من “الونس” إلى الزنزانة .. كيف استطاع الهاشتاغ والتريند تثبيت تهمة هتك العرض على “محمد طاهر”

عابر – مصر

إسراء الأعرج

خرجت قضية محمد طاهر (المتحرش) إلى العلن بعد أن قررت احداهن ألا تصمت وأن تواجه الخوف من المجتمع، ما بدأ بشهادة عبر وسم #هل_فضحت_متحرش_اليوم، سرعان ما تحول إلى سيل من الإفادات المتقاطعة، كشفت نمطا متكررا ومدروسا من الاستدراج والاستغلال الجنسي لفتيات بعضهن قاصرات، تحت غطاء “الدعم النفسي” و”المساحة الآمنة” ودعوات لشرب القهوة أو حضور حفل “التنورة” كان يصر على إلباسها ثوب البراءة وتبريرها بالعفوية وفتح المجال أما صداقة نقية لا تشوبها شائبة، إلا أن الرسائل والشهادات، وتطابق الروايات لم تترك المسألة في إطار الشك، بل وضعتها في سياق اتهام واضح امتد لسنوات.

بدأت التحقيقات مع المتهم باعترافه بارتكاب بعض الوقائع المنسوبة إليه، وذلك خلال استجوابه من قبل النيابة العامة المصرية، التي باشرت إجراءاتها عقب رصد منشورات متداولة تتضمن اتهامات بهتك عرض عدد من الفتيات.

وبحسب بيان النيابة، فقد استمعت جهات التحقيق إلى أقوال المبلغين والمجني عليهن، حيث أفادت ثلاث فتيات بتعرضهن لوقائع هتك عرض في أماكن مختلفة، من بينها مقر غير مرخص لمؤسسة اهلية بمنطقة جاردن سيتي، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2025، فيما كشفت فتاة رابعة عن تعرضها لواقعة مماثلة تعود إلى عام 2017.

وأظهرت التحقيقات أن المجني عليهن توجهن إلى المتهم طلبا للدعم النفسي والتعافي، في ظل ظروف اجتماعية ونفسية صعبة غلب عليها العنف الاسري، قبل أن يستغل تلك الحالة لارتكاب الافعال المنسوبة إليه. كما ادلى احد العاملين في مقر الواقعة بشهادته، مشيرا إلى ملاحظته قيام المتهم في اوقات متكررة بصرفه من العمل مبكرا او تكليفه بالحضور في اوقات متاخرة، بما يتيح له الانفراد بالمجني عليهن.

وفي سياق استكمال التحقيقات، قامت النيابة العامة بفحص الهاتف والاجهزة الالكترونية الخاصة بالمتهم، وقررت ارفاق تحريات الشرطة ووحدة مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، مع استمرار الاجراءات لكشف ملابسات الواقعة بشكل كامل.

وأكدت النيابة العامة انها تباشر التحقيقات في إطار من السرية، بما يضمن حماية خصوصية المجني عليهن والشهود، وذلك وفقا لأحكام القانون، محذرة من نشر أو تداول أي معلومات قد تؤدي إلى كشف هوياتهم، ومشددة على اتخاذ الاجراءات القانونية بحق المخالفين.

واستندت النيابة العامة في إجراءاتها إلى شهادة أحد العاملين بالمقر، الذي أكد تعمد المتحرش صرفه من العمل مبكرا أو تكليفه بالحضور متأخرا في توقيتات محددة، وذلك لتهيئة الأجواء لارتكاب تلك الوقائع بعيدا عن الأعين، ليتضح لاحقا أن محمد طاهر قام بهتك عرض فتيات مستغلا غياب الرقابة الإدارية على المؤسسة غير المرخصة التي كان يديرها تحت ستار العمل الأهلي غير الهادف للربح.

كسر حاجز الصمت

بدأت ملامح القضية بالاتساع بعد أن نشرت الفنانة جيهان الشماشرجي ما قالت إنه رسائل وصلتها من المتهم، حملت طابعا شخصيا وعاطفيا، وتضمنت عبارات من قبيل: يسعد صباحك، حلمت بيكي، طاقتك حلوة، قلبي دق…”.

