من بغداد المزدحمة بذاكرة الفقد والحروب، إلى سائر العواصم العربية التي تتقاسم ذات الأوجاع، يباغتك جهازك المحمول في ساعة متأخرة من الليل بإشعار على الشاشة، ببرودٍ لا يكترث للواقع، فيقول: “اليوم هو عيد ميلاد فلان.. تمنّوا له يومًا سعيدًا”. أو ربما تقذف الخوارزمية في وجهك منشورًا قديمًا، أو صورة جماعية لصديق أو قريب غاب تحت التراب منذ سنوات، لتظهر التعليقات القديمة وكأن صاحبها ما زال حيًا يرزق.
لا شيء يدعو للارتياب في نظر البرمجيات التي صُممت لتدوير الوقت والاهتمام؛ لكن بالنسبة للعائلات التي تعاني الفقد، تبدو هذه اللحظة صعبة للغاية. إنها ليست مجرد صدفة رقميّة عابرة، بل هي مواجهة قاسية ومتكررة مع ما بات يُعرف بـ “الأشباح الرقمية”.
نبض الفقد الإنساني
يروي أحد الأهالي لوعة فقدان الأحبة، مؤكدًا أن “جمرة الفراق لا تبرد في القلب؛ فكل شيء في هذه الدنيا يمكن تعويضه ويُجبر كسرُه، إلا غياب من نحب”. ويضيف لـ”عابر”: “مواقفهم وذكرياتهم محفورة في العقل والوجدان بمداد لا يمكن محوه، فحين يرحل الأخ وتفقد سندك، يبقى انكسار الظهر حاضرًا لا يلتئم، ومستحيلًا على الذاكرة البشرية أن تنسى وجهًا عاش بين التفاصيل الصغيرة للحياة”.
وعن الشركات التقنية يقول: “نحن لا نريد أن نمحو ذكرى أحبتنا، فهي ساكنة في القلوب إلى الأبد، لكننا نتمنى على هذه المنصات أن تمنح العائلات خيارات حقيقية وإنسانية؛ كإيقاف الإشعارات التلقائية لأعياد ميلاد الموتى أو ذكرياتهم، أو إتاحة أدوات سهلة لتحويل الحساب إلى حالة تذكارية، لكي نتمكن من عيش حزننا بسلام”.
مقابر افتراضية بلا أسوار
لا تزال مئات الآلاف من حسابات الأشخاص الذين توفوا في حوادث السير، أو جراء الأمراض، أو في خضم الأزمات والحروب التي ضربت المنطقة العربية، تظهر بشكل دائم لعائلاتهم وأصدقائهم على منصات التواصل الاجتماعي؛ فيسبوك، إنستغرام، وغيرها. تتجاوز هذه الظاهرة الحدود الجغرافية للبلاد لتشكل “مقابر رقمية” افتراضية ضخمة تديرها الشركات الكبرى دون أي تدخل بشري حقيقي يحترم حرمة الموت.
هذا الحضور الرقمي القسري والمستمر يعيد فتح الصدمة بلا إذن، ويضع العائلات وجهًا لوجه أمام واقع مفاده أن التكنولوجيا ترفض الاعتراف بنهايات البشر، تاركةً إياهم تحت رحمة فراغ تنظيمي وتشريعي عربي وعالمي يحرمهم من أبسط حقوقهم في إدارة الذاكرة الرقمية لذويهم.
غصة في الشاشة
في زاوية من منزل عراقي بسيط، لم يَفُق بعدُ من هول فاجعة الفقد، تفتح الأم هاتفها لتفاجأ بصورة ابنها الذي رحل قبل عامين في حادث مروري، وعليها تعليقات المهنئين بعيد ميلاده وكأن شيئًا لم يكن.
تقول أم أحمد، وهي تبكي بصمت: “كأنهم يطعنون قلبي من جديد، وكأن ابني لم يرحل، بينما هو تحت التراب. هذه الإشعارات تقتلني كل مرة ألف مرة، وتأخذني إلى صدمة اليوم الأول للرحيل وكأن الفاجعة وقعت للتو”.
تتكرر هذه المشاهد المأساوية في كل بيت؛ فالعائلات في منطقتنا، التي تحمل خصوصية ثقافية واجتماعية عميقة تتقدّس فيها طقوس الدفن والحداد والغياب، تصطدم اليوم بكونها أسرى لعالم افتراضي لا يرحم.
وبينما تسعى العائلة جاهدةً لترتيب حياتها اليومية وتقبّل قسوة الغياب المادي، تصر الخوارزميات على عكس ذلك، وكأن الإنسان في العصر الرقمي مجرد رقم إحصائي في معادلة تفاعل تجاري لا تنتهي، لا يعنيه إن كان صاحب الحساب تحت الركام أم خلف الشاشة.
