الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
عابر السودان

حين يضيع الطريق.. سودانيون في مواجهة الموت بالصحراء المصرية

في الصحراء الواقعة على الحدود المصرية السودانية، انتهت حياة الشاب السوداني جدو جبارة عطشًا، بعدما ضل طريقه وفقد الأمل في النجاة. وقبل وفاته، ظهر جدو في تسجيل مصور يودع فيه أحد أقاربه، ويتحدث عن وضعه في لحظاته الأخيرة، قبل أن يفارق الحياة وحيدًا في الصحراء.

حادثة وفاته أعادت إلى الأذهان حوادث سابقة لسودانيين فروا من الحرب، وسلكوا طرقًا صحراوية للوصول إلى الأمان، لكن رحلاتهم انتهت بالموت عطشًا أو بسبب الحر وحوادث المركبات، لتكشف هذه الحالات المتكررة عن مخاطر طريق بات يسلكه الفارون من السودان بحثًا عن النجاة.

ففي يونيو (حزيران) 2024، أعلن القنصل السوداني في أسوان دفن 51 جثمانًا لسودانيين خلال ثلاثة أيام، بعد وفاتهم أثناء محاولات العبور إلى مصر. وقال إن الوفيات نجمت عن العطش وضربات الشمس وحوادث المرور، فيما بقيت جثامين أخرى بانتظار استكمال إجراءات الدفن.

وفي تحديث للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صدر في الشهر نفسه، وثقت المنظمة وفيات مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة والجفاف بين أشخاص عبروا من السودان إلى مصر، فيما سجلت أسوان في أحد أيام تلك الفترة حرارة بلغت 49.6 درجة مئوية.

لماذا يلجأ فارون إلى طرق محفوفة بالمخاطر؟

في يونيو (حزيران) 2023، أبلغت الحكومة المصرية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن السودانيين الراغبين في دخول مصر سيحتاجون إلى تأشيرة مسبقة، بعدما كانت فئات منهم معفاة من هذا الشرط. وبررت الخارجية المصرية القرار باعتبارات أمنية، وقالت إن السلطات رصدت أنشطة غير مشروعة واستغلالًا لنظام الإعفاء السابق.

لكن القرار أثار انتقادات حقوقية، إذ قالت هيومن رايتس ووتش إن اشتراط التأشيرة صعّب وصول الفارين من الحرب إلى الأمان، خصوصًا النساء والأطفال وكبار السن، ودعت السلطات المصرية إلى تسهيل دخول الفارين وإتاحة إجراءات اللجوء لهم.

ومع تشديد شروط الدخول، وثقت تقارير حقوقية صعوبات في الحصول على التأشيرات وفترات انتظار طويلة، فيما اتجه بعض الفارين إلى طرق غير نظامية عبر الحدود، من بينها مسارات صحراوية تستغرق أيامًا وتعرّض العابرين لمخاطر العطش والضياع وحوادث المركبات.

وفي تحديث صدر في يناير (كانون الثاني) 2024، حذرت المفوضية من مخاطر دخول مصر بصورة غير نظامية، بينها الضياع في الصحراء والاتجار بالبشر والحوادث المرورية، مشيرة إلى حوادث أسفرت عن وفيات وإصابات قرب أسوان.

بين الأمن والحماية

في المقابل، لا تقدم السلطات المصرية إجراءات الدخول باعتبارها إغلاقًا للحدود أمام الفارين من الحرب، بل تربطها باعتبارات أمنية وتنظيمية، في وقت تؤكد فيه القاهرة استمرار استقبال السودانيين وتقديم المساعدات والخدمات لهم.

لكن منظمات حقوقية مصرية ودولية ترى أن تشديد شروط الدخول خلق فجوة بين الحاجة إلى الحماية والقدرة على الوصول إليها بصورة نظامية. ومع صعوبة الحصول على التأشيرة، يصبح بعض الفارين أمام خيار الانتظار على الجانب السوداني أو سلوك طرق بعيدة عن المعابر الرسمية، بما يحمله ذلك من مخاطر إضافية.

صعوبة الوصول لمصر

وتأتي هذه الرحلات في ظل موجة نزوح ضخمة خلّفتها الحرب السودانية، وجعلت مصر إحدى الوجهات الرئيسية للفارين من البلاد.

ومع استمرار الحرب وصعوبة الوصول النظامي إلى مصر، بقي بعض السودانيين عالقين في مناطق حدودية أو مضطرين إلى البحث عن طرق بديلة. وفي تقارير حقوقية لاحقة، تحدثت منظمات عن سودانيين عالقين في منطقة وادي حلفا، وعن مخاطر يتعرض لها من يسلكون طرق العبور غير النظامية، بينها العنف والاستغلال والابتزاز والعنف الجنسي.

وفي ظل ذلك، لا تبدو وفاة جدو جبارة حادثة منفصلة عن سياق أوسع؛ فهي تأتي بعد توثيق وفيات متكررة لسودانيين أثناء العبور الصحراوي، فيما لا تتوفر حصيلة شاملة ومحدثة لعدد من فقدوا حياتهم على هذه الطرق.

وتظهر الأرقام المتاحة غالبًا في سياق حوادث أو فترات زمنية محددة، بينما تركز بيانات تتبع حركة العبور على أعداد الأشخاص واتجاهاتهم، لا على حصر من فقدوا حياتهم في الطرق غير النظامية.

وهكذا، يبقى الحجم الفعلي للخسائر البشرية على هذا الطريق غير واضح بالكامل؛ أسماء قد لا تظهر في قوائم الوفيات، وجثامين قد تصل إلى أماكن الدفن من دون أن يعرف العالم قصة أصحابها، وأشخاص يخرجون من السودان بحثًا عن النجاة ولا يصلون إلى وجهتهم.

وربما لهذا لا تختصر قصة جدو في موته عطشًا في الصحراء، بل في السؤال الذي تتركه وفاته خلفها: كم سودانيًا مات في الطريق إلى الأمان، ولم يعرف أحد كيف انتهت حكايته؟