وأوضحت أن هذه الرسائل لم تكن حالة منفردة، بل تزامنت مع شهادات اخرى تحدثت عن استخدام خطاب يقوم على القرب النفسي والدعم كمدخل للتواصل وبناء الثقة، قبل أن تتكشف لاحقا روايات متعددة حول سلوكيات منسوبة للمتهم.

وقد ساهم نشر هذه الرسائل في توسيع نطاق التفاعل مع القضية، وفتح الباب امام شهادات اضافية دفعت الملف الى واجهة النقاش العام.

من الفردي إلى العام

نشر المواطن أحمد عمران ضمن الحملة منشورا أشار فيه إلى أن انطلاق القضية ارتبط بتداول واسع لشهادات عبر وسم #هل_فضحت_متحرش_اليوم، ما أسهم في نقل الموضوع من نطاق فردي إلى حالة رأي عام.

وأوضح أن تتابع الإفادات عبر المنصات الرقمية ترافق مع بدء تحرك رسمي شمل فتح تحقيقات وإعلان القبض على المتهم في القضية، لافتا إلى أن تفاعل الشهادات على الهاشتاغ لعب دورا في تحويل الملف إلى قضية خاضعة للمساءلة القانونية بدل بقائها في إطار روايات متفرقة.

ممارسات بلا أساس علمي

كانت الأخصائية النفسية الدكتورة ماجي الشافعي قد نشرت ضمن حملة #هل_فضحت_متحرش_اليوم تحذيرا من خلط المفاهيم بين الدعم النفسي المهني وبين ما يُطرح تحت مسمى “العلاج بالاحتواء أو الأحضان”، مؤكدة أن هذه الممارسات لا تستند إلى أي أساس علمي أو علاجي معتمد.

وأوضحت أن تجاوز الحدود الجسدية تحت أي مسمى علاجي يعد شكلا من أشكال الانتهاك، خصوصا عندما يتم خارج إطار مهني واضح وضمن بيئات غير خاضعة للرقابة، محذرة من استخدام الخطابات العاطفية أو المثالية كغطاء لإعادة تعريف العلاقات غير المهنية، بما قد يسهل وقوع استغلال نفسي أو جسدي دون وعي من الضحايا.

أما آية البحقيري فأوضحت ضمن ذات الحملة بشهادة أنها تعاملت مع مساحة ثقافية قدمت كبيئة دعم واحتواء، قبل أن تتكشف لها لاحقا روايات من فتيات أخريات تحدثن عن ممارسات منسوبة لصاحب المكان نفسه.

وأشارت إلى أن ما وصلها من شهادات لاحقة كشف نمطا متكررا من الاستغلال المرتبط بحالات ضعف نفسي واجتماعي، حيث تم استخدام خطاب الدعم كمدخل لعلاقات غير متوازنة.

كما اعتبرت أن خطورة هذه الحالات لا تكمن فقط في الفعل الفردي، بل في غياب الرقابة على مساحات تقدم على أنها آمنة بينما تتحول إلى بيئات قابلة للاستغلال.

نسب التحرش في مصر

تشير البيانات الحقوقية الحديثة إلى استمرار اتساع نطاق العنف ضد النساء في مصر خلال عام 2025، حيث تم توثيق ما يزيد على 250 حالة عنف ضد النساء والفتيات في النصف الاول من العام، إضافة إلى نحو 364 حالة رصدت خلال العام نفسه، بينها نسبة تقارب 16% من العنف الجنسي.

وبمقارنة ذلك بعام 2024، الذي سجلت فيه 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات خلال العام كاملًا، يتضح أن حجم العنف ما زال مرتفعا وبوتيرة متقاربة، مع استمرار تنوع اشكاله بين التحرش والاعتداءات الجسدية والنفسية. هذه الارقام، رغم انها تعكس الحالات المبلغ عنها فقط، تشير إلى فجوة اكبر في الواقع الفعلي، في ظل تقديرات حقوقية تؤكد أن نسبة كبيرة من الانتهاكات لا يتم الابلاغ عنها بسبب الخوف او الوصمة الاجتماعية.