين، وهو ما يجعل العنف القائم على النوع الاجتماعي أكثر من مجرد مجموعة من الوقائع الفردية.

وتختم جمال حديثها لـ”عابر” بأن الازدواجية في المعايير التي تنكر على الرجل أن يكون ضحية هي نفسها التي تفسر سلوك المرأة باعتباره دليلًا على “المرض” أو “الانحراف” أو عدم الطبيعية، أو ما أسمته بـ”مرضنة السلوك”؛ أي تفسير السلوك المختلف عن الصورة النمطية للمرأة على أنه مشكلة نفسية أو خروج عن طبيعتها، بدلًا من التعامل معه بوصفه فعلًا يمكن مساءلة صاحبته عنه.

وفي المقابل، عندما يمارس الرجل السلوك ذاته، قد يُفسَّر أحيانًا من خلال فكرة أن الرجال بطبيعتهم أكثر رغبة جنسية وأقل قدرة على التحكم في رغباتهم.

وهنا نصل إلى إحدى صور المعايير الجندرية المزدوجة: أن الفعل نفسه قد يُفسَّر بطريقة مختلفة فقط لأن جنس الفاعل مختلف.

وفي النهاية، سواء كان التحرش صادرًا عن رجل أو امرأة، أو اختلف جنس الضحية، يبقى التحرش جريمة تستوجب المساءلة، لا أن تحاصر الرجال داخل نموذج ضيق للرجولة يجعل الاعتراف بالضعف أو الرفض أو التعرض للانتهاك أمرًا يصعب التعبير عنه.