حين تصبح الحركة حلمًا لذوي الإعاقة في غزة

عابر- فلسطين

إسراء الأعرج

أصبحت كل خطوة خارج خيمة النزوح بالنسبة لغدير النجار (17 عامًا) بمثابة رحلة شاقة تحتاج إلى مساندة أحد أفراد أسرتها الخمسة. فقبل الحرب، كانت تتنقل بكرسيها المتحرك الكهربائي وتصل إلى مدرستها وجلسات العلاج الطبيعي التي ساعدتها على التحسن تدريجيًا، قبل أن يقطع النزوح علاجها ويبعدها عن مدرستها، لتفقد جزءًا من استقلاليتها التي كانت تتمتع بها.

تروي النجار التي ولدت بشلل نصفي في الأطراف السفلية وتعيش راهنًا في مخيم داخل مدينة دير البلح وسط قطاع غزة مع أسرتها لـ”عابر”، تفاصيل محاولاتها من أجل التأقلم مع واقع النزوح بعد أن فقدت كرسيها القديم، “أسرتي طلبت من جهات عدة توفير كرسي كهربائي متحرك، لكن دون استجابة وهذا يشعرني بالإحباط الشديد”.

وتقول “إن غياب الكرسي المتحرك بسبب عدم توفره في القطاع وارتفاع سعره، حرمني من القيام بالكثير من الأمور التي كانت تمنحني شعورًا بالاستقلالية”، مضيفة: “لو توفر الكرسي المتحرك الكهربائي ستتغير حياتي بشكل كبير، وسأصل إلى المدرسة بسهولة وأفرغ طاقتي السلبية وأمارس حياتي اليومية بشكل أفضل”.

ولا تقف معاناة الأسرة عند غدير، فشقيقها البالغ من العمر 7 سنوات هو الآخر يحتاج إلى رعاية خاصة، إذ يعاني من ضمور عضلي ويحتاج إلى أدوات مساندة من عكاز طبي وكرسي متحرك يناسب عمره وحجمه، وعلاج  ضروري قبل أن تتفاقم حالته الصحية.

ورغم قدرته حاليًا على ممارسة جزء من حياته اليومية بالاعتماد على نفسه، تخشى الأسرة من تراجع وضعه مع مرور الوقت، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية وتوفير الاحتياجات اللازمة خلال ظروف النزوح الصعبة ماديًا ومعنويًا.

الحرب تضاعف الإعاقة

في ظل الواقع المأساوي الذي فُرض على غزة، النجار وشقيقها يمثلان واحدة من آلاف القصص لذوي الإعاقة ممن عانوا ظروفًا صعبة للغاية منذ اندلاع الحرب على القطاع، سواء أولئك الذين أصيبوا بإعاقات حركية جديدة نتيجة القصف الإسرائيلي، أو الأشخاص الذين كانوا يعيشون مع إعاقة قبل الحرب الأخيرة، وبات وصولهم إلى الخدمات الأساسية التي تساعدهم على ممارسة حياتهم اليومية أمر ليس سهلًا.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، سجلت نحو 172 ألف إصابة في قطاع غزة منذ أكتوبر(تشرين الأول) 2023، بينها نحو 43 ألف إصابة مغيرة للحياة تحتاج إلى خدمات تأهيل طويلة الأمد، بالإضافة إلى أن أكثر من 5000 شخص فقدوا أطرافهم نتيجة إصابات الحرب، فيما يحتاج عشرات الآلاف من المصابين إلى خدمات إعادة تأهيل تساعدهم على استعادة الحركة والاندماج في حياتهم اليومية.

وقدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع قبل العدوان على غزة، بنحو 58 ألف شخص، يشكلون 2.6 في المئة من السكان. ووفق التقرير الصحي السنوي لقطاع غزة لعام 2022، بلغ عدد المسجلين من ذوي الإعاقة 55,538 شخصًا، شكلت الإعاقة الحركية 47 في المئة منهم. 

حين يكسر العكاز

“في تلك اللحظة شعرت بالعجز الحقيقي، وبإعاقتي أكثر من أي وقت مضى؛ كنت بين الركام وإطلاق النار من قبل الجيش الاسرائيلي، والعكازان اللذان أعتمد عليهما انكسرا، ولم أعد قادرًا على التحرك أو الخروج من المكان”، يروي الصحفي حازم سليمان (28 عامًا) لـ”عابر”، مستعيدًا إحدى أصعب لحظات حياته خلال تغطيته الصحفية في مدينة حمد في قطاع غزة، قبل أن يساعده زملاؤه على الخروج.

أصيب حازم وهو أب لثمانية أطفال ومعيل لأسرته، عام 2018 برصاصة إسرائيلية خلال تغطيته لمسيرات العودة شرق غزة، أدت إلى بتر قدمه اليسرى، وخضع منذ ذلك الوقت لخمس عمليات بسبب مضاعفات الإصابة وتسوس العظام، ما منعه من تركيب طرف صناعي.

