على مدى أكثر من 13 عامًا، استضاف الأردن مئات آلاف اللاجئين السوريين الذين فروا من بلادهم منذ عام 2011، وبلغ عدد المسجلين منهم لدى المفوضية نحو 611 ألفًا بنهاية عام 2024.
وبعد سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر (كانون الأول) 2024، اتجهت الجهود نحو تسهيل العودة الطوعية، من خلال إجراءات حكومية وبرامج للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شملت المساعدة في النقل والدعم النقدي وتوفير المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار العودة.
لكن بعد نحو عامين، تتباين خيارات اللاجئين وظروفهم، فبين من عادوا إلى سوريا، ومن يتنقلون بين البلدين، ومن يواصلون الإقامة في الأردن بانتظار تحسن ظروف السكن والمعيشة والخدمات في مناطقهم، تبقى إمكانية الاستقرار في سوريا مرتبطة بقدرة العائدين على استعادة مقومات الحياة الأساسية، فيما يواصل آخرون تأجيل العودة إلى حين توافر ظروف أكثر ملاءمة.
عودة مؤجلة
بعد سنوات من اللجوء إلى الأردن، وسقوط النظام السوري السابق، وعودة أقارب له إلى سوريا، بدأ عبد الرحمن سعود يفكر في العودة إلى بلدته خربة غزالة في محافظة درعا، التي غادرها عام 2014.
ويقيم عبد الرحمن، البالغ من العمر 60 عامًا، في منطقة الوسطية بمحافظة إربد مع أسرته المكونة من عشرة أفراد، لكن عودته لا تزال مرتبطة باستكمال ترميم منزلهم وتجهيزه للسكن.
فيقول سعود لـ”عابر” إن أعمال ترميم المنزل بدأت، لكنها لم تكتمل، ولا تزال التجهيزات الداخلية تحول دون انتقال الأسرة إليه. وإلى جانب السكن، يقلقه ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضروات، وصعوبة تأمين دخل ثابت يكفي احتياجات أسرته، فضلًا عن مشكلات الخدمات في منطقته، بما فيها سوء الطرق، وضعف خدمات جمع النفايات، وتأخر إصلاح مدرسة قريبة من منزله تمهيدًا لإعادة تسجيل أبنائه.
بينما يواصل أبناؤه تعليمهم في الأردن، فيعتبر أن الأمان والاستقرار التعليمي هما من أبرز ما توفره الحياة للأسرة هنا، معبرًا عن امتنانه للأردن لاستضافتهم طوال سنوات اللجوء، لكنه لا يزال يرغب في العودة إلى وطنه سوريا، شريطة أن يتمكن من تأمين متطلبات الحياة الأساسية لأسرته.
ولا يستبعد سعود العودة إلى الأردن إذا لم تتمكن الأسرة من الاستقرار في سوريا، إذ يرتبط قراره بقدرته على إعادة خلق بيئة مستقرة لأسرته وتوفير السكن والدخل والخدمات التي تحتاج إليها أسرته لمواصلة حياتها كما السابق.
بين الزيارة والعودة
وعلى خلاف سعود، الذي لم يتمكن بعد من استكمال تجهيز منزله للعودة، تتخذ تجربة السورية مها عوض مسار آخر، إذ تزور بلدتها في درعا، ثم تعود إلى الأردن حيث تقيم منذ عام 2013 مع أبنائها الستة، الذين اعتادوا على حياتهم ودراستهم هناك.
وتقول الأربعينية عوض، لـ”عابر”: إنها تزور سوريا برفقة أبنائها، وتمكث في منزلها أسبوعًا أو عشرة أيام، قبل أن تعود إلى الأردن، مستعيدة لحظة لقائها بأمها بعد سنوات من الغياب،”لما مسكت أمي وسلمت عليها، ضلينا ربع ساعة نبكي أنا وياها”.
وتصف فرحتها بالعثور على منزلها في درعا قائمًا، بعدما خشيت أن يكون قد دمر خلال الحرب، لكنها وجدته خاليًا من الأثاث والمقتنيات التي تركتها خلفها، بعدما تعرض للسرقة.
