التحرش في العراق.. من ملاحقة فتاة في المنصور إلى شهادات عن استغلال السلطة

عابر-العراق
أعادت حادثة التحرش الجماعي بفتاة في منطقة المنصور ببغداد هذا الملف إلى واجهة النقاش في العراق، بعدما أثارت الواقعة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يقتصر على المطالبة بمحاسبة المتورطين، بل كشف أيضا عن انقسام واضح في التعامل مع الضحية نفسها.
وبينما أدانت تفاعلات ملاحقة الفتاة، ذهبت أخرى إلى تحميلها مسؤولية ما تعرضت له، في وقت تتحدث فيه شهادات حصل عليها المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن وقائع تحرش داخل الجامعة والمدرسة والعمل ومؤسسات حكومية وأمنية.
ماذا حدث في المنصور؟
انتشر، الأحد، مقطع فيديو يظهر فتاة تركض في أحد شوارع منطقة المنصور ببغداد، وأفادت منشورات متداولة بأن الواقعة حدثت في شارع التانكي، بينما تحدثت تقارير محلية عن مشاركة أكثر من عشر سيارات في ملاحقة الفتاة، ما تسبب بحالة من الازدحام في الشارع.
وأثار المقطع موجة من الغضب والمطالبات بملاحقة المتورطين ومحاسبتهم، قبل أن تتحرك مفارز قسم شرطة المنصور لمتابعة الواقعة وتحديد هويات المشاركين فيها.
وأعلنت وزارة الداخلية العراقية، اليوم الاثنين، اعتقال عدد من الأشخاص المتورطين في ملاحقة الفتاة والتحرش بها، بعد استحصال الموافقات القضائية، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق المادة 402 من قانون العقوبات العراقي.
ومن هنا بدأت الحادثة تأخذ بعدًا آخر في النقاش العام؛ فإلى جانب المطالبات بالمحاسبة، ظهرت تعليقات ركزت على الفتاة نفسها، وسألت عن ملابسها وتصرفاتها وسبب وجودها في المكان.
حين تتحول الضحية إلى موضع للاتهام
كتب أحد المعلقين، مستخدمًا اسما مستعارا، أن على الفتيات معرفة كيفية التصرف عند تعرضهن للتحرش، وأن يلجأن إلى الشرطة أو أصحاب المحال أو سكان المنطقة، محذرا من احتمال تطور الملاحقة إلى اغتصاب.
في المقابل، حملت تعليقات أخرى الفتاة المسؤولية بصورة مباشرة، من بينها تعليق تساءل: “البنت مع مين ركبت؟”، وانتقد ضحكها وملابسها وطريقة تصرفها، قبل أن يصفها بأنها غير محترمة. وفي تعليق آخر، كتب أحد المتابعين: “هذا التطور والمدنية والحرية واحترام المرأة”.
التحرش داخل أماكن يفترض أن توفر الحماية
لا تتوقف وقائع التحرش هنا إذ ظهرت بالتزامن مع الحادثة شهادات تحدث عنها المرصد العراقي لحقوق الإنسان، تتضمن حالات قال أصحابها إنها وقعت داخل الجامعة والمدرسة ووسائل الإعلام، إضافة إلى مؤسسات حكومية وأمنية.
وتقول مراسلة صحافية من بغداد، في شهادة لها، إنها تعرضت لتحرش من أستاذ جامعي، وإنه قلل درجاتها بعد رفضها التحرش. وتضيف أن رئيس مراسلين في قناة فضائية أجبرها على ترك عملها، رغم كفاءتها، بعد رفضها أيضًا تحرشه.
وفي شهادة أخرى، يقول معلم في إحدى مدارس بغداد إن مدير المدرسة طلب من زميلته إقامة علاقة جنسية، وإنها رفضت طلبه، قبل أن يبدأ، بحسب شهادته، بمضايقتها حتى اضطرت إلى الانتقال إلى مدرسة أخرى. ويضيف أن المدير معروف بين الطلاب بلقب “الأستاذ الجنسي”، من دون أن يتعرض، بحسب روايته، للمحاسبة.