بين تعقيدات السياسات وجمود الأكواد
لماذا تصر المنصات الرقمية العملاقة على إحياء هذه الحسابات في مجتمعاتنا؟ الإجابة تكمن في جوهر الفلسفة البرمجية لشركات التكنولوجيا؛ فقد صُممت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام حصرًا لزيادة التفاعل وبقاء المستخدمين أمام الشاشات لأطول فترة ممكنة. وتُعتبر “الذكريات والتهاني” أدوات تسويقية ناجحة لدفع المستخدم نحو النشاط المستمر، دون تفريق أبدًا بين حي وميت، متجاهلة تمامًا الواقع الثقافي والنفسي للمستخدمين في الدول العربية والأجنبية.
يُشخّص محمد هيثم الأمارة هذا الواقع التقني المعقد بالقول: “بصراحة، منصات التواصل الاجتماعي وتحديدًا فيسبوك قائمة أساسًا على التفاعل المستمر؛ فالتذكير ومرور الأوقات على المناسبات، واستحضار الصور القديمة كلها أدوات تدفع باتجاه زيادة التفاعل والمشاركة. ومن هنا تقع الخوارزميات في فخ التعامل الآلي الصرف مع الحسابات، متجاوزةً التفرقة بين الحي والميت”.
ويضيف الأمارة موضحًا الآليات المتاحة من قبل الشركات: ”في الواقع، تتيح شركة ميتا بعد وفاة صاحب الحساب وضع عبارة (إحياء ذكرى) بجوار اسم المستخدم كدلالة على وفاته، وتقوم بتجميد الحساب وحمايته من الاختراق أو الاستخدام غير المصرح به. لكن بالمقابل، تشترط الشركة تبليغًا رسميًا مدعومًا بالوثائق الرسمية كشهادات الوفاة لإتمام ذلك. كما توجد طريقة أخرى تمكن المستخدمين قبل وفاتهم من تعيين شخص موصى به لإدارة الحساب لاحقًا أو غلقه نهائيًا”.
وفي قراءته للثغرات والتحديات التي تواجه العائلات، يشير الأمارة إلى العقبات القانونية والتقنية بالقول: “تفرض شركة ميتا سياسات أمان صارمة تمنع عائلة المتوفي من الوصول إلى كلمة السر أو الولوج للحساب، حتى وإن أثبتوا صلتهم القريبة بالمتوفي. كما تواجه العائلات تعقيدات كبرى في متطلبات إثبات حالة الوفاة لتحويل الحساب إلى حالة تذكارية، ناهيك عن بطء الدعم الفني الذي قد يستغرق أوقاتًا طويلة. وتتفاقم هذه المعضلة أكثر في حال غياب التخطيط المسبق وعدم قيام المستخدم قبل وفاته بتعيين شخص مصرح له بإدارة الحساب، مما يترك العائلة في مهب تعقيدات تقنية لا طاقة لها بها.
تفرض الشركات الكبرى شروطًا بيروقراطية معقدة للغاية وتتطلب وثائق مترجمة بلغات أجنبية، وغالبًا ما تتجاهل السياق المحلي لدولنا، مما يترك العائلات العربية في دوامة من التعقيد التقني وغياب أي دعم فني بشري حقيقي، في وقت هم أشد ما يكونون فيه بحاجة للسكينة.
الفقد الرقمي
“تقليديًا، كان الحداد يرتبط بالتدرّج في تقبّل الفقد، مع تراجع حضور ما يذكّر بالراحل. لكن الذاكرة الرقمية أبقت الصور والرسائل ومقاطع الفيديو متاحة باستمرار، ما غيّر علاقة الأحياء بذكرى من فقدوهم.”
يوضح علي كنو الشريفي في تحليله العلمي لهذه الظاهرة المؤلمة بالقول: ”بلا شك، هذه البرامج وإشعاراتها الباردة تترك في قلوب أهل الفقيد وأصدقائه لوعة لا تنطفئ وحزنًا يتردد صداه كل يوم. تخيل أن كل إشعار مباغت، وكل رسالة قديمة تظهر على الشاشة، تعيد فتح الجرح وتستحضر تفاصيل الراحل كأنه غادر للتو. هذا الحضور الرقمي الثقيل يكسر حاجز التعافي الطبيعي، ويترك الأحياء عالقين في دائرة مغلقة من الألم النفسي والاجتماعي. ولهذا، فإننا بحاجة ماسة لطريقة أو نظام حقيقي يتيح إغلاق وطي هذه الصفحات لعل الناس تجد شيئاً من السكينة”.