ورغم فرحتها بعودتها لمنزلها وإمكانية زيارة أهلها، لا تفكر عوض حاليًا في الانتقال النهائي إلى سوريا، إذ يواصل أبناؤها تعليمهم في الأردن، فيما تشكل تكاليف المعيشة والدراسة الجامعية في سوريا مصدر قلق لها، وتقول إن الجامعات هناك أكثر كلفة مما هي عليه في الأردن.
وعن سهولة إجراءات الذهاب والعودة، فتوضح عوض أن تسجيل شقتها في الأردن باسمها أتاح لها التنقل بين البلدين مع أبنائها، إذ تعتمد على ملكيتها للمنزل في إجراءات عبور الحدود والعودة إلى المملكة، فيما تحتاج عائلات أخرى إلى استخراج أوراق من السفارة السورية في عمان تتيح لها زيارة سوريا والعودة إلى الأردن، مؤكدة أنها لا تريد التخلي عن شقتها، حتى إن قررت الاستقرار في سوريا مستقبلًا، بل ترغب في الاحتفاظ بها لتتمكن من العودة إلى الأردن مع أبنائها متى احتاجوا إلى ذلك.
أعداد العائدين وبرامج الدعم
بحسب الناطق الإعلامي باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن يوسف طه، عاد نحو 190 ألف لاجئ إلى سوريا حتى 6 مايو (أيار) 2026، فيما لا يزال نحو 388 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى المفوضية في الأردن.
ويوضح طه أن المفوضية أطلقت في سبتمبر (أيلول) 2025 مرحلة تجريبية ضمن برنامج العودة الطوعية للاجئين السوريين في مخيمي الزعتري والأزرق، تقدم بموجبها مساعدة نقدية بقيمة 70 دينارًا أردنيًا للفرد، تعادل نحو 100 دولار. وقد استفاد من البرنامج نحو 10 آلاف لاجئ من المخيمين حتى وقت إجراء المقابلة.
وفي أبريل (نيسان) 2026، أضافت المفوضية برنامجًا تجريبيًا لدعم الأسر الأكثر هشاشة، تصل المساعدة الإضافية بموجبه إلى 210 دينار أردني للأسرة ( 300 دولار)، استجابة لطلبات لاجئين أفادوا بأن الدعم السابق لا يكفي لتغطية تكاليف العودة الفعلية، بما فيها النقل وسداد الديون وشراء المستلزمات الأساسية.
ويشمل الدعم الإضافي الأسر التي تضم أشخاصًا ذوي إعاقة، أو حالات طبية حرجة، أو أطفالًا ذوي احتياجات خاصة، إلى جانب الأسر التي تعيلها أم، والأسر الكبيرة التي تضم ثمانية أفراد فأكثر. ويؤكد طه أن المساعدات النقدية تقتصر حاليًا على اللاجئين في مخيمي الزعتري والأزرق، وأن المبلغ المقدم لا يغطي جميع تكاليف العودة.
ويشدد طه على أن المفوضية لا تروج للعودة الجماعية، وإنما تدعم قرارات العودة الفردية الطوعية والمستنيرة، موضحًا أن البرنامج الإضافي جاء استجابةً لطلبات اللاجئين أنفسهم، وليس مبادرةً من المفوضية لدفعهم إلى مغادرة الأردن.
إجراءات العودة.. بين الطلب والتنسيق
ومن الجانب الحكومي، أوضح مكتب وزارة الداخلية الأردنية في تصريح أن إجراءات العودة الطوعية تبدأ بتقديم اللاجئ طلبًا للعودة، على أن تنسق عملية العودة الفعلية مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بما يضمن أن يكون القرار طوعيًا ويصبّ في مصلحة اللاجئ.
وبحسب البيانات الحكومية الأردنية الواردة في المداخلة، عاد أكثر من 238 ألف سوري إلى بلادهم منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.
ولا تنتهي مسؤولية الأردن تجاه اللاجئين مع عودة جزء منهم إلى سوريا؛ فمع استمرار إقامة مئات الآلاف في المملكة، تظل قدرتهم على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والخدمات الأساسية جزءًا من واقع اللجوء، في وقت تواجه فيه الجهات المعنية تحديات تمويلية تؤثر في البرامج المقدمة لهم. وبين العائدين والمقيمين، يبقى التعامل مع هذا الملف مرتبطًا بظروف كل فئة واحتياجاتها، لا بالأعداد وحدها.