أما شهادة ثالثة، فيقدمها عريف شرطة من بغداد، ويتحدث فيها عن موظف شرطة ساوم متسولة على ممارسة الجنس مقابل عدم مساعدتها في تلفيق قضية. ويقول إن مثل هذه الممارسات تحدث، في الشارع وكذلك داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية من دون محاسبة.
حين يصبح رفض التحرش مكلفًا
تكشف بعض الشهادات التي انتشرت أيضا عن تبعات قالت النساء إنهن تعرضن لها بعد رفض التحرش. فالصحفية تربط بين رفضها التحرش وبين فقدانها عملها، فيما يقول المعلم إن زميلته اضطرت إلى الانتقال من مدرستها بعد مضايقات مديرها لها.
وفي هذه الحالات، لا يرتبط التحرش بالواقعة نفسها فقط، وإنما بما قد يترتب على رفضه أو محاولة الإبلاغ عنه، خصوصا عندما يكون الشخص المتهم في موقع يسمح له بالتأثير في درجات الطالبة أو عمل الموظفة أو قدرتها على الاستمرار في المكان. وتطرح هذه الشهادات تساؤلا حول قدرة الضحايا على تقديم شكاوى عندما يكون المتحرش، بحسب رواياتهن، صاحب سلطة أو نفوذ.
ماذا يقول القانون؟
تنص المادة 402 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، ضمن الأفعال المخلة بالحياء، على معاقبة من يتعرض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش الحياء، بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.
لكن مجلس القضاء الأعلى يوضح أن التحرش ليس بالضرورة واقعة قانونية واحدة ذات تكييف ثابت؛ إذ تختلف العقوبة والتكييف بحسب الفعل وظروفه، وقد تنتقل الواقعة من نطاق الأفعال المخلة بالحياء إلى جرائم أشد عندما تتضمن اعتداء جنسيا أو أفعالا أخرى يحددها قاضي التحقيق والمحكمة المختصة.
كما أشار مجلس القضاء الأعلى إلى أن قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 يتضمن حظرا للتحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة، سواء في البحث عن العمل أو التدريب المهني أو التشغيل أو شروط وظروف العمل.
ما الذي لا نعرفه عن حجم التحرش؟
لا يوجد في المصادر المتاحة، إحصائية وطنية عراقية حديثة ترصد التحرش تحديدا وتبين عدد النساء اللواتي يتعرضن له أو حجم الشكاوى التي تصل إلى الشرطة والقضاء. لذلك يصعب تقديم تقدير دقيق لانتشار التحرش في العراق أو معرفة الفارق بين الحالات التي تقع فعلا وتلك التي يجري الإبلاغ عنها.
ولا يعني غياب رقم وطني حديث أن الوقائع غير موجودة، لكنه يعني أن حجم الظاهرة لا يمكن اختزاله في الحالات التي تظهر عبر مواقع التواصل أو تصل إلى الجهات الأمنية. كما تشير شهادات المرصد إلى عوامل قد تجعل الإبلاغ أكثر صعوبة، من بينها الخوف من خسارة العمل أو الدراسة، أو التعرض لمضايقات بعد الرفض، بينما أظهرت التفاعلات التي رافقت حادثة المنصور استمرار حضور لوم الضحية في النقاش العام.
وبذلك، تكشف حادثة المنصور جانبا من المشكلة التي يصعب قياسها بالكامل: واقعة وصلت إلى مواقع التواصل وتحركت على إثرها الأجهزة الأمنية، في مقابل شهادات عن حالات أخرى قالت نساء إنها وقعت داخل الجامعة والمدرسة والعمل ومؤسسات حكومية وأمنية. وبين الحالتين تبقى الحاجة قائمة إلى بيانات أكثر انتظاما عن التحرش، وآليات واضحة وآمنة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، وضمان عدم تعرض المبلغات للانتقام أو العقوبة بسبب رفض التحرش أو الإبلاغ عنه.
