الإجهاض في غزة.. حملٌ تدفع ثمنه النساء

عابر- فلسطين

إسراء الأعرج

منذ زواجها قبل ست سنوات، تخوض أريج بريك (29 عامًا) من خانيونس جنوب قطاع غزة، رحلة طويلة مع الحمل والإجهاض. فقدت جنينها سبع مرات، بعدما أخبرها الأطباء عن حاجتها إلى علاج بالأدوية وإجراء غرزة للرحم للمساعدة في تثبيت الحمل، وهي أمور أصبحت صعبة المنال مع استمرار الحرب على القطاع.

إذ أجهضت بريك مرتين منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان آخرها في الشهر السابع من الحمل، وتسرد لـ”عابر” قسوة ما عاشته خلال هذه الأعوام الثلاثة: “فقدت منزلي، ونزحت مع زوجي إلى خيمة في منطقة دير البلح وسط القطاع”، حيث وجدت نفسها تتحمل مسؤوليات الحياة اليومية وحدها، في ظل إصابة زوجها وعدم قدرته على العمل.

ورغم توصيات الأطباء لها بالراحة الجسدية والنفسية إلى جانب العلاج، تؤكد أنه لم يكن ذلك ممكنًا في واقع النزوح؛ إذ تضطر للنوم على الأرض، والتنقل في طرق وعرة لحمل المياه والوقوف للحصول على الطعام والمساعدات، وهي ظروف أثقلت حملها الأخير.

 “مفروض ألا أتوتر أو أنفعل أبدًا أو أتعب، ولكن كيف مع واقع الحياة وأنا أتحمل مسؤولية كل شيء، بالكاد أستطيع توفير الأكل لي ولزوجي”، تقول بريك، واليوم، لا تكمن معاناتها فقط في فقدان الأجنة المتكرر، بل في غياب الرعاية التي تحتاجها لتجاوز ذلك؛ فحتى المتابعة الطبية والتحاليل والعلاج أصبحت أعباء تفوق قدرتها المادية.

وهكذا، لم يعد الحمل في غزة، رحلة تنتظر نهايتها بولادة طفل، بل تحول لدى كثير من النساء إلى اختبار يومي للبقاء. فالنزوح، وسوء التغذية، والإجهاد، والانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية، جعلت الحفاظ على الحمل تحديًا يزداد قسوة مع مرور الوقت. 

الإجهاض يتفاقم

وهذا ما تثبته  بيانات وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة الفلسطينية، التي أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الإجهاض بقطاع غزة خلال النصف الأول من عام 2026، إذ سُجلت 3.958 حالة إجهاض، بمتوسط بلغ 208.5 حالات لكل ألف مولود حي، مقارنة بـ64 حالة لكل ألف مولود حي خلال النصف الثاني من عام 2025، و137 حالة خلال عام 2022.

وبحسب البيانات المذكورة، ارتفع معدل الإجهاض بنحو 3.3 مرات مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، فيما تركزت غالبية الحالات خلال الثلث الأول من الحمل بنسبة 73.6 في المئة، مقابل 26.4 في المئة خلال الثلث الثاني. كما أظهرت البيانات أن 57.1 في المئة من النساء الحوامل المسجلات عام 2025 كنّ مصابات بفقر الدم، وهو أحد العوامل التي قد تؤثر في صحة الحمل. كل ما سبق يشي، بأن النساء الحوامل في غزة ليست على ما يرام، وبأن الأحداث التي مررن بها ثقيلة جدًا، وجعلت الأمومة أمرًا صعب المنال. 

حملٌ يواجه النزوح 

وبين هذه الأرقام، تختبئ قصص نساء كثيرات فقدن حملهن، في ظروف لم تترك لهن فرصة حقيقية لحمايته، إذ وجدت سماح البيك (21 عامًا) نفسها تخوض تجربة الزواج والحمل في ظروف لم تكن تشبه ما حلمت به. فبعد عامين على زواجها، لم يبقَ من بيتها الذي جهزته قبل الحرب سوى بعض الملابس، وتحولت خيمة صغيرة ملاصقة لخيمة عائلة زوجها إلى مكان تقضي فيه حياتها الزوجية.

