شيخوخة بلا أمان.. فجوة الحماية في الأردن

عابر- الأردن
إسراء الأعرج
“أعيش تحت رحمة إخوتي” بهذه العبارة تختصر أم محمد (62 سنة) واقعها بعد أن وصلت إلى سن الشيخوخة بلا مصدر دخل ثابت، لتصبح قدرتها على تأمين احتياجاتها اليومية مرتبطة بظروف الآخرين وقدرتهم المادية.
تروي أم محمد لـ”عابر” كيف تعلمت الحياكة في عمر صغير، “عملت في منزلي بأدوات بسيطة وماكينة ورثتها عن أمي”، لكن عملها كان غير منتظم، قبل أن تمنعها مشكلات قصر النظر والأعصاب من مواصلة مهنتها. وبعد انفصالها عن زوجها وانتقالها للسكن في منطقة جديدة، فقدت مصدر رزقها الأساسي، لتجد نفسها معتمدة على مساعدات أقاربها ليس أكثر.
وتقول: “أعيش وحدي، وبحسب ظروف إخوتي المتزوجين والتزاماتهم الشهرية. أتوسل المساعدة والراتب من هنا وهناك، ولولا أقاربي وأختي المتزوجة لا يوجد لي أي معيل. دائمًا أشعر بالثقل والعبء الذي أسببه.”
ورغم محاولتها الحصول على معونة شهرية من صندوق المعونة الوطنية (راتب يصرف للأسر الفقيرة)، رُفض طلبها بسبب حصولها على مؤخر يدفع لها شهريًا من طليقها لا يتجاوز 50 دينارًا (أيّ حوالي 70.5 دولار)، وإقامتها في منزل أختها. وتضيف: “أعيش على شراء الأساسيات فقط، وأحيانًا أضطر لتفضيل شراء الدواء على لقمة اليوم”.
وهكذا، تحولت الشيخوخة بالنسبة لكثير من الأردنيين من مرحلة يُفترض أن تنعم بالاستقرار، إلى معركة يومية لتأمين متطلبات الحياة الأساسية ليس أكثر، في ظل غياب دخل ثابت أو حماية اجتماعية كافية. وبين محدودية الرواتب التقاعدية، ووصول آخرين إلى هذه المرحلة دون أي مصدر دخل، يجد عدد كبير منهم أنفسهم معتمدين على الأسرة أو المساعدات لتلبية احتياجاتهم الخاصة.
العمل بلا ضمان
لم يكن أبو عبد الله (70 عامًا) يتوقع أن تنتهي سنوات عمله الطويلة في ميكانيك وحدادة السيارات إلى الجلوس عاجزًا في منزله، بلا راتب تقاعدي أو تعويض.
يروي أبو عبد الله لـ”عابر” أنه كان يعمل في محل ضمن شراكة مع شخص آخر، قبل أن يتعرض لجلطة قلبية استدعت إجراء عملية قلب مفتوح، لينتهي مصدر رزقه الوحيد. وبصفته عاملًا بالمياومة، لم يكن مشمولًا بأي نظام يوفر له راتبًا تقاعديًا أو تعويضًا بعد توقفه عن العمل.
يعيل أبو عبد الله أسرة مكونة من أربعة أفراد، فيما تعاني زوجته أيضًا من المرض ما جعلها غير قادرة على العمل، ولا تكفي مداخيل أبنائه الزهيدة سوى لتغطية جزء بسيط من احتياجات الأسرة. ويقول: “اضطررت لبيع عدة المحل وسيارتي بأبخس الأثمان حتّى أوفر إيجار البيت وأسد جزءًا من مصاريف الأسرة، واليوم لا أملك أي شيء”.
ورغم حاجته، لم يتمكن من الاستفادة من أيّة معونات، بسبب وجود أبناء غير متزوجين ولديهم أرقام ضمان اجتماعي. ويضيف: “خسرت كل شيء في يوم واحد، كنت مكتفيًا بنفسي حتى خانتني صحتي، وأصبحت عاجزًا عن توفير حياة بسيطة وكريمة لأسرتي؛ من حقي، أن توفر لي الدولة راتبًا تقاعديًا يعينني على إعالة نفسي”.

