الخميس، 24 سبتمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق فلسطين

حين يضيق البحر.. كيف إنهار قطاع الصيد في غزة؟ 

لم يعد البحر في غزة مصدرًا للرزق والغذاء كما كان قبل الحرب. فقد انهار قطاع الصيد بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ودُمرت قوارب ومعدات ومرافق يعتمد عليها الصيادون، وتراجع الإنتاج إلى أدنى مستوياته، فيما يخاطر من يحاولون مواصلة العمل في البحر بما تبقى لهم من وسائل بدائية لتأمين دخل لا يكاد يغطي احتياجاتهم الأساسية.

وبين بحر لم يعد متاحًا كما كان، وقطاع فقد معظم قدرته على الاكتفاء الذاتي والغذائي، يجد الصيادون أنفسهم أمام معركة مزدوجة: البقاء على قيد الحياة وتأمين لقمة العيش من مهنة دُمّرت مقوماتها.

“بقارب بدائي وإمكانات محدودة”

يبدأ الصياد الفلسطيني الثلاثيني محمود عروق يومه في خيمة داخل ميناء الصيادين على شاطئ غزة، بتأمين المياه والحطب وما يحتاجه للعيش هو وأسرته، ثم يتجه إلى البحر بحثًا عن رزق لم يعد يشبه ما كان عليه قبل الحرب. فيعمل اليوم بقارب بدائي ومعدات محدودة، ولا يستطيع الابتعاد كثيرًا عن الشاطئ، فيما يطارده الخطر كلما دخل البحر.

ويروي عروق لـ”عابر” بداية توجهه للصيد فيقول: “أنا صياد ابن صياد، وكل عائلتي تعمل في الصيد، قبل الحرب كانت حصيلتي تصل أحيانًا بين 30 و150 كيلوغرامًا من الأسماك يوميًا. أما اليوم، فقد أصبح صيد كيلو أو اثنين إنجازًا بالنسبة لي، رغم أن ما يحصل عليه لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية لعائلته، “عندما أصيد كيلو أو اثنين أشعر بأني مالك الكون”.

فقد عائلته قبل سنارته 

لم يفقد عروق عمله فقط؛ بل فقد اخوته الصيادين وابنه البكر زين، وابنته الطفلة جميلة. ويقول إن فقد ابنه زين كان الأكثر إيلاما خاصة أنه كان سندًا له في الصيد بعد مقتل أعمامه، وكان يساعده في البحر.

“كيف ابني مات؟! ابني كان مجوع، وليس جائع، وقتلته المساعدات الإنسانية” يروي عروق أن ابنه قُتل خلال إحدى عمليات الإنزال الجوي للمساعدات، بعدما سقط عليه البراشوت (المظلة)، في حادثة بقيت جزءًا من سلسلة الخسارات التي غيرت حياته، وبمرارة أن البحر بمساحته الرحبة لم يستطع توفير الغذاء لابنه!

“وحدي أُعيل 18 فردًا”

“بجازف لأنه إخوتي استشهدوا” إذ لم تعد مسؤوليته تقتصر على أسرته المكونة من خمسة أفراد؛ بل 18 فردًا من أفراد عائلات إخوته الذين فقدهم، ما دفعه إلى مواصلة المخاطرة في البحر رغم إصابته، ففي بداية الحرب أطلقت زوارق الاحتلال النار عليه خلال محاولاته الصيد أبقته بلا عمل فترة شهرين في خيمته.

اليوم، يعتمد عروق على وسائل بدائية للصيد؛ إذ يصنع قاربًا من أبواب الثلاجات التي دمرت خلال قصف المنازل، ويستخدم شباك قديمة بعدما فقد معدات الصيد التي كان يعتمد عليها قبل الحرب.

45 عامًا في البحر

على مدى 45 عامًا، لم يعرف الصياد جميل الأقرع مهنة أخرى غير الصيد. بدأ علاقته بالبحر منذ طفولته، ثم اتجه إليه بعد الدراسة، ومارس المهنة فعليًا منذ أن كان في الثامنة عشرة. كان البحر، رغم صعوبة ظروفه قبل الحرب، مصدر رزقه الذي يكفيه في مواسم الصيد  أيام الصيد وأيام التوقف.

“قبل الحرب كنت صياد في منطقتي، في دير البلح في وسط القطاع وكنا نعيش، رغم أن الظروف كانت صعبة قبل الحرب أيضًا، والدخل صعب، لكننا كنا بخير، عايشين”، ويروي لـ”عابر”، أن رزق الصياد لا يأتي كل يوم بالمقدار نفسه؛ بعض المواسم تكون مزدهرة وأخرى شحيحة، لذا ندخر ما نجنيه في مواسم الرخاء”. 

