الموقوفات إداريًا في الأردن.. كيف تحول طلب الحماية إلى احتجاز وتقييد للحرية؟

عابر- الأردن
إسراء الأعرج
“أنا ما بدي أختي تصير مثل أحلام، وإسراء، وغيرهن” بهذه الكلمات، ظهرت الشابة الأردنية والمقيمة في احدى الدول الأوروبية شيماء هديب أبو سمرة في مقطع مصور نشرته عبر حسابها على “إنستغرام”، تناشد لإنقاذ شقيقتها وفاء، والتي كانت تخشى أن تلقى شقيقتها المصير ذاته الذي واجهته نساء أخريات قُتلن بعد تعرضهن لتهديدات من أسرهن.
بدأت القصة في الثاني من تموز (يوليو)، حين نشرت شيماء صورة تشير إلى تعرض شقيقتها وفاء لاعتداء وضرب عنيف من أفراد في عائلتها، إلى جانب تهديدات بالقتل و”إهدار دمها”. وناشدت العائلة الملكية الأردنية، ومديرية الأمن العام، للتدخل العاجل لتوفير الحماية لها، مؤكدة أنها تعيش في خوف دائم: “أوجه دعوتي لكل من له ضمير في العالم؛ أنقذوا أختي قبل أن تصبح جثة هامدة”.
وبعد أيام أكدت أبو سمرة أن السلطات استجابت للنداء، إلا أن الاستجابة جاءت باحتجاز شقيقتها من قبل حماية الأسرة بموجب التوقيف الإداري الحمائي، بدلًا من اتخاذ إجراءات بحق الأشخاص الذين قالت إنهم يهددون حياتها، وتقول إن هذا الإجراء حرم شقيقتها من حريتها في التنقل والعمل والسفر، رغم أنها ليست متهمة بارتكاب أي جريمة.
ومع تصاعد التفاعل مع القضية، تحولت قصة وفاء إلى واحدة من أبرز القضايا التي أعادت فتح النقاش حول التوقيف الإداري الحمائي في الأردن، وهو إجراء يُستخدم لحماية الأشخاص المهددين بالخطر، فيما يرى حقوقيون أنه قد ينتهي بتقييد حرية الضحية بدلًا من محاسبة مصدر التهديد.
حماية أم تقييد للحرية؟
ويستخدم التوقيف الإداري الحمائي في بعض الحالات التي ترى فيها السلطات أن شخصًا يواجه خطرًا على حياته، ويستند إلى الصلاحيات الممنوحة للحاكم الإداري بموجب قانون منع الجرائم الأردني رقم (7) لسنة 1954. ورغم أن القانون لا يتضمن نصًا صريحًا يجيز توقيف النساء لحمايتهن، فإن هذه الصلاحيات استخدمت على مدى سنوات لتوقيف بعض النساء المهددات بالخطر، وهو ما أثار جدلًا حقوقيًا حول مدى توافق هذا الإجراء مع الحق في الحرية.
وفي سياق التوضيح، تقول المحامية الدكتورة غدير دراغمة في حديثها لـ”عابر”، إن التوقيف الإداري الحمائي هو إجراء تتخذه السلطة الإدارية عندما ترى أن شخصًا يواجه خطرًا على حياته، موضحة أن هذا الإجراء يستند إلى قانون منع الجرائم الذي منح الحاكم الإداري صلاحيات وقائية.
وتؤكد على أن القانون لم يُصمم أساسًا لحماية ضحايا العنف، وإنما للمحافظة على الأمن العام، لذلك يبقى تطبيقه في هذه الحالات محل نقاش قانوني.
وتبين أن اللجوء إلى توقيف المرأة إداريًا يحدث عندما ترى الجهات المختصة أن الخطر عليها وشيك ولا توجد وسيلة حماية فورية، إلا أنها تؤكد أن وجود شخص يهدد حياة امرأة يستدعي اتخاذ إجراءات بحقه إذا كان فعله يشكل جريمة: “منطق العدالة يقول إن من يُقيَّد هو مصدر الخطر، لا الضحية، إذ أن القانون يتيح ملاحقة المعتدي واتخاذ إجراءات بحقه، إلى جانب إمكانية إصدار أوامر حماية تمنعه من التعرض للضحية”، بحسب دراغمة.
وترى أن التوقيف الإداري، رغم أن الهدف منه قد يكون الحماية، يبقى في النهاية تقييدًا لحرية شخص لم يرتكب مخالفة، لذلك يجب أن يبقى إجراءً استثنائيًا وليس الحل الأول، مؤكدة أن المرأة البالغة الراشدة كاملة الأهلية، لا يملك أهلها ولاية قانونية على حريتها أو مكان إقامتها، إذا كانت الأسرة مصدر الخطر، فلا يكون من المنطقي أو القانوني إعادة المرأة إليها دون ضمانات تحميها.