27 % بلا حماية
أظهر تقرير أصدره مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية حول واقع الحماية الاجتماعية لكبار السن في الأردن، أن 52 في المئة من كبار السن مشمولون بأنظمة التقاعد أو الضمان الاجتماعي، فيما يتلقى 21 في المئة منهم مساعدات اجتماعية، بينما يبقى 27 في المئة خارج مظلتي التقاعد والمساعدات معًا دون أي دخل ثابت. وبيّن التقرير أن كبار السن يشكلون 5.5 في المئة من سكان الأردن، مع توقع ارتفاع نسبتهم إلى 16.6 في المئة بحلول عام 2050، في حين يبلغ متوسط الدخل التقاعدي نحو 400 دينار (أي حوالي 564 دولار أميركي) شهريًا مقابل احتياجات أساسية تقدر بين 500 و800 دينار (705 -1128 دولار).
الحماية حق أساسي
وفي سياق التعليق على نتائج الدراسة، يقول مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض لـ”عابر”: إن القضية لا تقتصر على البعد الحقوقي، بل تمثل تحديًا تنمويًا يرتبط بالحفاظ على كرامة كبار السن، خصوصًا في ظل وجود فئات تصل إلى هذه المرحلة دون مصدر دخل أو حماية اجتماعية.
ويوضح أن جزءًا من المشكلة يعود إلى عدم انطباق شروط الاستفادة من صندوق المعونة الوطنية على بعض كبار السن رغم افتقارهم لدخل ثابت، داعيًا إلى إعادة النظر في معايير الاستحقاق لتصبح أكثر مرونة تجاه من تجاوز سن الستين.
ويشدد عوض على ضرورة الانتقال من منطق تقديم المساعدات إلى ضمان الحقوق، عبر توفير معاشات لكبار السن الذين لا يملكون أي مصدر دخل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، محذرًا من أشكال العنف الاقتصادي التي قد يتعرض لها بعضهم، مثل حرمانهم من مواردهم أو الضغط عليهم للتنازل عن ممتلكاتهم.
ومن ثمّ إن ارتفاع نسبة كبار السن المتوقعة في الأردن إلى نحو 16.6 في المئة بحلول عام 2050 يستدعي الاستعداد لهذا التحول عبر سياسات حماية اجتماعية أكثر شمولية، بحسب عوض.
فجوة الحماية التأمينية
من جانبه، يقول خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي لـ”عابر”: إن نتيجة الدراسة منطقية وقريبة من الواقع، موضحًا أن المشكلة لا ترتبط بوجود أنظمة تقاعد فقط، وإنما بقدرة العاملين على الاستمرار ضمنها واستكمال مدد الاشتراك اللازمة للحصول على راتب تقاعدي.
ويشير إلى أن بيانات الضمان الاجتماعي تظهر فرقًا كبيرًا بين أعداد المشتركين تاريخيًا ومن حصلوا فعليًا على رواتب تقاعدية، كما أن فترات الانقطاع الطويلة عن الاشتراك وعدم استقرار العمل، خصوصًا في القطاع الخاص، تحول دون استكمال بعض العاملين شروط التقاعد.
ويلفت الصبيحي إلى أن تغير أنماط العمل وارتفاع البطالة وضعف معدلات النمو فرضت تحديات جديدة على أنظمة التأمينات الاجتماعية، بالإضافة إلى أن عدم شمول العاملين بالضمان يعني وصول بعضهم إلى سن الشيخوخة دون مصدر دخل ثابت، ما يجعلهم عرضة للفقر وينعكس على أسرهم والمجتمع.
ويضيف أن برامج المعونة والصناديق الموجهة لكبار السن يجب أن تستهدف في النهاية الفئات التي لا تملك أي مصدر دخل أو قدرة على العمل أو الكسب، بعد تعزيز شمول العاملين بالضمان الاجتماعي، بحيث تكون المعونة موجهة لمن لا تغطيهم أنظمة الحماية.

دعم بشروط محددة
يعد صندوق المعونة الوطنية مؤسسة حكومية أردنية تأسست عام 1986 تهدف إلى توفير الحماية والرعاية الاجتماعية للأسر الفقيرة والمحتاجة، وكذلك العمال الفقراء، وتقدم معونات مالية شهرية وتدير برامج دعم نقدي و معونات طارئة.
وبحسب موقع الصندوق الرسمي، تُحدد الاستفادة من برامجه وفق معايير تستند إلى مستوى حاجة الأسر والأفراد، من خلال مؤشرات مرتبطة بمستوى الدخل وخط الفقر، إلى جانب عدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية. وتشمل الفئات المستهدفة الأسر والأفراد غير القادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، ومن بينهم كبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، والأرامل والمطلقات والأيتام، وفق شروط الاستحقاق المعتمدة.
وقد حاولت “عابر” التواصل مع صندوق المعونة الوطنية، لكن لم تلق أيّ إجابة من المعنيّين، بحجة الروتين الإداري المتعلق بالرد على مؤسسات صحفية خارج الأردن، واشتراط أن تكون مرخصة من قبل هيئة الإعلام الأردنية.
