«كل ما وصلت إليه كان حلمًا… لكن مساحة الانتشار التي حققتها الأغنية أدهشتني»
في لقاء صريح، تحدث الملحن والمغني العراقي المعروف نصرت البدر عن رحلته الفنية، وأسرار نجاح أعماله، والثمن الذي دفعه صحيًا، وصولًا إلى مشروعه الأهم اليوم: توثيق المحتوى الفني والفكري العراقي والدفاع عن حقوقه وانتشاره.
كما تحدث عن حياته العائلية، مشيرًا إلى أن زوجته علوية من عائلة الطلقاني، وأن لديه ثلاثة أبناء: ولدًا يبلغ من العمر 16 عامًا، وابنة تبلغ 14 عامًا، وابنة صغيرة تبلغ 6 سنوات.
«كنت أتدخل في كل تفاصيل الأغنية… والذاكرة الموسيقية سر النجاح»
يقول نصرت البدر إن ما وصل إليه بدأ كحلم، لكن التوفيق كان حاضرًا في قدرته على التدخل في مختلف تفاصيل العمل الفني، من اللحن والتوزيع إلى اختيار الصوت المناسب للأغنية. ويعزو جانبًا مهمًا من نجاحه إلى ما يسميه «الذاكرة الموسيقية»، وقدرته على ربطها بالحدث واللحظة، واختيار التوزيع والصوت والكلمات بما يتناسب مع توقيت طرح الأغنية.
ويضيف أن حساباته الفنية كانت دقيقة، وكان على يقين من نجاح كثير من أعماله، لكنه لم يكن يتوقع دائمًا ذلك الكم الهائل من الانتشار: «لم أكن أحسب حسابًا لكل أغنية تطلع أن يكون لها هذا الكم من الانتشار الواسع، رغم يقيني بنجاحها، أما مساحة الانتشار فهذا ما يدهشني حقًا».

ما الثمن الذي دفعه نصرت البدر؟
وراء النجاح والانتشار، كانت هناك محطة صحية قاسية. يكشف البدر أنه تعرض لوعكة صحية شديدة، انتهت بإجراء عملية استئصال كيس دهني تحت الكبد، معربًا عن حمده لله وأمله في التماثل الكامل للشفاء. لكن تجربة المرض لم تمر عليه كمرحلة صحية عابرة، بل تركت أثرًا واضحًا في رؤيته لحياته وعمله.
«المرض منحني فرصة للخلوة وإعادة التوازن» حسبما يقول البدر، ويضيف: إن فترة الانقطاع والخلوة التي فرضها المرض جعلته يعيد النظر في أولوياته، ويحاول الوصول إلى قدر أكبر من التوازن.
ومن هذه المرحلة خرج بمشروعين أساسيين يرى أنهما يتجاوزان حدود تجربته الفنية الشخصية. الأول، مشروع توثيق المحتوى العراقي، وهو مشروع كبير يحتاج إلى جهد وتنسيق وعمل جماعي، بالتعاون مع شقيقه رأفت وفريق شركة البدر للإنتاج الفني، إلى جانب التواصل مع الجهات العراقية المختصة، ومنها وزارة الثقافة وهيئة الإعلام والاتصالات.
أما المشروع الثاني، فيتعلق بإنتاج أعمال موسيقية جديدة، حيث يعمل، بحسب حديثه، على إعداد ثماني أغنيات عراقية بمشاركة عدد من كبار الكتاب والملحنين والموزعين والمغنين العراقيين والعرب، استعدادًا لشهر رمضان بعد المقبل، متعهدًا جمهوره بأن تكون هذه الأعمال بمستوى يليق بالأغنية العراقية، وأن تصل إلى العالمية بإذن الله.
ومن بين الأسماء المشاركة في هذا المشروع، بحسب ما أشار إليه، عدد من الفنانين والكتاب والملحنين والموزعين، على أن يتم الإعلان عن بقية الأسماء تباعًا مع اكتمال مراحل العمل والتحضير.
من بليغ حمدي والنقشبندي إلى «الفن الذي يعيد الإنسان إلى الله»
تأثير تجربة بليغ حمدي مع النقشبندي حاضر في رؤية نصرت البدر الفنية، فهو يرى أن النجاح لا ينبغي أن يبقى محصورًا في مساحة واحدة. ويقول إن لا ضير في أن يكون للفنان حضور وتأثير في مجالات متعددة، لكن الأهم، بالنسبة إليه، أن لا يقتصر التأثير الفني على إثارة العواطف والمشاعر الخاصة، وإنما يمكن أن يكون وسيلة للدعوة إلى الرجوع إلى الله.
«في الأول والأخير نحن بشر ونحتاج إلى التوازن»، يقول البدر، مشيرًا إلى وجود تقصير في هذا الجانب، وإلى أن الإنسان بحاجة إلى مراجعة مستمرة لذاته وأهدافه.

