حين تنتحي الأبوة .. الأطفال بين الحماية المفقودة والانتقام الأسري

عابر – عربي
إسراء الأعرج
فجرت جريمة الكرك الأخيرة في الأردن صدمة واسعة، بعد أن أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة داخل مزرعة، نتائج التشريح أظهرت أن كل طفل تلقى ما بين 6 إلى 7 طعنات في مناطق قاتلة تركزت في الصدر والبطن والعنق، ما أدى إلى نزف دموي حاد، الأشد قسوة لم يكن فقط عدد الطعنات، بل سياق الجريمة نفسها، حيث قتل الأطفال أمام بعضهم البعض داخل غرفة مغلقة، فيما أظهرت آثار على جسد الابن الأكبر محاولته الدفاع عن نفسه.
في هذا النوع من الجرائم، لا يمكن التعامل معها كحوادث فردية معزولة، بل كاختلال عميق في منظومة الحماية، حين يدفع الأطفال إلى قلب النزاع ويُستخدمون كوسيلة ضغط وانتقام، هنا تتراجع الأبوة أمام الرغبة في الإيذاء، ويتحول الفعل إلى سلوك مقصود يحمل في طياته سبق الإصرار، لا مجرد لحظة غضب. الأخطر أن هذا العنف لا يكتفي بوقوعه، بل يوثق ويرسل، ما يضاعف الأثر ويكشف تحول الجريمة إلى رسالة، تتجاوز الضحية لتصيب كل من حولها.
الجريمة لم تتوقف عند القتل، إذ قام الأب بتصوير ما حدث وأرسل المقطع لوالدتهم، في خطوة تؤكد أن الفعل كان محملا بدافع انتقامي واضح. التحقيقات أشارت إلى أن الخلافات بين الطرفين، خاصة المرتبطة بالنفقة، كانت الدافع الرئيسي، مع تأكيد رسمي بعدم وجود تأثير للمواد المخدرة.
الأطفال في قلب النزاع
هذه الواقعة ليست معزولة، بل تأتي ضمن نمط مقلق من الجرائم التي ترتكب ضد الأطفال بدوافع كيدية. في إحدى القضايا، أقدم أب على إلقاء طفليه في سيل الزرقاء ما أدى إلى وفاتهما، وفي قضية أخرى خنق أب طفلته ثم صورها وأرسل الصور لوالدتها. القاسم المشترك في هذه الجرائم هو استخدام الأطفال كوسيلة للانتقام، مع توثيق الفعل وإرساله.
أشارت جمعية معهد تضامن النساء الأردني إلى أن جرائم القتل الأسرية في الأردن ما تزال تشكل مؤشرا خطيرا على تصاعد العنف داخل نطاق الأسرة، حيث سجلت خلال العام الماضي 25 جريمة أسفرت عن 32 ضحية بين وفاة وإصابات خطرة، في تطور يعكس ارتفاعا في حدة هذه الجرائم رغم تراجع بعض المؤشرات الجنائية العامة.
وأكدت الجمعية أن هذا النمط من العنف يفرض ضرورة تعزيز آليات الحماية والتدخل المبكر في النزاعات الأسرية، خاصة تلك التي تتسم بالتصعيد، محذرة من أن استمرار غياب التدخل الفاعل يترك المجال لتحول الخلافات العائلية إلى جرائم دامية تمس الأطفال والنساء بشكل مباشر.
إحصائيا، قد يبدو المشهد أقل حدة عند النظر للأرقام العامة فقد سجل الأردن في عام 2025 انخفاضا في إجمالي الجرائم بنسبة 4.01%، مع تراجع جرائم القتل العمد بنسبة 21.15%. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة طبيعة الجرائم الأسرية، التي تبقى ذات أثر مضاعف.
ووفق بيانات رصد محلي، سجلت 25 جريمة قتل أسرية خلال عام واحد، أسفرت عن 32 ضحية، ما يشير إلى أن الجريمة الواحدة قد تحصد أكثر من حياة، وغالبا داخل نفس الأسرة.
هذا التناقض بين انخفاض الأرقام وارتفاع القسوة يطرح سؤالا حول كيفية قراءة المؤشرات، فالعنف الأسري لا يقاس فقط بعدده، بل بطبيعته، وبكونه يحدث في مساحة يفترض أنها الأكثر أمانا، كما أن بعض هذه الجرائم يرتبط بتصعيد تدريجي في الخلافات، دون تدخل فعّال في مراحل مبكرة كان يمكن أن يمنع الوصول إلى هذه النهايات.
العراق وسوريا .. بوجوه مختلفة
ولا يختلف المشهد كثيرا عند الانتقال إلى العراق، حيث سجلت خلال السنوات الأخيرة حوادث عنف أسري شديدة القسوة، بعضها ارتبط أيضا بخلافات بين الزوجين أو بعد الطلاق، واستخدم فيها الأطفال كوسيلة ضغط وانتقام. في عدد من الحالات التي أثارت الرأي العام، وثق آباء أو أقارب اعتداءات على أطفال أو هددوا بإيذائهم في سياق نزاعات أسرية، ما يعكس نمطا متشابها في الدوافع حتى مع اختلاف السياق القانوني، هذه الوقائع دفعت منظمات محلية إلى التحذير من تصاعد العنف داخل الأسرة، والمطالبة بتشديد آليات الحماية والتدخل المبكر.
في سوريا، يتكرر المشهد بطريقة مختلفة، لكن بذات الجوهر مقطع متداول من مدينة الحسكة أظهر أباً يعنّف طفلته، وسط اتهامات بأنه أرسل الفيديو لوالدتها في سياق خلافات بينهما. ورغم أن الحادثة لم تصل إلى حد القتل، إلا أنها أثارت تفاعلاً واسعاً، مع مطالبات بحماية الطفلة والتدخل الفوري. اللافت هنا أن العنف أيضاً كان موثقاً وموجهاً، ما يعكس تشابهاً في السلوك، حتى مع اختلاف السياقات القانونية والاجتماعية.
التفاعل الشعبي مع هذه القضايا كان كبيرا في الدول الثلاث، حيث تحولت إلى قضايا رأي عام خلال وقت قصير، آلاف التعليقات والمشاركات عبرت عن الغضب والصدمة، مع مطالبات بمحاسبة الجناة وتشديد العقوبات، إلى جانب الدعوة لتعزيز حماية الأطفال في النزاعات الأسرية.
في المقابل، تكشف هذه الحوادث عن فجوة واضحة في أنظمة الحماية، إذ جاءت معظم الجرائم بعد فترات من الخلافات والتوترات دون تدخل فعال، كما أن توثيق العنف وإرساله يضيف بعدا نفسيا خطيرا، لا يقتصر على الضحية بل يمتد إلى الطرف المتلقي.
