على مدى أيام، توالت مناشدات نقابة أصحاب شركات الباصات العامة في قطاع غزة لإدخال الإطارات والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الحافلات، قبل أن تنتهي اليوم الأربعاء إلى تعليق خدمة نقل الأطباء والممرضين والكوادر الطبية، في ظل عدم الاستجابة لمطالبها.
ويأتي توقف الحافلات ليضيف عبئًا جديدًا إلى سلسلة الصعوبات التي تواجه الكوادر الطبية في الوصول إلى أماكن عملها، بعدما استنزفت شركات النقل ما لديها من حلول لإبقاء الحافلات قيد التشغيل، في وقت تعاني فيه المركبات من نقص مستلزمات الصيانة وتضرر أعداد كبيرة منها خلال الحرب.
وكانت النقابة قد حذرت في بيانها الأول الصادر في 10 سبتمبر (أيلول) من أن استمرار منع إدخال مستلزمات الصيانة يهدد قدرة الشركات على مواصلة نقل الكوادر الطبية، مؤكدة أن اللجوء إلى تعليق الخدمة يأتي نتيجة ظروف قاهرة مرتبطة بعدم توفر الحد الأدنى من متطلبات التشغيل الآمن.
وبعد يومين، أعلنت النقابة في بيان ثانٍ أنها استنفدت إمكانياتها للحفاظ على استمرارية الخدمة، وأنها ستبدأ تعليق نقل الكوادر الطبية تدريجيًا، وصولًا إلى التوقف الكامل في حال استمرار عدم توفير الإطارات والزيوت ومواد الصيانة الأساسية، وهو ما دخل حيز التنفيذ اليوم.
حين لا تصل الحافلة
لم تعد الممرضة تسنيم مروان الهمص 24 عامًا من خانيونس، تعرف طريقًا ثابتًا إلى عملها منذ بدأت الحرب على غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الثاني) 2023، كانت قبلها تصل أحيانًا الى مكان عملها في عيادة تابعة لمجمع ناصر الطبي برفقة والدها أو بسيارة أجرة، لكن تدمير الطرق، وشح الوقود وارتفاع أسعار المواصلات جعل الوصول إلى المستشفى جزءًا آخر من يومها الشاق.
وخصصت وزارة الصحة حافلات لنقل الكوادر الطبية، لكنها لا تصل إلى أماكن تجمع العاملين كما كانت تفعل سابقًا؛ فتروي الهمص لـ”عابر” رحلة الوصول، إذ تمشي حتى تصل إلى النقطة التي تستطيع الحافلة الوصول إليها وحتى حين تصل الحافلة، قد تكون مكتظة بالعاملين، وقد تتأخر يوميًا بين 15 و30 دقيقة بسبب الطرق المدمرة والرملية.
وعندما لا تأتي الحافلة، تقول إنها لا تملك خيارًا ثابتًا للذهاب إلى عملها، فتمشي أحيانًا، أو تستعين بعربة تجرها دابة، بينما تبقى المواصلات الخاصة مرتبطة بتوفر الوقود ومدى تهيئة الطريق، الذي كانت تكلفته نحو شيكل واحد (0.33 دولار) قبل الحرب، في حين أصبحت اليوم بين 4 و5 شيكل (1.65 دولار) للرحلة الواحدة.
السير يصبح خيارًا
وتتابع الهمص أن أصعب الظروف كانت خلال فترات الانسحاب والقصف المكثف للطرق الرئيسية، وفي الشتاء حين تتحول الطرق الترابية إلى مساحات موحلة تعيق الحركة، أو عندما ينقطع الوقود تمامًا وتتوقف المركبات. ومع تعليق الحافلات اعتبارًا من اليوم الأربعاء، تخشى أن تجد نفسها وزملائها أمام مسافات طويلة لا يستطيع الجميع اجتيازها سيرًا، خصوصًا العاملين الذين يعيشون في مناطق نزوح بعيدة أو يعانون إصابات أو مشكلات صحية.
