لم تعد مياه الصرف الصحي في قطاع غزة مجرد مشهد يحيط بمنازل النازحين ومخيماتهم، بل أصبحت جزءًا من الخطر الذي يرافقهم إلى أجسادهم. وتتسرب المياه العادمة إلى التربة والمياه الجوفية، وتتجمع قرب أماكن السكن، فيما يضطر السكان إلى استخدام مصادر مياه لا يثقون بسلامتها، في بيئة تتراجع فيها قدرة النظام الصحي على احتواء الأمراض.
وبين الإسهال وآلام البطن والتهابات الأمعاء، يعيش سكان غزة مع تهديد لا يرونه دائمًا، لكنه قد يصل إليهم عبر المياه التي يشربونها أو البيئة التي يعيشون فيها.
ومع تضرر شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة، لم يعد السؤال فقط كيف يتخلص القطاع من مياهه العادمة، بل ماذا يحدث عندما تبقى هذه المياه بين الناس، وإلى أيّ مدى يمكن أن تتحول إلى مصدر للمرض؟
منظومة مدمرة
بحسب بيانات سلطة المياه، كان قطاع غزة قبل الحرب يمتلك نحو 2250 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي، و79 محطة ضخ، وخمس محطات معالجة رئيسية، بطاقة تصميمية إجمالية تقارب 154.600 متر مكعب يوميًا، وكانت الشبكة تغطي نحو 73 في المئة من السكان.
لكن الحرب دمرت نحو 1545 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي بالكامل، وألحقت أضرارًا جزئية بـ8.6 كيلومترات أخرى، فيما دُمرت 47 محطة ضخ، منها 20 بالكامل و27 جزئيًا.

عام من المواجهة
كلفة انهيار هذه المنظومة لا تظهر في الأمتار المدمرة ومحطات الضخ المتوقفة فقط؛ بل تصل إلى السكان، إذ تحولت البيئة المحيطة بهم إلى مصدر محتمل للمرض.
لما العقرب (30 عامًا)، أم لطفل تعيش في النصيرات وسط قطاع غزة، نزحت خلال الحرب قبل أن تعود إلى منزلها الذي تعرض لأضرار كبيرة وأصبح شبه مهدم، لكنه ما يزال صالحًا للسكن. منذ نحو عام بدأت تعاني مغصًا وإسهالًا وآلامًا في منطقة الكلى والظهر. في البداية اعتقدت أنها أعراض عادية، لكن مع استمرارها وتفاقمها لجأت إلى الفحوصات الطبية، وبدأت تنتبه أكثر إلى نوعية المياه التي تشربها.
تقول العقرب في حديثها لـ”عابر” إن حالتها تتحسن عندما تتمكن من شرب المياه المعدنية، لكن الأعراض تعود عند اضطرارها إلى شرب المياه العادية، ومع الوقت ظهر دم في البول، وتتابع: “اشتدت الآلام إلى درجة أصبحت تفوق قدرتي على التحمل”، كما بدأ يتشكل لديها، ترسبات وحصى في الكلى لا تستطيع معها المضادات الحيوية، حتى القوية منها، تخفيف الألم.
المياه.. بين الحاجة والخوف
ولا تجزم لما بأن المياه هي السبب الطبي المباشر لحالتها، لكنها تخشى أن يكون التعرض المستمر لمياه غير آمنة، ملوثة بمياه الصرف الصحي، جزءًا من المشكلة. مؤكدة أن تحسنها مع المياه المعدنية وعودة الأعراض عند استخدام المياه العادية جعلا مصدر المياه هاجسًا يوميًا بالنسبة لها.
وهكذا، أصبح تأمين المياه الآمنة جزءًا من روتين الأسرة اليومي، لكن المياه المعدنية ليست متاحة دائمًا بسبب كلفتها؛ فتبين العقرب أن سعر العبوة التي يبلغ حجمها نصف لتر نحو 2 شيكل أي (0.67 دولار)، فيما تحتاج الأسرة إلى كميات مستمرة للشرب والطبخ ما يعني عبء إضافي إلى جانب العلاج والاحتياجات الأساسية. لذلك تضطر أحيانًا إلى استخدام المياه العادية أو خلطها بالمياه المعدنية عند عدم توفر كمية كافية، مع التأكيد على عدم ثقتها بأن المياه معدنية وضمن المواصفات.
خوف يتجاوز مرضها
لم تعد العقرب تفكر في نفسها فقط فطفلها، “طفل أنابيب”، ولد بمشكلات في الأمعاء ويحتاج إلى عناية ومتابعة مستمرة، لذلك أصبحت تخشى أكثر على صحته، خصوصًا عندما تضطر إلى استخدام مصادر لا تثق بجودتها.
وتختم “نحن لا نطلب رفاهية، نريد فقط مياهًا آمنة نشربها ونقدمها لأطفالنا دون خوف من المرض؛ فالماء الآمن حق أساسي لكل إنسان. لكن من أصعب الأشياء أن تعرف أن المياه التي تشربها قد تكون مختلطة بمياه عادمة، ومع ذلك لا تملك خيارًا آخر”.

