للمرة الأولى، يصبح تسجيل الرغبة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة متاحًا للأردنيين ضمن تطبيق “سند” الحكومي، الذي يستخدمونه لإنجاز معاملاتهم وخدماتهم اليومية. خطوة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تضع كل شخص أمام قرار شديد الحساسية: “هل أريد أن أتبرع بأعضائي بعد وفاتي؟ ماذا سيحدث لجسدي؟ وهل ستصل أعضائي فعلًا إلى شخص يحتاجها؟ وماذا لو غيّر أهلي رأيهم بعد وفاتي؟”
خلال اليومين الأولين من إتاحة الخدمة التي أطلقت في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، سجل 15,700 شخص رغبتهم بالتبرع، وفق ما أفاد مدير تطبيق سند محمد البطيخي، في تفاعل سريع مع خيار لم يكن متاحًا بهذه السهولة من قبل. لكن خلف الرقم، تبدو الأسئلة أكثر تعقيدًا؛ فبعض الناس يرون في التبرع فرصة لأن يمنحوا حياة جديدة لشخص آخر بعد رحيلهم، فيما يتردد آخرون أمام فكرة التخلي عن أعضائهم أو لا يعرفون تمامًا ما الذي تعنيه موافقتهم المسجلة في “سند”.
والتبرع بالأعضاء ليس جديدًا على الأردن؛ إذ يعود الإطار القانوني المنظم له إلى قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم (23) لسنة 1977 وتعديلاته، كما صدرت لاحقًا تعليمات وإجراءات لتنظيم عمليات النقل والزراعة، فيما أقرت دار الإفتاء الأردنية التبرع ضمن ضوابط وشروط محددة.
الجديد هو أن القرار أصبح أقرب إلى المواطن، ومدرجًا ضمن خدمة رقمية يمكن الوصول إليها في دقائق. وفي المقابل، لا تزال وزارة الصحة تستكمل بروتوكولًا وطنيًا شاملًا للتبرع وزراعة الأعضاء، يفترض أن يوضح أدوار الجهات المعنية وآليات متابعة المسجلين وأولويات الحالات المحتاجة، إلى جانب الجوانب الطبية والقانونية والشرعية.
وبين من يكتب موافقته أملًا في أن يكون سببًا في إنقاذ حياة، ومن يتوقف أمام سؤال: “ماذا سيحدث لأعضائي بعد أن أموت؟”، تفتح “سند” بابًا لقرار شخصي، لكن أثره يمتد إلى ما بعد حياة صاحبه.
من المعاملات إلى التبرع
لم تأت إضافة التبرع بالأعضاء للمنصة بمعزل عن مسار التحول الرقمي للخدمات الحكومية في الأردن. ويعرّف التطبيق نفسه بوصفه البوابة الحكومية للخدمات الرقمية والهوية الرقمية، التي تتيح للمواطن الأردني الوصول إلى وثائقه الحكومية وسجلاته الشخصية، وإنجاز الخدمات والتوقيع الرقمي ودفع الفواتير عبر منصة واحدة.
وأطلق “سند” عام 2020 ضمن هذا المسار، قبل أن تتوسع الخدمات التي يقدمها تدريجيًا، ليصبح اليوم جزءًا من الاستخدام اليومي للخدمات الحكومية الرقمية.
ماذا قال الأردنيون؟
لم يكن التفاعل مع الفكرة على وتيرة واحدة؛ فبين من رأى فيها فرصة لترك أثر بعد الموت، ومن وجد في إدراجها داخل “سند” فرصة لحسم قرار كان مؤجلًا، ظهرت أيضًا تساؤلات ومخاوف حول الجسد وما سيحدث للأعضاء بعد الوفاة.

شروق رزيق كانت من الذين حسموا موقفهم سريعًا، وقالت إنها سجلت موافقتها عبر “سند”، بعدما اعتادت منذ سنوات تجديد وصيتها بالتبرع بالأعضاء، رغبة في أن تكون سببًا في “إنقاذ حياة إنسان أو تخفيف وجعه وإرجاع الأمل إله ولأهله”.
وترى أن قيمة القرار قد تظهر بعد الوفاة، حين يمكن لأعضاء المتبرع أن تمنح شخصًا آخر فرصة جديدة للحياة.
أما سناء ارشيدات، فقالت إنها كانت ترغب في التسجيل منذ وقت، لكنها لم تكن تعرف الطريقة، إلى أن وجدت الخدمة داخل “سند”، مشيرة إلى وجود فتوى دائرة الإفتاء ضمن معلومات الخدمة. وتلخص موقفها بالقول: “ما هو آخرتنا للتراب، فليش ما دام أقدر أفيد حد وأكسب أجر فليش لا”.