«العراق ليس أقل من مصر أو تركيا… الفرق في التوثيق»
العمل على مشروع التوثيق يكشف عن طموح أكبر بكثير من مجرد أرشفة الأغاني. يقول نصرت البدر إنه يعمل على استقطاب شركات الإنتاج السينمائي والدرامي في العالم إلى العراق، انطلاقًا من قناعة بأن العراق يمتلك موسيقى وقصصًا ومحتوى فكريًا وثقافيًا قادرًا على صناعة أعمال فنية كبرى.
ويرى أن التعاون مع شركات الإنتاج العالمية يمكن أن يساهم في إعادة تقديم التاريخ والمحتوى الفكري العراقي بصورة تليق به، مشيرًا إلى وجود تعاون مع هيئة السياحة والآثار، إضافة إلى مشروع تعاون مع وزارة الثقافة يأمل أن يكتمل.
ويختصر رؤيته بعبارة لافتة: «المحتوى الفكري العراقي ليس أقل شأنًا من المحتوى المصري أو التركي، والفرق في التوثيق الصحيح».
توثيق المحتوى الرقمي العراقي… من الشهادة إلى الاعتراف الدولي
لا يقتصر مشروع البدر على حفظ الأغاني في أرشيف محلي، بل يتجه، بحسب حديثه، إلى بناء منظومة متكاملة لتوثيق المحتوى الرقمي العراقي وإعادة تنظيم حقوقه.
ويشمل المشروع، كما يوضح، إعادة إصدار شهادة منشأ للمحتوى الفني، وترقيم الأعمال وتسجيلها لدى المنظمات الدولية المعنية بالحقوق الفكرية، إلى جانب توحيد أرقام وزارة الثقافة العراقية مع الأرقام المعتمدة لدى المنظمات الدولية الخاصة بالملحنين والكتاب والمغنين العراقيين.
ويشير البدر إلى وجود مشكلة تتمثل في اختلاف الأرقام المسجلة لدى بعض المنظمات الدولية عن الأرقام التي تمنحها وزارة الثقافة العراقية، الأمر الذي يؤدي إلى إرباك في إثبات الملكية ويضعف قدرة أصحاب الحقوق على المطالبة بها دوليًا.
ويؤكد أن الهدف هو توثيق المحتوى العراقي منذ عام 1960، وربط كل عمل بصاحبه ومؤلفه وملحنه ومؤديه والجهة المالكة لحقوقه، بما يضمن حماية الأعمال من الضياع أو الاستغلال أو النسب الخاطئ.

«لدينا كل عوامل النجاح… لكن أين الأرشيف العراقي؟»
بحسب البدر، تمتلك شركة البدر والريماس نسبة كبيرة جدًا من المحتوى الغنائي العراقي بعقود قانونية موثقة، كما توجد لديها علاقات تعاون مع عدد من النوادي والفنادق، بهدف تنظيم عملية حفظ وتوثيق المحتوى الفكري والفني.
ويعتقد أن التعاون الكامل بين القطاع الفني والجهات الحكومية المختصة يمكن أن يؤدي، خلال فترة زمنية معقولة، إلى توثيق جانب كبير من المحتوى العراقي الذي يقول إنه تعرض للسرقة أو الاستغلال خارج العراق.
وهنا ينتقل البدر من الحديث عن الفن إلى سؤال ثقافي وسيادي أكبر: أين الأرشيف العراقي الكبير؟ وهل جرى التعتيم على الأغنية العراقية؟
يتحدث البدر عن امتلاك جهات وشركات عربية حقوق عدد من الأغاني العراقية لفنانين من الأجيال السابقة والمخضرمة، ويرى أن ذلك أثر في انتشار جانب مهم من المحتوى العراقي القديم. ويطرح تساؤلًا حساسًا: «هل هي محاولة للتعتيم على أصالة العراق وتاريخه العميق، حتى من ناحية الأغاني؟».
لكنه يربط القضية، في رؤيته، بمسألة أوسع تتداخل فيها السياسة مع الثقافة، خصوصًا عندما يتم تجاهل أغنيات وفنانين عراقيين وتبقى أجزاء كبيرة من أرشيفهم خارج التداول الطبيعي.
«أغانينا إرث… وليست مجرد محتوى»
يضرب البدر مثالًا بشركة النظائر في الكويت، التي يقول إنها تمتلك حقوقًا فكرية لأعمال عدد من أعلام الغناء العراقي، من بينهم سعدون جابر ورضا الخياط وفاضل عواد. ويرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالملكية، وإنما بانعكاس هذه الحقوق على قدرة الفنانين أنفسهم على إعادة نشر أعمالهم عبر المنصات الرقمية الحديثة.
ويشير إلى حالة الفنان رضا الخياط، معتبرًا أنه لا يستطيع، وفق وصفه، إنشاء صفحات على فيسبوك أو تيك توك أو يوتيوب لنشر محتواه القديم بحرية بسبب حقوق الملكية. ويضيف أن العقود التي أُبرمت في فترات سابقة كانت، بحسب وصفه، عقودًا ميكانيكية وليست رقمية، وأن استمرار التعامل معها بوصفها حقوقًا رقمية يخلق، من وجهة نظره، حالة من الاحتكار.
نصرت البدر وحسام الرسام: «لدينا تعاون في أكثر من 23 أغنية»
وعن سؤاله بشأن ما أُثير حول وجود خلافات بينه وبين الفنان حسام الرسام، أوضح نصرت البدر أن العلاقة الفنية بينهما تمتد إلى تعاون في أكثر من 23 أغنية. وقال إن ما حدث بدأ، بحسب روايته، نتيجة تدخل إدارة أعمال حسام الرسام، التي نقلت صورة غير صحيحة عنه، قبل أن يبدأ حسام، مع مرور الوقت، باكتشاف ما وصفه البدر بأنه خداع من جانب الإدارة.
وأشار إلى أن إدارة الأعمال تتحمل مسؤولية عدم تثبيت أسماء جميع المشاركين في الأغاني المشتركة، خصوصًا أسماء الكتاب والملحنين والموزعين، مؤكدًا أن حفظ حقوق المشاركين وذكر أسمائهم يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي عمل فني.

