الحرب والعادات.. تفاقم زواج الطفلات في السودان

عابر – السودان
حنان الطيب
“حملت وهي طفلة، وعند الولادة نزفت أمامي… لم يكن هناك طبيب ولا دواء فقط يدي التي أمسكت بها حتى رحلت، مريم ماتت قبل أن تعرف معنى الشباب.”
كلمات أم مريم وصوتها المخنوق كانت كفيلة أن تشرح لعابر مأساة أم من عشرات السودانيات الثكالى على بناتهن اللاتي رحن ضحية الحرب والتقاليد القبائلية ، فتروي قصة نزوحهم من دارفور إلى معسكر بلا مدارس ولا مستشفيات وبلا مأوى ولا غذاء، “الفقر حاصرنا والخوف شد علينا، وقالوا إن الزواج سيحمي ابنتي ويخفف العبء عنا، زوجناها لرجل يكبرها بثلاثين عاما، ورأيت في عينيها خوفا أكبر من عمرها، وها قد رحلت بدلا من أن تعيش” هكذا اقنعوها.
هذه القصة لم تعد استثناء في سياق الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتتحول سريعا إلى صراع واسع أدى إلى انقسام فعلي في السيطرة على البلاد بين الطرفين، مع استمرار القتال في عدة مناطق من بينها الخرطوم ودارفور، وقد تسبب هذا الانقسام في انهيار واسع للخدمات الأساسية وتفاقم موجات النزوح، حيث كان الأطفال من أكثر الفئات تضررا نتيجة القصف المباشر، وانقطاع التعليم، وتدهور الرعاية الصحية، إضافة إلى تعرض بعضهم لمخاطر الاستغلال في بيئات النزاع والفقر، ما جعل الأزمة الإنسانية في السودان واحدة من الأشد تعقيدًا في المنطقة.
ما زلت طفلة!
“الزواج المبكر صار شيئا عاديا، لا أحد يستغربه الحرب سرقت منا العائلة والمدرسة والضحكة، وتركت الأسر غارقة في الفقر والضغوط، فلم يبق أمام البنات سوى الزواج كخيار مفروض”، هذا ما قالته آمنة حسن بصوتها الطفولي.
تكشف آمنة (17 عام)، من نيالا عاصمة جنوب دارفور، أنها ليست الوحيدة فـ نحو ثلاثة أرباع صديقاتها تزوجن برجال يكبرونهن بثلاثة عقود، لأن التعليم توقف والأمل انطفأ، “لم يكن هناك فستان أبيض ولا موسيقى، فقط دموع أمي وصمت أبي، دموعها كانت رضا ممزوج بالحزن، وصمته كان استسلاما للفقر الذي لا يرحم”.
وتتابع اليوم أقضي وقتي بين ترتيب البيت والطبخ ورعاية زوجي، أحاول أن أبدو امرأة، بينما داخلي يصرخ، ما زلت طفلة أريد أن أتعلم، أن ألعب، أن أضحك مثل البنات في عمري الحرب أخذت مني المدرسة والطفولة والضحكة، وأعطتني حملا لا يناسب سني.”

طفلات ينجبن أطفال
أما منى حسن (16 عاما) فكانت تعيش في منطقة نزاع في غرب السودان تقول بصوت يختلط فيه الحلم بالخذلان تقول أنها فقدت والدها في الحرب، وأمها المحاصرة بالفقر رأت في زواجها وسيلة لتخفيف العبء، “في قبيلتنا الزواج المبكر ثقافة راسخة لدى الطفلات، فـ “يحجزن” منذ سن الثامنة والتاسعة لأحد أقاربهن أو حتى لرجل كبير لم يكن أمامي خيار، فالمجتمع كله مقتنع أن الزواج هو المصير الطبيعي للبنت.”
وتضيف “عرسوني” لرجل يكبرني بثلاثة عقود، لم أفهم معنى أن أكون زوجة كل صباح يوقظنيى زوجي لأرتب البيت وأجهز احتياجاته، وبعد فترة قصيرة من الزواج، حملت وأنا لا أعرف شيئا عن الأمومة عانيت في الولادة، جسدي الصغير لم يحتمل الألم، وطفلي مات بين يدي قبل أن أتعرف على ملامحه.
حرمت بسبب ظروفها من التحاقها بالمدرسة، لم تتعلم القراءة والكتابة، ولكنها أصبحت مسؤولة عن بيت وزوج، “دفنت طفولتي مع طفلي” تختم منى.
زواج تحت التهديد
وفي ظل تلك الظروف، أجبرت على الزواج من أحد المقاتلين تحت التهديد، لتجد نفسها تنتقل من حياة الطفولة والمدرسة إلى واقع مفروض لا يشبه عمرها ولا أحلامها، حيث انقطع تعليمها بالكامل وبدأت مسؤوليات تفوق قدرتها على الفهم أو التكيف، لتتحول حياتها بعدها لسلسلة من المعاناة اليومية، بين العنف النفسي والجسدي والحرمان من أبسط أشكال الأمان، حتى هرب زوجها وتركها وحيدة في مواجهة تبعات تجربة فرضت عليها بالقوة، وتتحمل وحدها آثارها الاجتماعية والنفسية.
تقول سلمى (13 عاما) لعابر، والتي كانت تعيش طفولتها في قرية صغيرة غرب السودان إنه حين دخلت مجموعة مسلحة إلى المنطقة، تغيرت حياتها بشكل كامل بعد أن سادت حالة من الخوف في المكان جعلت أسرتها عاجزة عن الرفض أو الاعتراض، في ظل سيطرة السلاح وغياب أي حماية.
ومعاناة سهى (15 عاما) لم تكن أقل من غيرها، إذ خرجت من بيئة مضطربة بين أطراف الخرطوم ومخيمات النزوح، وتقول إن الضغوط التي تعرضت لها أسرتها، خصوصا التهديدات الموجهة لوالدها، دفعت بها إلى زواج قسري من أحد أفراد المليشيا، في ظل غياب أي قدرة على الرفض أو الحماية، لتجد نفسها فجأة داخل حياة جديدة فرضت عليها بالقوة.
وبعد فترة قصيرة من الزواج، حملت وهي تفتقر لأي رعاية صحية أو دعم اجتماعي، ما زاد من هشاشة وضعها، وانعزلت تدريجيا عن محيطها وفقدت إحساسها بالأمان والاستقرار، قبل أن يغادر الزوج لاحقا ويتركها وحدها في مواجهة الأمومة المبكرة وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية قاسية، لتصبح قصتها انعكاسا لمعاناة فتيات يواجهن الزواج القسري في سياق النزاع والنزوح.