ورغم ذلك، واصل سليمان عمله كمصور صحفي مستخدمًا العكاز، ويقول “إن غياب الطرف الصناعي جعلني أواجه صعوبات كبيرة في التنقل والعمل، خاصة خلال الحرب، حيث زادت الطرق المدمرة والنزوح من معاناتي رغم سعيي لتحدي العقبات”.

“أنا أغطي كل شيء بواسطة جوالي وبقدم واحدة”، يقول سليمان مضيفًا: “بقدم واحدة نقلت صورة غزة وهي جميلة، وبعكاز نقلتها وهي مدمرة”.

وراهنًا، يحتاج سليمان إلى السفر لإجراء العملية السادسة لبتر نفس القدم ومعالجة العظم المتسوس قبل أن يتفاقم الوضع بسبب إغلاق المعبر ومنع السفر إلا بتنسيقات صعبة ومكلفة وللحالات التي تعتبر مهددة للحياة فقط، ومن ثم البدء بالتأهيل وتركيب طرف صناعي إلكتروني متطور، مؤكدًا أن حلمه منذ إصابته عام 2018 هو الحصول على طرف يعيد له القدرة على الحركة والعمل.

مخيم ينتظر المساندة

فقدان الأدوات المساندة لا يظهر أثره فقط في حياة الأفراد، بل يمتد إلى أماكن النزوح التي تحولت إلى بيئة أكثر صعوبة للأشخاص ذوي الإعاقة، مع نقص الاحتياجات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الخدمات.

ففي مخيم “الحياة الشمولي” المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة في دير البلح، تعيش 145 أسرة نازحة منذ إنشاء المركز في يناير (كانون الثاني) 2025، بينهم نحو 50 شخصًا من ذوي الإعاقة الحركية يواجهون تحديات يومية بسبب نقص الأدوات المساندة واحتياجات الرعاية الأساسية، بحسب الدكتور مدحت أبو غلوة، مندوب مدير المخيم.

ويضيف لـ”عابر” أن غياب الكراسي المتحركة والعكاز الطبي والأطراف الصناعية يعرقل وصولهم إلى العلاج والتأهيل، ويصعب تنقلهم حتى داخل مكان الإيواء، مشيرًا إلى أن إدارة المخيم تحاول توفير الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات الداعمة، لكن حجم الحاجة يفوق الإمكانيات المتاحة.

ويؤكد أبو غلوة أن في المخيم أطفالًا من ذوي الإعاقة، حيث أُنشئت نقطة تعليمية بالتعاون مع مؤسسة إنقاذ الطفل، فيما لا تزال الحاجة قائمة إلى أدوات ومستلزمات تساعدهم على مواصلة التعليم.

آلاف ينتظرون

في سياق متصل يلفت حسني مهنا، مدير مركز الأطراف الصناعية والشلل التابع لبلدية غزة لـ”عابر”: إلى أن المركز بات يواجه احتياجًا غير مسبوق منذ بداية الحرب، بعد ارتفاع أعداد حالات البتر وإصابات الحبل الشوكي والدماغ، إلى جانب فقدان كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة أدواتهم المساندة بسبب القصف والنزوح.

ويشير إلى أن المركز، الذي يقدم خدمات تصنيع وتركيب الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية والعلاج الطبيعي والتأهيل، انتقل من استقبال ما بين 20 إلى 30 حالة يوميًا قبل الحرب إلى نحو 70 إلى 80 حالة في الوقت الراهن.

وبحسب مهنا استقبل المركز نحو 1300 حالة بتر جديدة ونحو 500 حالة إصابة في الحبل الشوكي والدماغ تحتاج إلى تأهيل وأجهزة مساندة، إلا أن قدرة المركز على الاستجابة تصطدم بنقص حاد في المواد والمكونات الأساسية.

ويوضح أن الحصار وإغلاق المعابر حالا دون إدخال كثير من المواد التي يحتاجها المركز، ما أدى إلى نقص في الأطراف الصناعية والكراسي المتحركة والعكاز الطبي والأجهزة التقويمية، كما أن بعض المواد ارتفعت أسعارها بشكل كبير جدا. مشيرًا إلى أن الأطفال هم من أكثر الفئات تأثرًا بما هو حاصل، بسبب احتياجهم الدائم إلى تعديل للأطراف الصناعية مع نموهم. 

“إن تأخر توفير الأطراف والأجهزة المساندة بسبب استمرار الحصار ومنع إدخال المواد الخام والمكونات التي تعتبرها إسرائيل “مزدوجة الاستخدام”، إلى جانب إغلاق المعابر لفترات طويلة، لا يعني فقط تأجيل الحركة، بل يؤخر عودة المصابين إلى التعليم والعمل ويزيد اعتمادهم على الآخرين” يختم مهنا.

وهكذا، بين خيمة نزوح وركام مدينة، لم يفقد ذوو الإعاقة في غزة قدرتهم على الحلم، لكنهم فقدوا الأدوات التي كانت تقربهم منه. فكل يوم يتأخر فيه وصول كرسي أو طرف صناعي لا يعني تأجيل حركة فقط، بل تأجيل حياة كاملة.