ولا ترى أن المشكلة تتعلق بتأخرها عن مناوبتها فحسب؛ فغياب وسائل النقل قد يعني تأخر كوادر طبية عن المستشفيات، أو وصولهم بعد رحلة مرهقة إلى أماكن يفترض أن يكونوا فيها مستعدين لرعاية المرضى، إذ أن الضغط يطال الجميع، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلًا من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
حتى ملابس العمل أصبحت جزءًا من مشقة الرحلة؛ إذ يغادر بعض العاملين أماكن إقامتهم بملابس عادية، ثم يبدلونها داخل المستشفى، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مستلزمات العمل وظروفه، تختم الهمص.
“أسعار فوق الخيال!”
لكن أزمة الوصول لا تبدأ من الطريق وحده؛ فالحافلات التي تعتمد عليها الكوادر الطبية نفسها تواجه نقصًا حادًا في مستلزمات التشغيل. كما يقول سليمان النجار لـ”عابر” والذي يعمل في قطاع النقل في غزة منذ عام 2012، إذ أن شركته كانت تملك قبل الحرب أربع حافلات، دُمرت اثنتان منها، وتعطلت اثنتان ليبيعهما بعد ذلك، قبل أن يشتري ثلاث حافلات جديدة. واليوم، يستخدم حافلاته في نقل كوادر طبية لصالح مؤسسات، بينها أطباء بلا حدود.
ويوضح النجار أن الإطارات أصبحت من أكبر المشكلات التي تواجهه؛ فالإطار الذي كان يُرمى قبل الحرب لأنه لم يعد صالحًا للاستخدام، يواصل الاعتماد عليه لأيام رغم اهترائه، لأنه البديل الوحيد المتوفر، ويصل سعر الإطار المهترئ، إلى نحو 5 آلاف شيكل (1649 دولار)، مقابل 600 إلى 700 شيكل (197.9 – 230 دولار) للإطار الجديد قبل الحرب.
كل شيء تضاعف
ويشرح أن المشكلة لا تتوقف عند السعر؛ فالحافلة التي تحمل نحو 30 شخصًا لا يمكنه المخاطرة بتشغيلها بإطار تالف، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع إيقافها بسهولة، لأن توقفها يعني تعطل نقل عشرات العاملين. لذلك يحاول استخدام الإطار المتاح لأسبوع أو عشرة أيام، على أمل أن تدخل قطع الغيار ويتمكن من استبداله، ” استطيع استخدام الحافلة مع تعطل إشارة الغماز، ومن دون أضوية، وحتى دون زجاج، لكن لا أستطيع استخدامها بغير دولاب”.
أما الزيوت، فيصف النجار نقصها بالأزمة الأخرى. ويقول إن تغيير الزيت كان يتم بعد نحو 5 آلاف كيلومتر، لكنه يضطر حاليًا إلى تشغيل الحافلة بالزيت نفسه لمسافات تصل إلى 20 ألف كيلومتر، وأحيانًا 30 ألفًا، بسبب عدم توفر الزيت، ما يعرّض المحرك للتلف، كما أن لتر الزيت قد يصل إن وُجد، إلى نحو 2500 شيكل (824.6 دولار)، فيما دفع مرة هذا المبلغ لتغييره، قبل أن يتعطل محرك الحافلة في اليوم التالي، ليقول إن إبقاء الزيت القديم كان ربما أفضل.
وللأزمة أثر مباشر على الكوادر التي تنقلها حافلاته؛ فالنجار ينقل يوميًا نحو 30 من الأطباء والممرضين والإداريين، ويقول إن تأخر الحافلة لا يعني مجرد تأخير رحلة، بل قد يعني انتظار طبيب لنحو ساعتين بحثًا عن وسيلة بديلة، ووصوله إلى عمله متأخرًا قرابة ساعة ونصف، بعد رحلة شاقة بوسائل نقل بدائية.
ويختم إن “إنقاذ الأرواح” مرتبط بوصول هؤلاء العاملين إلى أماكنهم، ولذلك فإن تعطل الحافلة يربك سلسلة كاملة من العمل. فالمشكلة الصغيرة في مركبة واحدة لا تبقى صغيرة، بل تتحول إلى تأخير في نقل الموظفين وتعطيل أعمالهم ومصالحهم، فيما يضطر أصحاب الشركات إلى الدفع والإصلاح والبحث عن بدائل لكل قطعة حتى لا تتوقف الحافلات بالكامل.