الزواج المبكر والفقر
وفقا لمسح عنقودي متعدد المؤشرات أُجري عام 2022 بالتعاون بين المجلس القومي لرعاية الطفولة واليونيسيف، تبين أن نحو 38% من النساء في السودان تزوجن قبل سن 18، مع تأكيدات بأن الزواج المبكر ارتبط بالفقر وضعف التعليم والأعراف الاجتماعية، حيث بلغت النسبة 34% بين الشابات 20–24 سنة، و12% قبل سن 15،ومع اندلاع الحرب في 2023، أشارت تقارير أممية إلى ارتفاع نسب الزواج المبكر في بعض المناطق الريفية ومخيمات النزوح لتصل إلى نحو 40%، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية واتساع نطاق الفقر والنزوح.
كما أوضحت اليونيسيف أن أكثر من 19 مليون طفل خرجوا من التعليم منذ بداية الحرب، تشكل الفتيات نحو 70% منهم، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر من 21% إلى أكثر من 70%، ما دفع العديد من الأسر إلى تزويج بناتهن كوسيلة للتكيف مع الضغوط الاقتصادية.
من جانبه أوضح الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، الدكتور عبد القادر أبو لعابر، أن المجلس بذل جهودا كبيرة لإيقاف الزواج المبكر، مع مراعاة الظروف الثقافية والسلطة التقديرية لقاضي محكمة الطفل، مشيرا إلى وضع استراتيجية وطنية لإنهاء زواج الأطفال، أجازها مجلس الوزراء بالقرار رقم (193) لسنة 2023.
وبين أن الاستراتيجية ترتكز على رفع درجة الوعي الاجتماعي عبر المنابر والشارع ووسائط التربية المختلفة، بهدف تثقيف المجتمع وتفعيل القوانين الداعمة لهذا الوعي، مع تطبيق العقوبات على المخالفين.
وأشار أبو إلى أن الحرب أوقفت برامج التوعية، مما تسبب في زيادة نسب الزواج المبكر والقسري، خاصة مع وجود اختراقات ثقافية قوية. وقد رصدت حالات زواج قسري واغتصاب جماعي للطفلات في مناطق متعددة من قبل مليشيات الدعم السريع وأعوانهم، حيث دخلوا على الأسر وأجبروا فتيات في عمر 10 و12 سنة على الزواج القسري أو تعرضن للاغتصاب، ما أجبر العائلات على النزوح، إذ تجاوز عدد الأسر النازحة ثلاثة ملايين، بينهم ما لا يقل عن مليون ونصف طفل وهم الضحايا الأبرز.
التجريم الدولي لزواج الأطفال
تؤكد الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل أن كل إنسان دون سن الثامنة عشرة يعد طفلا، وأي زواج قبل هذه السن هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وممارسة ضارة تهدد حياة الفتيات ومستقبلهن.
وتعتبر اليونيسف زواج الأطفال جريمة دولية تستوجب المساءلة، وتلزم الدول الأطراف باتخاذ إجراءات قانونية ضد من يسهل أو يفرض هذا الزواج، مع تقديم تقارير دورية للأمم المتحدة حول التقدم في القضاء على الظاهرة والخضوع للمحاسبة عند التقصير.
كما أكدت اليونسيف أن القضاء على زواج الأطفال شرط لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين وضمان مستقبل كريم وآمن لكل طفل، وحماية الطفولة مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.

