اللحوم للرجال والأرز للنساء.. لماذا تنتشر أمراض سوء التغذية بين المصريات؟

عابر – مصر
إيناس كمال
في دراسة صدرت حديثًا عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بعنوان “العصر الذهبي للنساء.. حقوق المصريات بين الصورة والواقع منذ عام 2014″، حذرت من انخفاض الإنفاق العام على الصحة والتغذية، الأمر الذي أدى إلى زيادة مؤشرات الأنيميا بين جميع الفئات العمرية للفتيات والفتيان والنساء، بالمقارنة بين مؤشرات المسح الصحي الديموغرافي لعامي 2014 و2021.
وأضافت الدراسة أنه في عام 2014، بلغ معدل إصابة الفتيات بعمر 5-19 سنة في مصر (بأي شكل من أشكال الأنيميا) 20.9 في المئة من إجمالي الفتيات، ليقفز إلى 38.8 في المئة في تقرير عام 2021. وبينما كانت معدلات الأنيميا لدى النساء في الفئة العمرية 15-49 عامًا، ممن سبق لهن الزواج، تبلغ 25.2 في المئة في عام 2014، فإنها ارتفعت إلى 38 في المئة في عام 2021.
نأكل ما تبقى من الرجال
ابتهال إبراهيم، شابة قاهرية (نسبة إلى القاهرة)، تعود أصول عائلتها إلى مزيج من شمال وجنوب مصر؛ فوالدتها من الإسكندرية ووالدها نوبي. وعلى الرغم من إقامتهما في القاهرة، فإنهما احتفظا بعادات وتقاليد العائلة المصرية الجنوبية.
تقول ابتهال لـ”عابر”: “حينما كبرت وفهمت ما كان يحدث، كانت صدمتي كبيرة. فرغم أن أسرتي من الطبقة المتوسطة وليست فقيرة، كما أننا متعلمون، فإن جدتي، التي كانت طيبة ولطيفة، كانت مشبعة بالأفكار الذكورية. إذ في كل مناسبة عائلية كنا نضطر إلى تحضير الطعام أولًا للرجال، وتجهيز السفرة لهم، ثم تقديم الشاي والحلوى، ولا نأكل نحن النساء إلا بعد أن يفرغوا تمامّا من تناول الطعام”.
وكان جد ابتهال يُصر على أن يجلس الرجال في غرفة جيدة الإضاءة والتهوية، وفيها شاشة تلفاز، بينما كانت ابتهال ونساء الأسرة يتناولن الطعام في الصالة، حيث الحر وانعدام التهوية، ويجلسن بجوار باب المنزل في مكان يفتقر إلى الإضاءة الجيدة.
لا تدّعي ابتهال أن الأمر لم يكن يزعجها، بل كانت تشعر بالغيظ والضيق، قائلة: “كنت أنزعج من فكرة أننا نقوم بخدمتهم، ولا يوجد أحد منهم يجلب لنفسه كوبًا من الماء، أو حتى يساعد في تجهيز السفرة أو توزيع الأطباق أو حملها بعد أن يفرغوا من الطعام، ولا حتى في التنظيف. لكنني لم أكن أعلم سبب ضيقي وقتها، لأنني لم أجد أحدًا يعترض على ذلك غيري وشقيقتي، بينما كانت باقي نساء العائلة راضيات بذلك، أو ربما مستسلمات للأمر الواقع، ولا يعبرن عن رفضهن له”.
لكن ابتهال وشقيقتها، منذ صغرهما، كانتا تفرضان الأمر أحيانًا بالجلوس وسط رجال العائلة “الجد، والأب، والأخوال، والأعمام”، فكانتا غالبًا ما تتلقيان الرفض والامتعاض، مع نهرهما من الجميع ومطالبتهما بالجلوس مع النساء. وأحيانًا كانتا تنجحان في الجلوس معهم، لكن مع تقدمهما في العمر ازدادت الخلافات، إذ أصرتا على الجلوس معهم والمساواة بهم، وأن يشارك الرجال في أعمال التحضير والتنظيف. لم ينته الأمر، لكن ابتهال وشقيقتها توقفتا عن حضور هذه التجمعات.

أحيانًا لا يتبقى طعام
أما سميرة (اسم مستعار)، تروي لـ”عابر” تفاصيل موقف حدث مع عائلتها في وقت قريب، إذ “اجتمعت الأسرة، وتم تحضير طعام الإفطار الرمضاني لرجال العائلة أولًا، فظلوا يتناولون الطعام لأكثر من نصف ساعة، وبعد أن فرغوا تمامًا، تناولت النساء ما تبقى منهم متأخرات عن موعد الإفطار، وكانت معظم الأطباق قد فرغت قبل أن يجلسن لتناول الطعام” كما لم يتناولن الحلويات التي فُضّل الرجال في تناولها، لأنها لم تكن بكميات وفيرة. وتؤكد سميرة أن عائلتها تقيم في القاهرة، لكنها ذات أصول صعيدية، كما أن أفرادها متعلمون، وبعضهم يحمل شهادات عليا.
