الأحد، 20 سبتمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
في العمق تونس

الصحافة تحت الحصار.. كيف اتسعت دائرة الملاحقات في تونس؟ 

تعيش الصحافة التونسية واحدة من أكثر مراحلها تضييقًا منذ سنوات، مع استمرار سجن صحفيين، وصدور أحكام وملاحقات قضائية بحق آخرين، وتصاعد القيود على التغطية الصحفية. وفي سبتمبر (أيلول) 2026، يقبع أربعة صحفيين خلف القضبان، بحسب نقابة الصحفيين التونسيين، هم محمد اليوسفي، وزياد الهاني، ومراد الزغيدي، وبرهان بسيس، فيما يواجه صحفيون آخرون أحكامًا أو قضايا قد تعيدهم إلى السجن.

ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه تونس إلى المرتبة 137 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مقارنة بالمرتبة 129 في 2025، مسجلة 40.43 نقطة من أصل 100، وفق “مراسلون بلا حدود”. 

وتقول المنظمة إن الضغوط السياسية والقانونية والأمنية على الصحفيين تزايدت، فيما وثقت خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب) منع صحفيين من التغطية أو تقييدهم أو ترهيبهم أثناء تغطية قضايا عامة، إلى جانب عراقيل إدارية واجهت مراسلي وسائل إعلام دولية.

اليوسفي.. آخر حلقات الملاحقة 

في مساء 4 سبتمبر (أيلول)، أوقفت وحدة مختصة بالبحث في الجرائم المالية محمد اليوسفي أمام مقر إذاعة خاصة، حيث كان يستعد للمشاركة في برنامج عن السياسات المائية في تونس، واقتادته إلى الوحدة المركزية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة. وفي اليوم التالي، تقرر الاحتفاظ به على ذمة بحث تحقيقي.

وقالت نقابة الصحفيين إن التحقيق تناول تدوينات نشرها اليوسفي على “فيسبوك”، وعمله الصحفي والخط التحريري لموقع “الكتيبة”. في المقابل، نقلت لجنة حماية الصحفيين عن نقيب الصحفيين زياد دبار أن قاضي التحقيق أمر بإيداع اليوسفي على ذمة التحقيق في شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال، مرتبطة بمجموعة أو جمعية.

وخلال احتجازه، تعرض اليوسفي لوعكة صحية استوجبت نقله إلى المستشفى، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية. وفي 8 سبتمبر (أيلول)، أعلنت النقابة إيداعه السجن، مع اعتراضها على الإجراءات التي رافقت القرار وعلى التعامل مع وضعه الصحي.

ولا تزال القضية في طور التحقيق، فيما تتباين رواية النقابة والجهات التي تنقل عنها بشأن صلة الملف بعمل اليوسفي الصحفي؛ وهو ما يجعل الاتهامات المطروحة بحقه غير محسومة قضائيًا حتى الآن.

الزغيدي وبسيس.. عقوبة جديدة

يعود احتجاز مراد الزغيدي وبرهان بسيس إلى توقيفهم في 11 مايو (أيار) 2024،، ثم صدر بحقهما حكم بالسجن لمدة عام لكل منهما بموجب الفصل 24 من المرسوم 54، في قضيتين منفصلتين.

وبعد انتهاء العقوبة الأولى، لم يغادرا السجن. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2024، وُجهت إليهما اتهامات مالية جديدة، بينها غسل الأموال، واستمر احتجازهما على ذمة التحقيق. وفي 22 يناير(كانون الثاني) 2026، حكمت المحكمة الابتدائية في تونس على كل منهما بالسجن ثلاث سنوات ونصف، إلى جانب غرامات وحجز أصول وممتلكات.

وهكذا، امتد احتجاز الصحفيين إلى ملف قضائي جديد بعد انتهاء الحكم الأول، في وقت تقول فيه السلطات إن القضايا المالية منفصلة عن عملهما الصحفي، بينما ترى منظمات صحفية وحقوقية أن استخدامها أدى إلى إبقائهما خلف القضبان.

2024.. حين اتسعت الدائرة

لم تبدأ موجة مايو (أيار) 2024 بالزغيدي وبسيس وحدهما. ففي 22 مارس (آذار) من العام نفسه، أوقفت السلطات الصحفي محمد بوغلاب إثر شكوى قدمها مسؤول بوزارة الشؤون الدينية على خلفية تصريحات ومنشورات انتقد فيها الإنفاق داخل الوزارة. وصدر بحقه حكم بالسجن ثمانية أشهر في إحدى القضايا، بينما بقي رهن الاحتجاز في قضية أخرى بموجب المرسوم 54.

وفي 11 مايو (أيار)، اعتُقلت المحامية والإعلامية سنية الدهماني بعد اقتحام مقر هيئة المحامين في تونس من قبل قوات أمنية، على خلفية تصريحات أدلت بها في برنامج تلفزيوني. ووجهت إليها قضايا بموجب المرسوم 54. وخلال تغطية عملية اعتقالها، تعرض ماريلين دوما وحمدي التليلي للاعتداء، وحطمت كاميرتهما، فيما أوقف التليلي لفترة وجيزة.

وبحلول مايو (أيار)، قالت منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” إن أكثر من 70 شخصا، بينهم سياسيون ومحامون وصحفيون ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان ومستخدمون لشبكات التواصل الاجتماعي، تعرضوا لملاحقات منذ أواخر 2022، وكان ما لا يقل عن 40 منهم رهن الاحتجاز آنذاك.