وعن التحول الجذري في طقوس الوجع بين الماضي والحاضر، يضيف المختص النفسي والاجتماعي: ”سابقًا، كنا على دراية تامة وتماس مباشر بعاداتنا وتقاليدنا في مواجهة الفقد؛ فقد كان المجتمع وأهل الفقيد يمرون بمرحلة حداد واضحة، كارتداء السواد وإطلاق اللحية لمدة أربعين يومًا، تنتهي بـ”الثواب” وحلق اللحية واستبدال الثياب لتبدأ رحلة التعافي. وفي بعض مجتمعاتنا الجنوبية تحديدًا، كانت فترة الحداد تمتد حتى (دورة الحول) بانقضاء عام كامل على رحيله، ليتوقف بعدها عدّ أيام الحزن رمزيًا. بل إن أعرافنا القديمة كانت تمنع إخراج صورة الفقيد أو تعليقها قبل مرور الأربعين يومًا، تفاديًا لتأجيج لوعة أهله، وكان أقصى ما يُسمح به هو وضع صورة واحدة للذكرى في بيته أو مكانه المفضل بعد انقضاء المدة”.
ويزيد موضحًا المفارقة المؤلمة: ”أما اليوم، فحسابه الرقمي، وصوره، ومنشوراته تباغتك في أي لحظة وبدون أي أطر زمنية. لقد استحوذ الجانب الإلكتروني على حياتنا وغيّر تقاليدنا، تاركاً آثارًا نفسية واجتماعية ثقيلة”، ويختم: ”الموت هو الحقيقة المطلقة في هذه الحياة، وعلى الإنسان أن يستعد لهذه الحقيقة ويتقبل فقد الأحبة بحكمة”.
الإرث الرقمي في مهب القانون العربي والعالمي
وسط هذا التشابك الإنساني والنفسي والتقني، يبرز السؤال الأثقل والأكثر إلحاحًا عربيًا وعالميًا: لمن تعود ملكية الحسابات والبيانات الشخصية بعد مفارقة الحياة؟ هل هي ملكية مطلقة لشركات التكنولوجيا الكبرى بموجب شروط الاستخدام المبهمة التي يوافق عليها المستخدمون بضغطة زر عابرة؟ أم هو حق أصيل ومطلق للعائلة في حماية إرث فقيدهم؟
وفي مقاربته لهذه المعضلة من زاويتها القانونية والتشريعية، يجيب الخبير القانوني مهند القريشي عن هذه التساؤلات بالقول: “من الناحية القانونية والرقمية الصرفة، توجد إشكالية كبرى حول ملكية الحسابات والبيانات؛ فبمجرد وفاة الشخص، لا تعود البيانات ملكًا خالصًا له ولا ترثها عائلته بشكل تلقائي وفقًا لقوانين الموراث التقليدية، بل تتحكم بها شركات التكنولوجيا الكبرى مستندةً إلى اتفاقيات ترخيص المستخدم العابرة التي وافق عليها الشخص حياته بضغطة زر.
أما فيما يتعلق بحق العائلات، فلا تمتلك الأسر قانونيًا حقًا مباشرًا وناجزًا يتيح لها إغلاق الحساب أو الوصول إلى محتواه بالقوة؛ فشروط استخدام المنصات (Terms of Service) تضع جدرانًا منيعة وحواجز تعاقدية وتقنية تحرم العائلة من هذا الحق، وتجعلهم رهينة لإجراءات معقدة وبيروقراطية تفرضها تلك الشركات وفقاً لمزاجها وسياساتها الخاصة.
ونعيش اليوم فراغاً تشريعياً وقانونياً واسعاً ومرعباً، سواء على المستوى العالمي أو المحلي في العراق والدول العربية؛ إذ تخلو المنظومات القانونية الوطنية تماماً من أي نصوص أو قوانين واضحة تنظم مفهوم (الإرث الرقمي) وحماية حقوق الموتى وذويهم على الإنترنت”.
نحو حلول
هذه حزمة من التوصيات والحلول العملية التي تبدأ من تبسيط آليات الإبلاغ والتوثيق محليًا مرورا بإيجاد منافذ اتصال بشرية مباشرة ومبسطة باللغة العربية لإثبات حالات الوفاة وإغلاق الحسابات أو تحويلها دون الحاجة لتعقيدات بيروقراطية مرهقة.
فضلا عن تفعيل ميزة “الأرشفة الهادئة آليا عبر برمجة الخوارزميات بحيث تتوقف تماماً وفوراً عن إرسال إشعارات أعياد الميلاد والذكريات والمقترحات التفاعلية بمجرد توثيق وفاة صاحب الحساب، مع إتاحة خيار حفظ الأرشيف للعائلة فقط دون ظهوره للعلن
وهو مايتطلب بالتوازي أنسنة البرمجيات الخوارزمية عبر إدخال معايير أخلاقية جديدة ضمن تصميم البرمجيات تمنح الأولوية للكرامة الإنسانية وسلامة مشاعر الأحياء على حساب أرقام التفاعل التجاري البحت.
من بغداد، وإلى كل نافذة عربية تواجه ذات الوجع الصامت، حين تمتنع خوارزميات السوشيال ميديا عن الاعتراف بالموت وتستمر في استحضار الراحلين بلا استئذان، يبقى السؤال الأهم معلقاً بلا جواب: من يحمي عائلات المفقودين من قسوة الذاكرة الرقمية المفتوحة بلا نهاية؟