لكن الحرب لم تأخذ منه يومًا سيئًا في البحر أو موسمًا ضعيفًا للصيد؛ بل أخذت منه المهنة نفسها. دُمرت قواربه ومعداته واحترق ما يملكه، ولم يعد قادرًا على العودة إلى البحر بالطريقة التي عاش عليها طوال عقود، يوضح الأقرع.

اليوم، لا يملك الأقرع  إلا أن يرى الصيادين يعودون إلى البحر بـ “حسكات” صغيرة (قوارب الصيد الخشبية) ومجاديف، في مساحة ضيقة لا تسمح لهم بالعمل كما كانوا يفعلون، وتحت خطر يلاحقهم كلما ابتعدوا عن الشاطئ، ويؤكد “البحر ممنوع علينا، لكن الناس اضطرت كي تعيش، ألقت بنفسها إلى الموت حتى تستطيع أن تعيش”. ويعيش الأقرع اليوم مع أسرته المكونة من سبعة أفراد، ويعتمد مع عائلته على المساعدات وما يستطيع أبناؤه توفيره من أعمال متفرقة. 

بحر مغلق.. وقطاع ينهار

بدأ هذا الانهيار منذ أول أيام الحرب، حين حظر الجيش الإسرائيلي الوصول إلى البحر وتوقفت أنشطة الصيد، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). ولا يزال الوصول إلى البحر مقيدًا حتى اليوم، مع استمرار ورود تقارير عن إطلاق النار على الصيادين وحظر الوصول إلى مناطق واسعة من البحر. 

منذ اللحظة الأولى للحرب، يؤكد مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة زكريا بكر لـ”عابر”، أن البحر أُغلق بقوة السلاح أمام الصيادين، ولم يعد الوصول إلى مناطق الصيد التي عرفوها قبل الحرب ممكنًا. وحتى من يحاولون العودة إلى البحر اليوم، لا يستطيعون الابتعاد سوى نحو كيلومتر واحد عن الشاطئ، ويعملون في نطاق ضيق وتحت خطر الملاحقة وإطلاق النار.

قبل الحرب، كان إنتاج قطاع الصيد يتراوح بين 15 و20 طنًا من الأسماك يوميًا. ولكن خلال الحرب، انخفض إلى 10–15 طنًا شهريًا، وفق بكر، وهذا الانهيار في الإنتاج ليس سوى وجه واحد للخسارة: “تعرض أكثر من 95 في المئة من قطاع الصيد وملحقاته للتدمير، من القوارب ومعدات الصيد إلى المنشآت المرتبطة بالمهنة، ولم يعد أمام الصيادين الراغبين في العمل سوى وسائل بدائية لا تشبه الأدوات التي كانوا يعتمدون عليها قبل الحرب”.

ومع ضيق المساحة المتاحة، يبين بكر أن طبيعة الصيد نفسها قد تغيرت؛ إذ باتت الكميات أقل، واقتصر بدرجة كبيرة على الأسماك الصغيرة الشاطئية، ما انعكس على جودة المصيد ومردوده الاقتصادي. ولا يدخل الصيادون البحر في ظروف عمل طبيعية، إذ إنهم  يواجهون الزوارق الإسرائيلية والطائرات والمراقبة المستمرة، فيما تتكرر حوادث إطلاق النار والإصابة والاعتقال.

أما البحر نفسه، فيقول بكر إنه تعرض لضغوط بيئية متزايدة مع تدفق مياه الصرف الصحي، وتراكم مخلفات المتفجرات والركام وجثث الضحايا، إلى جانب تضرر البنية التحتية للصرف الصحي، وهو ما انعكس، بحسبه، على كميات الأسماك ونوعيتها وجودتها ومردودها الاقتصادي.

حدودهم كيلومترًا واحدًا

وتعكس بيانات مديرية الثروة السمكية في قطاع غزة اتساع الفجوة بين واقع قطاع الصيد ما قبل الحرب وبعدها. فيقول مدير المديرية جهاد صلاح لـ”عابر”: إن الصيادين كانوا يعملون قبل الحرب في مساحة تقدر بنحو 350 كيلومترًا مربعًا، تمتد على طول ساحل القطاع البالغ 32 كيلومترًا، وبعمق يصل إلى 15 كيلومترًا، باستثناء جزء من المنطقة الشمالية الغربية.

أما اليوم، فيبين أن البحر مغلق بشكل كامل، وإن ما يجري من صيد يحدث بصورة استثنائية وفي مساحة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا في العمق، من منطقة الخالدي شمالًا حتى نهاية خان يونس، بمساحة إجمالية تقدر بنحو 20 كيلومترًا مربعًا.