وفي موقف أكثر ترددًا، توقفت أحلام عبابنة عند خانة “التبرع بالأعضاء” وهي تحاول تخيل ما الذي يمكن أن تمنحه بعد رحيلها. كتبت ساخرة: “بشو بدي أتبرع؟”، قبل أن تنتقل من المزاح إلى سؤال أكثر جدية: “الشخص اللي بده يستخدمهن، شو ذنبه؟”. وبعيدًا عن المزاح، وصفت عبابنة الفكرة بأنها “عظيمة”، لما يمكن أن تمنحه من فرصة لاستمرار حياة إنسان آخر.

لكن القبول بالفكرة لم يُلغِ مخاوف أخرى ظهرت في التعليقات، خصوصًا حول مصير الأعضاء والجهة التي تديرها بعد الوفاة. هيا تساءلت: “طيب أعضائي راح يبيعوها بيع؟!”، موضحة أنها مستعدة للتبرع إذا كانت أعضاؤها ستذهب إلى شخص محتاج.

وربطت سوار أحمد علي موقفه بالسؤال الشرعي، داعيًا إلى الرجوع إلى الإفتاء، وكتب أن “جسمك أمانة عندك”.
ووصل القلق لدى معتصم النسور إلى مسألة الثقة بعد الوفاة؛ إذ قال إنه يؤيد التبرع، لكنه لا يثق بكيفية التصرف بالأعضاء، متخوفًا من أن تصل إلى شخص بسبب واسطة أو أن يجري بيعها. وفي ظل هذه المخاوف، قال إنه يفضل أن يكون في القبر كاملًا دون نقص.

أما سارة المعابرة، فرفضت الفكرة من منطلق ديني، معتبرة أن الجسد وأعضاءه “من خلق الله”، وأن الإنسان مؤتمن عليها ومطالب بالمحافظة عليها حتى يعود الجسد والروح إلى الله.

الشرع يوضح: مجاز بشروط
ورغم التساؤلات التي أثارها بعض المتفاعلين حول مشروعية التبرع بالأعضاء ومصيرها بعد الوفاة، تؤكد دائرة الإفتاء الأردنية جواز التبرع بالأعضاء ضمن ضوابط وشروط محددة، من بينها أن يكون التبرع طوعيًا ومن دون مقابل مادي، وألا يترتب عليه استغلال للمتبرع أو ضرر، وأن يخضع للإشراف الطبي والقانوني.
وأكد وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية محمد الخلايلة أن الفتوى الشرعية الخاصة بالتبرع مرفقة بالخدمة في “سند”، معتبرًا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة من أعمال الصدقة الجارية، مستشهدًا بقوله تعالى: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا”.
مرضى ينتظرون فرصة للحياة
خلف قرار التبرع أشخاص ينتظرون أصلًا فرصة للحصول على عضو يعيد إليهم جزءًا من حياتهم. وفي الأردن، يقدر عدد المنتظرين لزراعة القرنيات بنحو 1,800 شخص، وفق تصريحات حديثة لأحمد جميل شاكر، نائب رئيس الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، فيما تعد القرنيات من أكثر الأعضاء طلبًا في المملكة.
وتكشف قوائم المرضى في أعضاء أخرى حجم الحاجة أيضًا؛ إذ قال مدير المركز الوطني لزراعة الأعضاء، الدكتور محمد الكوفحي، إن نحو 550 مواطنًا بحاجة إلى زراعة كلى ولا يتوفر لهم متبرعون، فيما يحتاج قرابة 100 مواطن إلى زراعة كبد.
ولا تقتصر أهمية التبرع بعد الوفاة على عضو واحد؛ ففي حالات الوفاة الدماغية يمكن الاستفادة من عدة أعضاء، بينها الكليتان والكبد والقلب والرئتان والقرنيتان، ما يجعل قرار المتبرع قابلًا لأن يمتد أثره إلى أكثر من مريض ينتظر فرصة للعلاج.