بهذه المرحلة، لم يعد استخدام النصوص الجزائية في قضايا التعبير مقتصرا على الصحفيين، وبدأت الملاحقات تظهر في ملفات سياسية وحقوقية ومدنية إلى جانب القضايا الإعلامية.

المرسوم 54.. القانون الذي غيّر قواعد اللعبة

صدر المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر (أيلول) 2022، لتنظيم الجرائم المتعلقة بأنظمة المعلومات والاتصال. ويمنح الفصل 24 منه عقوبة تصل إلى خمس سنوات سجنا وغرامة قدرها 50 ألف دينار (17,032دولار)، لمن يستخدم شبكات الاتصال لإنتاج أو نشر أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة، في الحالات التي يحددها النص، ومنها الإضرار بحقوق الغير أو الأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب أو التحريض على الكراهية. وتضاعف العقوبة إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو من في حكمه.

منذ الأشهر الأولى لتطبيقه، فتحت بموجبه تحقيقات ضد صحفيين ومحامين وأشخاص انتقدوا مسؤولين أو مؤسسات حكومية. 

وفي 2024 أصبح الفصل 24 أساسا للأحكام الصادرة بحق الزغيدي وبسيس، كما استخدم في قضايا أخرى طالت الدهماني وبوغلاب.

وهكذا أضيف إلى القوانين التي كانت تستخدم سابقا في قضايا التعبير نص جديد بعقوبات سالبة للحرية، بينما قالت “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” إن صياغاته الواسعة تسمح باستخدامه في تجريم التعبير وانتقاد السلطات.

25 يوليو 2021.. بداية التحول

قبل المرسوم 54 بعام، اتخذ الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو (تموز) 2021 إجراءات استثنائية شملت إقالة رئيس الحكومة، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، وتولي صلاحيات تنفيذية واسعة. وفي الأشهر التالية، حل البرلمان وأصدر المرسوم 117 الذي منح الرئاسة صلاحيات واسعة في التشريع والحكم.

وفي فبراير (شباط) 2022، حل سعيّد المجلس الأعلى للقضاء وأعاد تنظيم السلطة القضائية، في خطوة أثارت انتقادات تتعلق باستقلال القضاء.

وبالتوازي، بدأت التحقيقات القضائية تطال أشخاصا بسبب انتقاداتهم العلنية للسلطات. وكانت منظمة العفو الدولية قد وثقت، حتى نهاية 2022، ملاحقات طالت صحفيين ومحامين وأعضاء سابقين في البرلمان على خلفية التعبير عن مواقف سياسية أو انتقادية.

لم تعد الصحافة وحدها

ومع مرور السنوات، امتد المسار إلى منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها. ووفقا لتقرير لـ”هيومن رايتس ووتش” صدر في سبتمبر (أيلول) 2026، لاحقت السلطات منذ مايو (أيار) 2024 ما لا يقل عن 47 شخصا على صلة بمنظمات غير حكومية، واحتجزت ما لا يقل عن عشرة أشخاص على ذمة قضايا مرتبطة بعملهم، فيما صدرت منذ بداية 2026 أحكام بالسجن بحق 14 شخصا على الأقل من العاملين أو المرتبطين بالمجتمع المدني.

كما رصدت المنظمة تعليق ما لا يقل عن 20 جمعية بين يوليو (تموز) وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، ثم بين أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2026، مع مواجهة جمعيات أخرى إجراءات قد تنتهي بحلها. 

القيود لا تبدأ عند باب المحكمة

وفي الوقت الذي تتواصل فيه القضايا القضائية، تظهر القيود أيضا أثناء ممارسة الصحفيين لعملهم اليومي. فقد وثقت “مراسلون بلا حدود” خلال صيف 2026 منع صحفيين من التغطية، وإجبار صحفيين على حذف صور التقطوها أثناء متابعة أزمة المياه، ومنع آخرين من التصوير في مواقع عامة، إلى جانب تأخر تصاريح التصوير والاعتمادات الخاصة بالمراسلين الدوليين.

وهذه الإجراءات تختلف عن الملاحقات القضائية من حيث طبيعتها، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة الصحفي على الوصول إلى المكان والمعلومة وتوثيق الأحداث في وقتها، خصوصا في الملفات التي تتطلب تغطية ميدانية.

سبتمبر 2026.. حصيلة مسار متراكم

في سبتمبر (أيلول) 2026، تتقاطع في تونس مسارات بدأت في أوقات مختلفة: أربعة صحفيين في السجن، أحكام أخرى بحق صحفيين خارج السجن أو في المنفى، تشريعات استُخدمت في قضايا التعبير، وملاحقات طالت كذلك محامين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات مدنية.

ولا تختزل هذه الملفات في قانون واحد أو نوع واحد من الاتهامات؛ بعضها يتعلق بالنشر والتعبير، وبعضها بملفات مالية أو أمنية، فيما تستمر السلطات في تقديم القضايا القضائية باعتبارها ملفات تستند إلى اتهامات يعاقب عليها القانون. وفي المقابل، ترى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ومنظمات حقوقية أن تراكم هذه المسارات أفضى إلى تضييق مساحة العمل الصحفي والمدني.

وبينما ينتظر محمد اليوسفي مسار التحقيق في قضيته، يستعد زياد الهاني لجلسة جديدة في 25 سبتمبر (أيلول)، ويواصل الزغيدي وبسيس تنفيذ أحكام إضافية، تدخل الصحافة التونسية عامها السادس منذ إجراءات يوليو (تموز) 2021 وهي تعمل ضمن بيئة تغيرت قوانينها، واتسعت فيها دائرة الملاحقات، وأصبحت القيود على العمل الصحفي تظهر في المحكمة وخارجها.