حالة عامة
لكن ما تعيشه العقرب لا يقف عند حدود تجربتها الشخصية؛ فالأعراض المعوية المرتبطة بالمياه غير الآمنة أصبحت جزءًا من يوميات أسر أخرى في غزة، بينها أسرة الأربعيني المعتز بالله الكفارنه، الذي يروي رحلة علاج ابنه الرضيع.
يروي الكفارنه لـ”عابر” معاناة طفله الرضيع أحمد ذي الثماني أشهر، إذ واجه منذ أكثر من أسبوع نزلة معوية لم تتوقف معها نوبات الاستفراغ والإسهال وارتفاع الحرارة. وخلال أسبوع واحد، خسر الطفل نحو كيلو ونصف من وزنه، رغم أن وزنه كان ضعيفًا أصلًا لضعف التغذية.
بدأت رحلة الكفارنة بحثًا عن العلاج لابنه من المستشفى الكويتي في خان يونس، ثم مستشفى ناصر، ومستشفى الخير، وعيادة إنقاذ الطفل، قبل أن يعود مرة أخرى إلى مستشفى ناصر. وبين هذه المحطات، خضع أحمد لفحوصات وتحاليل متكررة، وتلقى حقنًا ووخزات في يديه وقدميه، حتى أصبح، بحسب والده، قليل الحركة بسبب الخمول وفقدان النشاط.
ويقول إن الأطباء الذين عاينوا ابنه قدموا تشخيصات مختلفة، وطلب بعضهم تحاليل إضافية ووصفوا أدوية جديدة، لكن حالته لم تشهد تحسنًا يذكر، وما زال يعاني الاستفراغ والإسهال وارتفاع الحرارة.
ويؤكد الكفارنة أن الأطباء أجمعوا، على أن المياه التي يشربها السكان قد تكون عاملًا أساسيًا في ظهور هذه الحالات، خصوصًا مع احتمال تلوثها بمياه الصرف الصحي وما قد تحمله من ميكروبات وفيروسات يمكن أن تسبب النزلات المعوية وغيرها من الأمراض. وخلال تنقله بين المستشفيات والعيادات، لاحظ المعتز بالله أعدادًا كبيرة من الأطفال الذين يعانون الأعراض نفسها، وبعضهم، كما يقول، كانت حالاتهم أكثر سوءًا.
تلوث المياه يفاقم المخاطر الصحية
يقول أيمن الرملاوي، مدير دائرة صحة البيئة والسلامة المهنية في وزارة الصحة الفلسطينية، لـ”عابر”، إن الأمراض التي ظهرت خلال الحرب ليست جديدة، لكنها باتت تسجل بمعدلات أعلى، مشيرًا إلى ارتباط جانب كبير منها بالمياه الملوثة ومياه الصرف الصحي.
ويوضح أن تعطل أجزاء واسعة من منظومة الصرف الصحي أدى إلى زيادة تعرض السكان للمياه العادمة، خصوصًا في مناطق النزوح، حيث يمكن أن تفيض الحفر الامتصاصية وتنتشر المياه المبتذلة في محيط الخيام، مؤكدًا أن بعض مخيمات النازحين شهدت تلوثًا في الآبار الجوفية، مع ارتفاع مستويات الإشريكية القولونية (نوع من البكتيريا التي تعيش بشكل طبيعي في أمعاء البشر) وظهور حالات في مناطق ومخيمات عدة.
الرملاوي يشير إلى رصد حالات تلوث بمياه الصرف الصحي في مخيمات قريبة من البحر، بينها حالات طالت مياه الشرب، مؤكدًا أن فرق الوزارة تابعت هذه الحالات وعملت على معالجة مصادر التلوث.
ويحذر من أن الإسهال المائي الحاد والإسهال الدموي قد يؤديان إلى الوفاة إذا لم تتم معالجتهما وتحولا إلى انتشار وبائي واسع، موضحًا أنه لا يملك بيانات تثبت تسجيل وفيات بصورة مباشرة نتيجة تلوث المياه، إلا أن الخطر الأكبر يتمثل في انتقال الحالات من نطاق فردي إلى انتشار واسع، خصوصًا بين سكان مخيمات النزوح.
وتتضاعف صعوبة رصد هذا الخطر مع تراجع القدرة المخبرية والميدانية؛ إذ دُمر مختبر الصحة العامة بالكامل في بداية الحرب، قبل إعادة تجهيزه جزئيًا بعد نحو ثمانية أو تسعة أشهر، بحسب الرملاوي، مبينًا أن نقص الأجهزة والمواد المخبرية ما يزال يؤثر في بعض الفحوصات، رغم تحسن قدرة المختبر على إجراء الفحوصات الميكروبيولوجية والكيميائية.
كما توقفت السيارات الميدانية التي كانت تستخدم لجمع العينات ورصد التلوث والأوبئة منذ نهاية يونيو (حزيران) تقريبًا، ما خفض العمل الميداني إلى أقل من 10 في المئة من مستواه قبل توقفها، فيما تراجعت العينات المجمعة في المنطقة الوسطى وخانيونس إلى نحو الربع أو الثلث.

