الجمعة، 6 نوفمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق عربي

من أين يأتي السلاح الذي دمر غزة ولبنان؟

طوال الأعوام الثلاثة الماضية، قتلت إسرائيل ودمرت غزة ومناطق كثيرة من لبنان، لا سيّما في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهي لا تزال حتّى اليوم، تستخدم شتى أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة منها، من دون أيّ رادع قانوني أو دولي، ما له انعكاساته الخطيرة على البشر كما الحجر والبيئة. 

ومع حلول أسبوع نزع السلاح الذي امتد من 24 وحتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، تتجدد أهمية تتبع أنواع الأسلحة التي استخدمت في غزة وجنوب لبنان، والجهات التي زودت الاحتلال الإسرائيلي بها، في ظل ما وثقته منظمات حقوقية من آثار على المدنيين والمناطق السكنية. 

كما تبرز مسؤولية الدول المصدرة في مراجعة قرارات نقل الأسلحة، وضمان عدم استخدامها في انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، إلى جانب ضرورة توثيق الأضرار والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.

دمار شامل

خلف مشاهد الدمار في غزة، لم تكن الأسلحة المستخدمة متشابهة في طبيعتها أو آثارها، فمن القذائف المدفعية شديدة الانفجار إلى القنابل المصممة لاختراق التحصينات والذخائر الموجهة، تتعدد أنواع الأسلحة التي أشار إليها الخبراء العسكريون.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وبالاستناد إلى أحدث تقييم بالأقمار الصناعية أعده مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، تضرر نحو 201,290 مبنى في قطاع غزة بين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 و16 يونيو (حزيران) 2026، أي ما يعادل نحو 82 في المئة، من إجمالي مباني القطاع. وشمل ذلك تدمير 134,422 مبنى بالكامل، وتضرر 13,848 مبنى بشدة، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة.

ووفق أحدث حصيلة أعلنتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ارتفع عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 74,561 شهيدًا، و175,759 مصابًا. وتشمل الحصيلة الإجمالية المعلنة الضحايا منذ بداية الحرب، ولا تمثل إحصاءً نهائيًا للمدنيين وحدهم.

وفي حديثه لمنصة “عابر”، يستعرض المحلل العسكري واصف عريقات عددًا من هذه الأسلحة، موضحًا خصائصها وآليات عملها، وهو ما يفتح المجال لفحص مواصفاتها ومقارنتها بما وثقته الجهات الحقوقية بشأن استخدام الأسلحة وآثارها على المدنيين.

أسلحة ثقيلة والفوسفور الأبيض 

من بين الأسلحة التي أشار إليها عريقات الفوسفور الأبيض، وهو مادة تشتعل عند تعرضها للأوكسجين، ويمكن أن تسبب حروقًا شديدة وحرائق عند استخدامها. ولا يقتصر الخطر على لحظة الانفجار، إذ يمكن للقطع المشتعلة أن تنتشر في محيط واسع، بما يعرّض المدنيين والمباني لخطر الإصابة والاحتراق.

وقد وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” استخدام الجيش الإسرائيلي ذخائر الفوسفور الأبيض في غزة.

وعن خطره قالت لما فقيه، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، إن استخدام الفوسفور الأبيض في المناطق المدنية المكتظة بالسكان يعرض المدنيين لخطر الإصابة بحروق بالغة ومعاناة طويلة الأمد، مشيرةً إلى أن تفجيره في الهواء فوق المناطق الحضرية المأهولة يعد استخدامًا عشوائيًا وغير قانوني، لما قد يسببه من حرائق في المنازل وأضرار جسيمة بالمدنيين.

ورغم المخاطر الجسيمة التي يسببها الفوسفور الأبيض، لا يحظى استخدامه بحظر دولي شامل باسمه. ويقيد البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية استخدام الأسلحة الحارقة، لكنه يستثني بعض الذخائر متعددة الأغراض التي تُستخدم أساسًا لإنتاج الدخان، حتى عندما تخلّف آثارًا حارقة. 

لم تصادق إسرائيل على البروتوكول، فإن ذلك لا يعفيها من الالتزام بالقواعد العامة للقانون الدولي الإنساني، التي تحظر الهجمات العشوائية وتلزم أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين.