حافلات استنفدت
ولا تعكس تجربة النجار أزمة شركة واحدة، بل حالة أوسع أصابت قطاع النقل في غزة. ويقول أنور أبو علبة، رئيس نقابة أصحاب شركات الباصات العامة في غزة لـ”عابر”، إن عدد الحافلات قبل الحرب بلغ نحو 325 حافلة بسعتي 30 و50 راكبًا، دمرت الحرب منها 125 حافلة وأخرجتها من الخدمة.
أما نحو 200 حافلة المتبقية، فيوضح أن وضعها لم يعد جيدًا؛ إذ لجأ أصحاب الشركات إلى نقل القطع الصالحة من الحافلات المتوقفة إلى أخرى لا تزال تعمل. فمن كان يملك سبع أو ثماني حافلات، أصبح أحيانًا يعمل بثلاث فقط، فيما جرى تفريغ الزيوت من بعض الحافلات لاستخدامها في أخرى.
لكن هذا الخيار استُنفد، بحسب أبو علبة، ولم تعد الحافلات المتوقفة تحتوي على قطع صالحة يمكن الاستفادة منها، ما ترك نحو 54 إلى 56 حافلة فقط تعمل فعليًا من أصل 200. وكانت هذه الحافلات مخصصة لنقل الكوادر الطبية، قبل أن تتوقف نسبة تقدر بنحو 55 إلى 60% منها أيضًا.
ويشير أبو علبة إلى أن حجم الحاجة يتجاوز القدرة المتاحة بكثير؛ فوزارة الصحة وحدها كانت تحتاج إلى نحو 90 حافلة لنقل كوادرها، فيما لم يعد القطاع قادرًا حتى على تشغيل العدد الذي كان متوفرًا لهذه المهمة.
أكثر من 19 ألف دولار كلفة الإطارات الجديدة!
ويشير إلى أن كلفة زوج الإطارات الجديد حاليًا، إلى نحو 60 ألف شيكل (19791.9 دولار)، وهي إطارات مخزنة منذ ما قبل الحرب ولم تدخل حديثًا إلى القطاع، فيما يقول إن سعرها بات يتجاوز قيمة الحافلة نفسها، التي كان يمكن شراؤها قبل الحرب بنحو 30 ألف شيكل(9895.9 دولار).
ويؤكد أبو علبة أن جودة الإطارات المتاحة حاليًا ليست مرتفعة، ما يزيد صعوبة الحفاظ على الحافلات وتشغيلها بأمان.
الكوادر أمام طرق أصعب
وتنعكس أزمة النقل على حركة الكوادر الطبية نفسها، بحسب رائد النمس، مدير الإعلام في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الذي يؤكد لـ”عابر”على أن وصول العاملين إلى أماكن عملهم يواجه صعوبات متعددة نتيجة تهالك البنية التحتية وعدم توفر وسائل نقل كافية.
ويوضح أن تضرر أعداد من المركبات في القطاع دفع الهلال الأحمر ومنظمات دولية إلى إطلاق مشاريع مدعومة لتوفير وسائل نقل للكوادر الطبية، في محاولة لتغطية جزء من الاحتياج رغم استمرار التحديات.
ويقول النمس إن كميات الوقود التي يوفرها الممولون تلبي الاحتياجات الحالية بالحد الأدنى، مع استمرار العمل على توفير أكبر قدر ممكن من الإمكانيات اللازمة للحركة. لكنه المشكلة أن أصحاب الحافلات يواجهون نقصًا في قطع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيل مركباتهم، ما يضعف قدرة وسائل النقل المتاحة على الاستمرار.
وبينما تتوقف الحافلات تباعًا، يبقى وصول الكوادر الطبية إلى المستشفيات مرتبطًا بقدرة ما تبقى من المركبات على الاستمرار في العمل، في أزمة لا تتعلق بالنقل وحده، بل بقدرة العاملين على الوصول إلى المرضى في قطاع صحي يعمل أصلًا تحت ضغط هائل.