ويرى صلاح أن هذه المساحة الضيقة لا تصلح للصيد الاقتصادي، كما أن الضغط المكثف عليها يضر بالبيئة البحرية، لأنها تضم مناطق شاطئية تحتوي على بذور الأسماك، وهو ما ينعكس على جودة الإنتاج، 

مشيرًا إلى أن قطاع الصيد كان يعتمد قبل الحرب على نحو 4300 صياد، إلى جانب 1200 عامل في المهن المساعدة المرتبطة بالنشاط البحري. أما اليوم، فلا يعمل، في أقصى التقديرات، سوى نحو 1500 شخص، معظمهم باستخدام قوارب صغيرة لا تتسع في الغالب لأكثر من شخص أو اثنين.

ويتابع تقلص أسطول الصيد من نحو 1800 قارب قبل الحرب إلى ما يقارب 400 قارب مجداف موجودة اليوم على امتداد الساحل، من أصل نحو 1200 قارب من هذا النوع كان القطاع يمتلكها قبل الحرب، وعلى مستوى الإنتاج، بلغ إنتاج القطاع قبل الحرب نحو 4500 طن سنويًا، أي ما يقارب 370 طنًا شهريًا. 

أما اليوم، فيقدر صلاح الإنتاج بنحو 10 إلى 15 في المئة فقط من مستواه السابق في أفضل الأحوال، مع تراجع ليس في الكمية فحسب، بل في نوعية الأسماك أيضًا.

وفي ما يتعلق بتلوث البحر، يؤكد صلاح وصول مياه الصرف الصحي إلى المناطق الساحلية نتيجة تدفقها إلى البحر دون معالجة، لكنه يتحفظ على الجزم بوصول التلوث حاليًا إلى مستوى يشكل خطرًا محددًا على البيئة البحرية، لغياب الدراسات الحديثة التي تقيس ذلك.

ويستند صلاح إلى دراسة سابقة أُجريت على عينات من المياه والتربة في ميناء غزة، الذي كان يستقبل مياه الصرف الصحي بشكل مستمر، وأُرسلت عيناتها إلى مختبرات في مصر، وأظهرت النتائج حينها أن مستويات المعادن الثقيلة لم تقترب من الحدود المسموح بها في الطبيعة، موضحا أن دراسات بيئية حديثة لم تُجرَ خلال الفترة الأخيرة بسبب ظروف الحرب، وبالتالي لا يمكن إسقاط نتائج الدراسة السابقة على الوضع الحالي دون قياسات جديدة.

ولا يواجه البحر في غزة ضغط الصيد وتضييق المساحة وحدهما؛ فقد تضررت أيضًا منظومة الصرف الصحي، ما أدى إلى تصريف مياه عادمة غير معالجة إلى البيئة الساحلية. ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في تقييمه للأثر البيئي للحرب إلى أن تدمير مرافق المياه والصرف الصحي أدى إلى زيادة مخاطر تصريف مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر، في وقت تعرضت فيه النظم الساحلية والبحرية في غزة لأضرار بيئية واسعة. وتؤكد المنظمة أن تقييم حجم التلوث البحري وتحديد تركيبته بدقة ما يزال محدودًا بسبب صعوبة إجراء القياسات الميدانية في ظل ظروف الحرب.

البحر الذي ضاق بالصيادين

ومع إغلاق البحر وتقييد المساحة المتاحة للصيد، لم يعد التراجع في الإنتاج مرتبطًا بقدرة الصياد على العمل وحدها، بل بما يمكن الوصول إليه من موارد.

وفي الوقت نفسه، تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” إلى أن الحرب أدت إلى انهيار حاد في قطاع الصيد، الذي كان يوفر سبل العيش لنحو 110 آلاف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة، وأن متوسط المصيد خلال الفترة بين تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ونيسان (أبريل) 2024 هبط إلى 7.3 في المئة من مستواه في عام 2022. وتربط المنظمة تعافي القطاع بإعادة الوصول الآمن إلى البحر واستعادة القدرة على ممارسة الصيد.

وتكشف هذه الأرقام أن الخسارة لم تتوقف عند القوارب التي دُمرت أو الأيام التي لم يعد الصياد قادرًا فيها على العمل. فالوصول إلى البحر يرتبط في الوقت نفسه بالدخل والغذاء وسلسلة واسعة من الأعمال المرتبطة بالصيد. ولذلك فإن استمرار تقييد الوصول إلى مناطق الصيد يهدد سبل العيش ويحد من توفر الغذاء المحلي، وهو ما أشار إليه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقييماته، معتبرًا أن القيود على الوصول إلى مناطق الصيد تهدد سبل العيش وتوفر الغذاء في القطاع.