«عتبي ليس على التعاون… بل على حقوق كبار الفنانين»
رغم حديثه عن المشكلة، يؤكد البدر أن عتبه على حسام الرسام لا يتعلق فقط بالأغاني المشتركة أو بطريقة إدارة العمل، بل يمتد إلى موقفه من حقوق عدد من كبار الفنانين العراقيين. ويقول إن حسام غنّى عددًا من أعمال فنانين كبار، من بينهم أمل خضير، وفاضل عواد، وسعدون جابر، ورضا الخياط، من دون أن يضمن، بحسب رأيه، حقوقهم أو يحصل على موافقات واضحة منهم.
ويضيف أن الأمر لم يتوقف عند الجانب المادي أو القانوني، بل كان من الممكن، على الأقل، التواصل مع هؤلاء الفنانين والاطمئنان إلى مشاعرهم وأخذ خواطرهم، خصوصًا أنه استخدم أغنياتهم من دون أن تعود عليهم، بحسب ما يراه البدر، فائدة واضحة أو موافقات مباشرة.
ويؤكد أن احترام الفنانين أصحاب الأعمال لا يقتصر على ذكر أسمائهم، بل يشمل حفظ حقوقهم الأدبية والمادية، والتواصل معهم قبل إعادة تقديم أعمالهم أو استخدامها في مشاريع جديدة.
«إعادة الحقوق الفكرية دعم مالي للفنانين وذويهم»
يرى البدر أن إعادة الحقوق الفكرية إلى أصحابها لا تمثل انتصارًا معنويًا فقط، بل يمكن أن تتحول إلى دعم مالي حقيقي للفنانين الكبار وذويهم. فالعوائد الناتجة عن إعادة نشر الأعمال واستثمارها عبر المنصات الرقمية، إذا جرى تنظيمها بصورة قانونية، يمكن أن تساعد الفنانين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الأغنية العراقية، كما يمكن أن توفر دعمًا لعائلات الفنانين الراحلين.
ويؤكد أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى خلافات شخصية، بل يجب أن تُفهم باعتبارها مسؤولية جماعية تجاه تاريخ فني كامل.

«نحتاج أن ندافع عن إرثنا الحضاري»
في نهاية حديثه، يرفع نصرت البدر القضية من مستوى حقوق الفنان إلى مستوى الهوية الوطنية. فالأغنية العراقية، بالنسبة إليه، ليست مجرد تسجيل صوتي أو منتج تجاري، وإنما جزء من الذاكرة الثقافية للعراق، تمامًا كما أن الشعر والمسرح والآثار وبقية أشكال التعبير الثقافي تمثل هوية البلد.
ويؤكد أن الفنانين العراقيين مطالبون بأن يكونوا أكثر مسؤولية في الدفاع عن تراثهم، لأن فقدان الأرشيف أو احتكاره أو منعه من الوصول إلى الجمهور يعني خسارة جزء من الذاكرة العراقية: «نحتاج إلى الاهتمام بهذا الموضوع، واعتبار أغانينا إرثًا، كما كل محتوانا الفكري الذي يمثل الهوية العراقية وأصالتها».
من الأغنية إلى الذاكرة
ربما يكون التحول الأبرز في تجربة نصرت البدر اليوم أن اهتمامه لم يعد محصورًا في صناعة أغنية ناجحة. فبعد سنوات من العمل والانتشار، ثم تجربة صحية دفعته إلى التوقف والتأمل، يبدو أن البدر يريد الانتقال من صناعة المحتوى إلى حماية المحتوى، ومن نجاح الأغنية إلى الحفاظ على الذاكرة التي صنعتها أجيال من الفنانين العراقيين.
مشروعه الجديد، إذا اكتمل بالتعاون بين الفنانين والجهات الحكومية والشركات المتخصصة، لا يتعلق فقط بالماضي؛ بل بمحاولة إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي في صناعة المحتوى العربي، عبر تحويل تاريخه وموسيقاه وقصصه إلى مادة قابلة للتوثيق والإنتاج السينمائي والدرامي والوصول إلى العالم.
ختامًا، لا ينحصر السؤال في: من يملك الأغنية؟، بل: من يملك حق رواية ذاكرة العراق؟.