ووسط قسوة النزوح، تقول البيك لـ”عابر”: “واجهت تجربة الحمل في ظروف شاقة؛ فالعيش في الخيام، والمهام اليومية التي لا تنتهي، ونقص الغذاء والإجهاد المستمر، كلها عوامل أثقلت جسدي خلال الحرب، ما تسبب في الإجهاض مرتين”في ظل مخاوف من أن تخسر حملها الثالث أيضًا.

وتتابع ” نضطر للقيام بكل شيء بالطرق البدائية القديمة، وهذه التفاصيل تشكل عبئًا إضافيًا على حملي، في ظل غياب الظروف التي تحتاجها المرأة الحامل من راحة ورعاية ومتابعة ومساعدة خاصة في الحمل المهدد”.

طبياً.. لماذا يزداد الإجهاض؟

لا تقتصر أسباب فقدان الحمل على ما ترويه النساء فقط، إذ توضح طبيبة النسائية والتوليد الدكتورة هيا حجازي لـ”عابر” أن ارتفاع حالات الإجهاض في قطاع غزة خلال الحرب لم يكن نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل الجوع، وسوء التغذية، والجفاف، والإجهاد البدني والنفسي، والنزوح المتكرر، وفقدان الأدوية، وتأخر الوصول إلى المستشفيات. 

وتشير إلى أن هذه العوامل تزيد خطر فقدان الحمل، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين حملًا عالي الخطورة أو لديهن تاريخ سابق من الإجهاض، مع التأكيد على أن معظم حالات الإجهاض المبكر ترتبط أساسًا بخلل كروموسومي.

وتبين حجازي أن سوء التغذية وفقر الدم يؤثران في نمو الجنين و يرفعان خطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد، بينما يؤدي انهيار خدمات متابعة الحمل إلى عدم اكتشاف وعلاج حالات مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، والالتهابات، ما يحرم نساء كثيرات من تدخلات كان يمكن أن تنقذ الحمل أو تقلل مضاعفاته، مؤكدة أن الضغط النفسي الشديد قد يرتبط بزيادة بعض مضاعفات الحمل، لكنه لا يعد سببًا مباشرًا لمعظم حالات الإجهاض.

غياب أبسط مقومات الرعاية

وتضيف أن التعرض المباشر للانفجارات قد يؤدي إلى انفصال المشيمة (وهو عضو يتكون داخل الرحم أثناء الحمل) أو فقدان الحمل، فيما لا تزال آثار الملوثات الناتجة عن القصف على الإجهاض والتشوهات الخلقية بحاجة إلى دراسات علمية طويلة الأمد، رغم وجود مخاوف من تأثيرها على صحة الأجنة.

وتؤكد حجازي أن الأولوية تتمثل في استعادة خدمات رعاية الأمومة الأساسية، عبر توفير مراكز متابعة الحمل، والفحوصات والأدوية الأساسية، وبنوك الدم، وغرف الولادة والعمليات، وممرات آمنة لوصول الحوامل إلى المستشفيات، وتختم: “كثير من النساء لم يفقدن حملهن بسبب تعقيد طبي نادر، بل لأن أبسط مقومات الرعاية الصحية لم تعد متاحة”.

الحمل في مهب الحرب 

وفي سياق متصل، أكد مدير عام الشؤون الصحية بوزارة الصحة في غزة، منير البرش، في تصريحات صحفية، أن الحرب وما رافقها من تدهور في الأوضاع الصحية والغذائية والبيئية، إلى جانب الانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية الإنجابية والأمومة، أسهمت في ارتفاع حالات الإجهاض، وفاقمت المخاطر التي تواجه النساء الحوامل في القطاع. 

ووراء كل رقم في سجلات الإجهاض، تقف امرأة فقدت جزءًا من حلمها، وبين خيمة، أو طريق نزوح، أو مستشفى يفتقر إلى أبسط الإمكانيات، تتحول رحلة الحمل إلى معركة يومية للبقاء. وفي وقت تتزايد فيه المخاطر الصحية، يبقى الأمل الوحيد لكثير من الحوامل في غزة أن يصلن إلى لحظة الولادة بسلام.