أما ندى (اسم مستعار)، فتتذكر مواقف عديدة لوالدها ذي الأصول الجنوبية. وأكثر تلك المواقف تأثيرًا فيها أنه كان، طوال شهر رمضان، يدعو الطلاب المغتربين في الكلية التي يعمل مدرسًا فيها إلى الإفطار، وكانت والدتها تمضي ساعات طويلة في إعداد كميات كبيرة جدًا من الطعام، فبالإضافة إلى الإرهاق والتعب، كانت أحيانًا لا تجد وقتًا لتناول الطعام ولا تجد الطعام نفسه بعد انتهاء الطلاب من إفطارهم.
وقد أثر هذا الأمر في والدتها كثيرًا، حتى تسبب لها في أزمة نفسية، جعلتها، بعد وفاة والدها، لا تقترب من المطبخ نهائيا إلا للضرورة القصوى، رغم أن ندى وأشقائها كانوا لا يزالون صغارًا، وفق ما ترويه لـ”عابر”.
من بواقي الأكل
أما سهام نصر، فتحكي أنها، منذ صغرها وحتى اليوم، تشهد الأمر نفسه مع عائلتها، التي تنتمي إلى إحدى قرى محافظة الغربية ذات الطبيعة الريفية. ففي إحدى المرات حضرت زفاف قريبتها، وكانت، وهي طفلة، تشعر بالجوع بعد يوم طويل وحار، وتنتظر الطعام بفارغ الصبر، لكن كان يقال لها دومًا: “عيب”، بينما كانت ترى الطعام والعصائر والمياه الباردة تُجهز وتوضع بعناية واهتمام لرجال العائلة.
لكن ما حدث أن سهام تناولت الطعام مع نساء العائلة بعد أن عادت إليهن صينية الطعام التي جهزنها للرجال، لكنها كانت -بحسب وصفها- “بواقي الأكل”. ولم تكن عمتها مقتدرة على تجهيز كميات كبيرة من الطعام، فتم تفضيل رجال العائلة أولًا، ثم أقارب العريس.
تقول سهام، متهكمة: “الحمد لله أنهم جلبوا لنا ملاعق وأكواب مياه نظيفة”، لكنها لم تأكل سوى ما يسد جوعها. وتتابع: أن ما حدث قبل سنوات لم يتوقف، بل إن العائلة أصبحت مؤخرًا تستعين بطباخ بدلًا من انغماس النساء في ساعات طويلة من الطهي في المناسبات، لكن لم يتغير نصيب النساء ولا ترتيبهن في تناول الطعام، فما زلن ينتظرن حتى ينتهي الرجال من الطعام ويشبعوا تمامًا، ثم يتناولن ما يتبقى.
ولا تريد سهام أن تخوض حروبًا مع عائلتها من أجل مخالفة تلك العادة، لذلك آثرت ألا تحضر هذه المناسبات بالكامل، وتمتنع خلالها عن تناول الطعام إلا إذا كانت مضطرة، وتكتفي بعدد قليل جدًا من اللقيمات.
أبعاد اجتماعية وثقافية
رغم أن هذه المواقف تحدث داخل عائلات ذات أصول قروية أو صعيدية في مصر، فإنها تعكس تفضيلًا للذكور على الإناث في استهلاك البروتين، مثل اللحوم والأسماك والدواجن والألبان، ما يضطر العديد من الفتيات إلى الاعتماد على أطعمة أخرى، مثل الخبز والأرز والنشويات، لملء بطونهن.
هذا الواقع يحملنا للتساؤل حول أسباب انتشار الأنيميا بين النساء والفتيات وغيابها على مستوى الرجال، ففي حين يُرجعه البعض إلى حالة الفقر والجوع وغياب القدرة المادية للأفراد، يجد كثر أنه يأتي كنتيجة للعادات الاجتماعيّة التي كرست فكرة التمييز الجندري على مستوى الغذاء.
ولا تعد هذه الشهادات حالات فردية، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن هذا النمط الغذائي ينعكس على مؤشرات الصحة العامة لدى النساء. فقد أسهم هذا النمط الغذائي في زيادة معدلات السمنة بين الفتيات نتيجة تناول النشويات وقلة تناول مصادر البروتين الحيوانية. ووفقا للمسح الصحي السكاني لمصر، الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2014، فإن ربع الفتيات في الفئة العمرية بين 5 إلى 19 عامًا (27 في المئة) يعانين من زيادة الوزن، فيما تعاني 10 في المئة منهن من السمنة.
وذكر المسح أن الفتيات أكثر عرضة للإصابة بالأنيميا مقارنة بالذكور في الفئة العمرية نفسها، بنسبة 21 في المئة مقابل 18 في المئة على الترتيب (ص 181)، وترتفع نسبة الأنيميا لدى الفتيات في ريف المحافظات القبلية لتصل إلى 30 في المئة.