قذائف ثقيلة في مناطق مأهولة 

كما شملت قائمة الأسلحة التي ذكرها عريقات قذائف المدفعية عيار 155 ملم، ومنها M107 وM795، المصممة لإحداث تأثير انفجاري وشظايا. وتختلف مواصفات هذه القذائف من حيث الوزن والحشوة المتفجرة والمدى، فيما لا تكفي البيانات الفنية وحدها لإثبات استخدام نوع بعينه في هجوم محدد داخل غزة.

وتظهر المواصفات المنشورة لقذيفة M795 أن وزنها يبلغ نحو 103 أرطال، وأنها تستخدم حشوة متفجرة من مادة TNT أو IMX-101، ويصل مداها الأقصى المنشور إلى 22.5 كيلومترًا.

كما استخدام مثل هذه القذائف والقنابل في أحياء سكنية مأهولة بالمدنيين في مختلف مناطق قطاع غزة، ينتهك القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب)، الذي يتطلب اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتفادي الإضرار بالمدنيين، ويحظر الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية.

القنابل الخارقة للتحصينات

وتضمن حديث عريقات قنابل مصممة لاختراق التحصينات، بينها GBU-72 وGBU-28، إلى جانب الرأس الحربي BLU-109. وتختلف هذه الذخائر في تصميمها ووزنها وآلية توجيهها، لكنها تشترك في تصميم يتيح اختراق أهداف محمية قبل انفجارها.

وتوضح البيانات الفنية أن GBU-72 تزن نحو 5000 رطل، أي قرابة 2268 كيلوغرامًا، فيما يبلغ الوزن الإجمالي لقنبلة GBU-28 نحو 5000 رطل أيضًا.

جنوب لبنان.. ما الذي تم توثيقه؟

في جنوب لبنان، وثقت “هيومن رايتس ووتش” استخدام الجيش الإسرائيلي الفوسفور الأبيض في 17 بلدة على الأقل بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ويونيو (حزيران) 2024. واستند التحقيق إلى صور ومقاطع فيديو وشهادات، وحدد خمس بلدات استخدمت فيها هذه الذخائر فوق مناطق مأهولة، ما أثار مخاوف بشأن تعرّض السكان والمنازل لمخاطر الحروق والحرائق.

بحسب وزارة الصحة العامة اللبنانية، ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 8954 شهيدًا و30,660 جريحًا، وفق آخر حصيلة رسمية عثرت عليها، منشورة في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وتشمل هذه الأرقام الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان، ولا تقتصر على المدنيين.

وفي تقييم أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتنسيق مع المجلس، ونشر في يونيو (حزيران) 2026، سجل في جنوب لبنان تدمير 11,095 مبنى بالكامل، وتضرر 2242 مبنى جزئيًا، فيما لحقت أضرار طفيفة بـ9,311 مبنى. وشمل التقييم المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ولا يمثل حصيلة شاملة لكل لبنان.

من أين تصل الأسلحة إلى الاحتلال؟

ولا يقتصر تتبع الأسلحة على تحديد أنواعها وآثارها، بل يمتد إلى الدول التي تزود إسرائيل بالأسلحة الرئيسية. ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، استحوذت الولايات المتحدة على 66 في المئة من واردات إسرائيل من الأسلحة الرئيسية بين عامي 2020 و2024، تلتها ألمانيا بنسبة 33 بالمئة ثم إيطاليا بنسبة 1  في المئة.

وتخص هذه النسب واردات الأسلحة الرئيسية وفق منهجية المعهد، ولا تمثل إجمالي جميع أشكال الإمدادات العسكرية. كما أن تحديد بلد التوريد لا يثبت وحده مسؤولية الدولة عن استخدام سلاح في هجوم بعينه، لكنه يشكل جزءًا من تتبّع مسار السلاح وفحص قرارات نقله.

تظهر هذه الوقائع أهمية التمييز بين توثيق استخدام الأسلحة، والتحقيق في ظروف الهجمات وآثارها، وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عليها. فمساءلة الأطراف المعنية لا تقوم على نوع السلاح وحده، بل على الأدلة المتعلقة بالهجوم، والهدف المقصود، والضرر المتوقع على المدنيين، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.