الصرف الراكد يلوث كل شيء
ومن الجانب البيئي، يقول خبير شؤون البيئة في غزة الدكتور عبد الفتاح عبد ربه لـ”عابر”: إن بقاء مياه الصرف الصحي راكدة وفائضة لفترات طويلة يؤدي إلى تسرب الملوثات ومسببات الأمراض إلى التربة والمياه الجوفية، كما يسبب تدهور جودة التربة وتراكم الأملاح والملوثات فيها.
كما أن المياه الراكدة توفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض، وتنتج عنها روائح وغازات ناتجة عن تحلل المواد العضوية، ما يؤدي إلى تدهور البيئة المحيطة وزيادة المخاطر الصحية على السكان والحيوانات، بحسب عبد ربه.
وعن الكيفية، فيوضح أن ارتفاع درجات الحرارة يسرّع تحلل المواد العضوية في مياه الصرف الراكدة، ويزيد انبعاث الغازات والروائح، كما قد يسرّع نمو وتكاثر بعض البكتيريا والطفيليات، مضيفا أن التبخر يمكن أن ينقل بعض الملوثات والغازات المتطايرة، مثل كبريتيد الهيدروجين والأمونيا وبعض المركبات العضوية، إلى الهواء.
كما استمرار تجمع مياه الصرف على سطح الأرض يسمح بتسربها تدريجيًا عبر التربة، وقد تصل الملوثات إلى المياه الجوفية، خصوصًا في المناطق ذات منسوب المياه الجوفية المرتفع أو التربة النفوذة. ومن بين الملوثات التي قد تنتقل، يذكر عبد ربه البكتيريا والفيروسات والطفيليات والنترات والأمونيا والفوسفات والمواد العضوية وبعض المعادن الثقيلة وبقايا الأدوية والمواد الكيميائية.
ويشير إلى أن خطر التلوث لا ينتهي بالضرورة بعد إزالة المياه الفائضة؛ إذ قد تبقى بعض الملوثات في التربة، فيما يستمر بعضها في التحرك نحو المياه الجوفية، بحسب نوع الملوث وخصائص التربة وعمق المياه الجوفية.
اتحاد بلديات قطاع غزة يحذر من أن منظومة المياه والصرف الصحي تواجه خطرًا إضافيًا بسبب شح الزيوت والوقود اللازم لتشغيل المولدات و الآبار ومحطات الضخ. وقال رئيس بلدية خان يونس علاء الدين البطة، متحدثًا باسم الاتحاد، إن الزيوت وصلت إلى 40 مولدًا فقط من أصل 700 مولد في القطاع، موضحًا أن منع إدخال المستلزمات اللازمة لتشغيل مولدات الآبار ومحطات الضخ والصرف الصحي أثر في هذه المرافق للشهر الخامس على التوالي.
ويحذر البطة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى توقف مرافق حيوية، بينها خدمات المياه والصرف الصحي، وطفح مياه الصرف في الشوارع ووصولها إلى مخيمات النازحين، بما يزيد مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة.
وأضاف الاتحاد أن البلديات لم تتلق، منذ مطلع مارس/آذار الماضي، أي كميات من الوقود المخصص لتشغيل آليات إزالة الركام، محذرًا من توقف خدمات أساسية أخرى، بينها فتح الطرق وجمع النفايات، إلى جانب خدمات المياه والصرف الصحي.

40 ألف متر مكعب يوميًا
وتكشف البيانات الأممية حجم الانهيار؛ إذ أظهر تقرير أممي أنه حتى 21 أبريل (نيسان) 2026، كانت 16 محطة ضخ للصرف الصحي فقط من أصل 73 محطة تعمل، فيما كان يُصرّف نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف يوميًا إلى البحر والمناطق السكنية والمياه الجوفية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع حالات الإسهال المائي الحاد والأمراض الجلدية.
وفي يوليو (تموز) 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن 60 في المئة من سكان غزة كانوا لا يزالون معرضين لمياه الصرف الصحي أو الفضلات البشرية على مسافة تقل عن 10 أمتار من أماكن إقامتهم.
ويظهر العبء الصحي بصورة أوضح في بيانات الرصد الوبائي؛ إذ شكّل الإسهال المائي الحاد 22 في المئة من الأمراض المعدية المبلغ عنها بين 19 و25 يوليو (تموز) 2026.
وفي مقارنة مع مستويات ما قبل الحرب، وثقت مراجعة منشورة عبر منصة منظمة الصحة العالمية ارتفاع حالات الإسهال في غزة إلى 25 ضعفًا، في سياق تدمير أنظمة المياه والصرف الصحي، إلى جانب تسجيل عشرات الآلاف من حالات التهاب الكبد A.
ومع استمرار انهيار منظومة الصرف الصحي، وغياب القدرة على احتواء مياه الصرف أو معالجتها، يبقى السؤال: إلى متى سيظل سكان غزة يواجهون مخاطر بيئية وصحية كان يفترض أن تمنعها منظومة الصرف الصحي أساسًا؟