ممارسات متوقعة
وفي سياق متصل، قالت الباحثة في النوع الاجتماعي ومؤسسة مبادرة “المرأة الريفية” التي تسعى لتمكين النساء الريفيات اقتصاديًا واجتماعيًا، لمياء لطفي، لـ”عابر”، إن هذه الأرقام متوقعة في ظل السياسات والممارسات المجتمعية الإقصائية بحق النساء، والضغوط التي يتعرضن لها في ما يتعلق بالتغذية.
وأشارت لطفي إلى أنه لا تزال هناك بعض الأسر في مصر تمنح الرجال الطعام الأفضل والأوفر، حتى وإن كانت تقيم في القاهرة، موضحة أن كثيرًا من المناطق الشعبية لا تزال تؤمن بهذه الأفكار، وأن معظم سكانها جاؤوا بثقافة الأرياف، ولم يغير هذا النمط إلا من تبنى أنماطًا اجتماعية أكثر انفتاحًا، إلى جانب أبناء الطبقة المتوسطة العليا والعاملين في الوظائف العليا، الذين اعتادوا تناول الطعام بشكل جماعي وعلى مائدة واحدة.
وأضافت أن بعض النساء يتبنين ثقافة الإيثار، وهي منظومة من القيم والمبادئ الاجتماعية التي تدفع الفرد لتفضيل مصلحة الآخرين على نفسه، حتّى في مسألة الطعام، وهذا ما يحصل فعلًا، خصوصًا وأنهن ترعرعن وسط هذه القيم. ففي هذه العائلات، تُربى الفتيات على أن يأكلن أقل من الرجل، وعند توزيع اللحوم يحصل الذكر على ضعف نصيب الأنثى، تحت ذرائع متعددة، أبرزها أنه يبني جسده وعضلاته، وأنه يجب أن يكون أقوى.
وأشارت إلى أن الأطفال يتعلمون هذه الأدوار الاجتماعية منذ الصغر، فيرون أن لهم امتيازات واستحقاقات يحصلون عليها دون عناء، ما يجعل التخلي عنها أكثر صعوبة عندما يكبرون.

الفقر وتأثيره
ولا يمكن إغفال المؤشرات الاقتصادية، التي تشير، وفقا للبنك الدولي، إلى أن معدلات الفقر في مصر وصلت إلى 33.5 في المئة، وهو ما يؤثر بصورة كبيرة في الإنفاق على التغذية والصحة العامة، وفقًا لدراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
ووفقا لمركز بصيرة لبحوث الرأي العام، انخفض استهلاك المصريين من اللحوم من 18 طن لكل ألف من السكان في عام 2018 إلى 9 طن لكل ألف من السكان في عام 2022، أي نصف الكمية.
وفي وقت سابق، نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء المصري، عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”، ضمن إنفوغراف للإعلان عن إطلاق البرنامج القومي لتعزيز الخبز البلدي التمويني للوقاية من فقر الدم، أن 40 في المئة من المصريين يعانون من فقر الدم، وهو ما يسبب انخفاضًا في إنتاجية الفرد، ويمثل عبئًا اقتصاديًا على الدولة.
السمنة والأنيميا
وتعليقًا على هذا الأمر، قالت د.بسملة رضا، وهي طبيبة تغذية وعلاج طبيعي، إن الرجل والمرأة إذا كانا في نفس العمر والوزن فالرجل علميًا يحتاج إلى نسبة بروتين أعلى من المرأة، لكن ليس بالتفاوت الكبير الذي يجعل المرأة تتناول كميات تصل إلى نصف ما يتناوله الرجل من البروتين.
وأضافت أن العادات الغذائية التي تمنح الرجل النسبة الأكبر من البروتين مقابل المرأة، قد تؤدي بالضرورة إلى إصابة المرأة بأمراض سوء التغذية مثل السمنة والانيميا اللتين قد تجتمعان معًا لدى نفس الشخص خاصة إذا كان غذاؤه يعتمد على نسبة عالية من النشويات مثل الأرز والخبز دون تناول باقي الفيتامينات والمعادن الأخرى اللازمة للجسم مثل فيتامين (د) والحديد وغيرها.
وبينما يدفع الفقر كثيرًا من الأسر إلى تقليص الإنفاق على الغذاء، تبدو العادات الاجتماعية عاملًا مضاعفًا للأزمة، إذ قد يحدد ترتيب تناول الطعام داخل الأسرة من يحصل على الغذاء الأكثر قيمة، ومن يتحمل في النهاية العبء الصحي. وهو ما يرجح أن النساء يكنّ الأكثر تأثرًا داخل بعض الأسر التي تعطي الأولوية للرجال في توزيع الغذاء.