فجوة بين النص والتطبيق
يقول الخبير القانوني عبدالله محمد لعابر إنه رغم إقرار السودان لقانون الطفل سنة 2010 والذي يعرف الطفل بأنه كل من لم يتجاوز الثامنة عشرة ويمنع إبرام أي عقد زواج قبل هذه السن، إلا أن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النصوص والتطبيق، فالحرب، والنزوح، والفقر جعلت القانون عاجزا عن حماية الطفلات، بينما العادات الاجتماعية والدينية ما زالت تفرض الزواج المبكر باعتباره “ستراً للبنت”.
في المقابل يوضح أن القانون الدولي ممثلا في اتفاقية حقوق الطفل (1989) واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، يضع التزامات واضحة على الدول الأطراف من حظر زواج الأطفال، تقديم تقارير دورية للأمم المتحدة، والخضوع للمساءلة عند التقصير، فهذه الآليات الدولية تمنح حماية أوسع، لكنها تعتمد على إرادة الدولة في التنفيذ.
ويؤكد محمد أن السودان يتفق نظريا مع القانون الدولي في تعريف الطفل وحظر الزواج المبكر، لكنه يفتقر إلى آليات رقابة فعالة، إذ يعتمد على مؤسسات محلية مثل المجلس القومي لرعاية الطفولة، وهي مؤسسات ضعيفة في ظل النزاعات المسلحة وانهيار البنية التحتية.
مضاعفات كبيرة وخطر شديد
من جانبها أكدت الدكتورة إيمان محمد أخصائية النسائية والتوليد أن مضاعفات الحمل والولادة المبكرة للفتيات بين( 10–17) عاما أكثر عرضة لتسمم الحمل، النزيف، التهاب بطانة الرحم، والعدوى الجهازية مقارنة بالنساء البالغات الراشدات، إلى جانب وفيات الأمهات والأطفال، بالإضافة إلى أن الحمل المبكر يزيد معدلات وفيات الأمهات، كما أن الأطفال المولودين لأمهات دون 18 عاما أكثر عرضة لسوء التغذية والتقزم وانخفاض الوزن عند الولادة .
وتابعت أن الأمهات صغيرات السن يتعرضن لمشاكل صحية مزمنة مثل الناسور البولي الناتج عن تعسر الولادة، والذي يجعل الفتاة منبوذة اجتماعيا ويؤثر على كل حياتها، مؤكدة على أن هذا الحمل يعد سبب رئيسي للوفاة عالميا ومضاعفات الحمل والولادة هي السبب الأول لوفاة الفتيات بين 15–19 عام.

اقتلاع قسري من النمو الطبيعي
أما الخبيرة النفسية الدكتورة ناهد محمد الحسن فتقول لعابر إن تصاعد زواج الطفلات في سياق الحرب لا يمكن فهمه فقط كنتيجة للفقر أو النزوح، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية قديمة تختزل المرأة في جسدها وتدار بالخوف لا بالوعي، والحرب لا تنتج هذه البنية، لكنها تحررها وتدفع بها إلى السطح كآلية نجاة في واقع ينهار.
وتابعت أنه في ظل النزوح وفقدان المنزل والشبكات الاجتماعية والأمان، تتراجع البنى الحديثة ويقدم الزواج كبديل للحماية، بينما تختزل الطفلة إلى عبء يجب التخلص منه، هذا الضغط المركب يجعل القرار بعيدا عن الحرية، ويعيد إنتاج وعي تناسلي مغلق يربط وجود الفتاة بجسدها فقط.
من الناحية النفسية، توضح الحسن أن زواج الطفلات يمثل اقتلاعا قسريا من مسار النمو الطبيعي، فالطفولة والمراهقة ليستا مجرد مراحل بيولوجية، بل محطات أساسية لتشكل الهوية واكتساب الاستقلال وبناء القدرة على الاختيار حين تدفع الطفلة إلى الزواج، تلقى في تجربة لم تكتمل شروطها بعد، فتفقد حقها في تكوين ذاتها وتدخل علاقة غير متكافئة، محملة بضغوط الحمل والمسؤولية وربما العنف، دون امتلاك أدوات التكيف، وهكذا يتحول الزواج من مؤسسة يفترض أن تقوم على الشراكة إلى مصدر لصدمة ممتدة تعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها.
وختمت أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على المنع القانوني، بل تتطلب تفكيك البنية التي تنتجها الخوف من الجسد الأنثوي، الاقتصاد القائم على إدارة الهشاشة، والوعي الاجتماعي المختزل، حماية الطفلات تعني إعادة تعريفهن كإنسان كامل له الحق في النمو والتعليم والاختيار، لا كجسد يدار في زمن الأزمات.
في نهاية هذا الواقع، تتكشف الفتيات كأكثر ضحايا الصراع هشاشة، حيث يتقاطع الزواج القسري مع العنف والاعتداءات الجنسية، وبين انهيار الحماية الرسمية وضغط الأعراف الاجتماعية، تسحب الطفولة قسرا نحو مسارات لا خيار فيها، لتتحول حياة الفتيات إلى شاهد حي على كلفة الحرب الاجتماعية والإنسانية الأعمق.