فجوة في بيانات الموقوفات
يكشف حجم اللجوء إلى التوقيف الإداري في الأردن عن استمرار استخدام هذا الإجراء؛ إذ بلغ عدد الموقوفين إداريًا، من الذكور والإناث، خلال عام 2024 (20.437) شخصًا، وفق التقرير السنوي للمركز الوطني لحقوق الإنسان لعام 2024.
إلا أن البيانات التفصيلية الخاصة بالنساء الموقوفات إداريًا لا تزال محدودة؛ إذ تعود آخر إحصائية رسمية منشورة لإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل إلى عام 2020، حين بلغ عدد الموقوفات إداريًا من الإناث 1.347 امرأة، فيما بلغ عدد المفرج عنهن خلال العام ذاته 1.304 نساء.
وتشمل هذه الأرقام حالات متعددة لا تقتصر على النساء المهددات بالعنف كالمتغيبات عن منازل ذويهن، أو المتهمات في قضايا الزنا، فيما لا تتوفر بيانات حديثة منشورة توضح أعداد النساء اللواتي جرى توقيفهن إداريًا بهدف الحماية، أو مدد بقائهن، أو مسارات التعامل مع حالاتهن.
وفي ملف النساء المعرضات للخطر تحديدًا، أشارت إدارة حماية الأسرة في وقت سابق إلى حجم القضايا التي تعاملت معها، إذ قال مدير الإدارة الأسبق العقيد فخري القطارنة إن عدد ضحايا قضايا العنف ضد النساء خلال الفترة من عام 2013 وحتى عام 2018 بلغ 17.426 ضحية، منهن 13.578 بالغة و3.348 دون سن 18 عامًا، فيما بلغت الحالات والقضايا التي تعاملت معها الإدارة منذ بداية عام 2019 وحتى 30 حزيران من العام ذاته 7.288 حالة.

التوقيف كخيار أخير
حقوقيًا، تقول إنعام العشا، المديرة التنفيذية لمعهد تضامن النساء الأردني، وهي جمعية نسوية حقوقية تُعنى بمناهضة التمييز والعنف ضد النساء والفتيات لـ”عابر”: إن التوقيف الإداري للنساء المهددات بالعنف يجب أن يبقى الخيار الأخير، مؤكدة أن الأصل هو اللجوء إلى القضاء وتفعيل أدوات الحماية القانونية.
وتوضح أن بعض حالات التوقيف الإداري تأتي عندما تتعرض نساء لتهديدات من أفراد في عائلاتهن، سواء بسبب خلافات مرتبطة بسلوك اجتماعي أو ثقافي، أو نتيجة رفض الأسرة لبعض الخيارات التي تقوم بها المرأة، ما قد يتطور في بعض الحالات إلى عنف يهدد حياتها.
وفي الوقت نفسه، تشير العشا إلى أن اللجوء إلى التوقيف الإداري يحدث أحيانًا في ظل غياب دور إيواء متخصصة للحالات شديدة الخطورة، موضحة أن بعض أشكال العنف قد تصل إلى تهديد حياة المرأة، ما يدفع الجهات الرسمية إلى اعتبار مراكز الإصلاح والتأهيل مكانًا أكثر أمانًا في بعض الحالات.
لكنها تؤكد أن وجود النساء في مراكز الإصلاح والتأهيل خارج إطار القضاء ليس حلًا مقبولًا، مشددة على ضرورة توفير دور حماية متخصصة قادرة على التعامل مع الحالات عالية الخطورة، وتوفر برامج تدخل مع النساء وأسرهن والأشخاص الذين يشكلون مصدر تهديد.
وتشير العشا إلى أن بعض النساء قد يبقين موقوفات إداريًا لسنوات بسبب استمرار تهديد الأسرة أو رفضها استعادتهن، معتبرة أن بقاء المرأة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل لفترات طويلة “غير منطقي وغير إنساني وغير قانوني”.
دار “آمنة”… بديل عن التوقيف؟
في محاولة للحد من اللجوء إلى التوقيف الإداري للنساء، أُنشئت دار استضافة وتأهيل النساء “آمنة” التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، ولا تزال تعمل حتى اليوم.
وعنها قال مدير إدارة حماية الأسرة الأسبق العقيد فخري القطارنة إن الإدارة، منذ افتتاح دار “آمنة”، لم تلجأ إلى توقيف أي امرأة معرضة للخطر إداريًا، بل يتم تحويل الحالات إلى الدار.
من جانبها ترى إنعام العشا أن وجود دور الحماية يمثل خطوة مهمة، لكنها تؤكد الحاجة إلى تطوير هذه البدائل، وإنشاء أماكن متخصصة للحالات عالية الخطورة، تكون قادرة على توفير الحماية الأمنية، إلى جانب برامج التدخل والتأهيل للنساء وأسرهن.
وبعد أكثر من شهر على مناشدات شيماء هديب أبو سمرة لحماية شقيقتها وفاء، بقي السؤال الذي أعادته القضية إلى الواجهة قائمًا: كيف يمكن توفير الحماية للنساء المهددات بالعنف دون أن تتحول الحماية نفسها إلى تقييد لحريتهن؟
