أحرار الزلزلي – عابر

كلما تقدمت في قراءة السياسة، ازددت اقتناعًا بأن كثيرًا من الرؤساء لا يصنعون الثوب، بل يخيطون ما فُصِّل لهم. قد يختلف لون الخيط، وقد تختلف طريقة الخياطة، لكن التصميم سبق أن رُسم، والمقاسات حُددت، والمطلوب منهم تنفيذ ما هو مرسوم ضمن حدود معينة.

يقولون: إذا عُرف السبب بطل العجب.

وأقول: أكثر ما يثير عجبي أن الناس توقفت عن البحث عن السبب أصلًا.

صرنا نعيش الحدث كما يُعرض لنا، ونغضب عندما يُطلب منا الغضب، ونصفق عندما يُطلب منا التصفيق، دون أن نسأل: من حدّد توقيت هذا الغضب؟ ومن المستفيد؟ ولماذا الآن؟.

خرجتُ من الصندوق، فلم أعد أرى الصراع كما يراه الناس. لم أعد أرى شعوبًا تتحرك وحدها، بل جماهير تُستثمر، ومشاعر تُدار، وأزمات تُصنع أو تُضخَّم أو تُخفى بحسب الحاجة.

اليوم أصبحت الشعوب وقودًا للسياسة، لا صانعةً لها. تُستثار عند الحاجة، وتُهدَّأ عند الحاجة، ويُعاد توجيهها كلما تغيّرت المصالح.

ولهذا لم أعد أؤمن بالرواية السطحية التي تختزل كل شيء في شخص رئيس أو حكومة.

برأيي، رئيس أي دولة ليس الحاكم المطلق الذي يتخيله الناس، بل هو جزء من منظومة أكبر منه. قد يختلف أسلوبه، لكن حدود حركته مرسومة، وسقف قراراته معروف، وخروجه عن ذلك السقف له ثمن.

حتّى أكثر الرؤساء الذين يظهرون بصورة المتمرّد أو المستقل، لا أراهم خارج هذه المعادلة. فالسياسة الدوليّة ليست مسرحًا للأفراد، بل لشبكات مصالح ومؤسسات وقوى تفرض إيقاعها على الجميع.

أصبح منصب الرئاسة، في نظري، أشبه بمهنة الخياط؛ يُسلَّم القماش وقد قُصَّ وفُصِّل مسبقًا، وما عليه إلا أن يخيطه وفق التصميم الذي وضعه غيره. قد يغيّر لون الخيط، لكنه لا يغيّر شكل الثوب.

لهذا لم أعد أنتظر الخلاص مع كلّ رئيس جديد. ففي كل مرة يُقال: “القادم أفضل”، ثمّ يرحل، ويأتي غيره، بينما تبقى النتائج متشابهة، وكأن الوجوه تتغير، أما المسرح فلا يتغير.

ولا أستثني دولة من ذلك؛ لا العراق، ولا دول الخليج، ولا الشرق، ولا الغرب. في نظري، الجميع يتحرك داخل شبكة مصالح عالميّة، تختلف فيها الهوامش، لكن لا تختفي فيها القيود.

هذا ليس يقينًا، ولا ادعاءً لامتلاك الحقيقة، بل رأي شخصي تكوّن بعد مراقبة طويلة. وما زلت أؤمن أن أخطر أنواع العمى ليس أن لا ترى، بل أن تظن أن ما يُسمح لك برؤيته هو كلّ الحقيقة.