ليست الجائزة… بل التحقيق ومن أنصفهم

أسعد الزلزلي
في بداياتي الصحفية، كنت أنتظر الجوائز كما ينتظرها أيّ صحفي شاب. كنت أراها الحلم الأكبر، والاعتراف الذي يمنح كلّ ساعات السهر، والتعب، والقلق معنى. ولم يكن ذلك وهمًا، فالجوائز حق مشروع، وهي رسالة تقدير لكل من اختار أن يسلك الطريق الأصعب في هذه المهنة.
لكن بعد أكثر من خمسة عشر عامًا في الصحافة الاستقصائيّة، وبعد عشرات التحقيقات التي أنجزتها داخل العراق وخارجه، وعشرات الجوائز التي تشرفت بالحصول عليها، أستطيع القول إن نظرتي تغيرت تمامًا.
لم تعد الجائزة بالنسبة لي تلك التي تُسلَّم على منصة التكريم، ولا الصورة التي تُلتقط وسط التصفيق. أصبحت الجائزة الحقيقية تبدأ قبل ذلك بكثير… في اللحظة التي يُنشر فيها التحقيق بعد أشهر طويلة من العمل المضني.
أشهر من القلق والترقب، والبحث عن معلومة قد يكلّف الوصول إليها كلّ شيء. أشهر من التحقق، وجمع الأدلة، وإثبات الفرضيات، وإقناع المصادر بالكلام، ومنح الضحايا الشجاعة ليروُوا قصصًا ظنوا أن أحدًا لن يسمعها أبدًا. ثمّ مواجهة المتسبب بما توصلت إليه، ومنحه حق الرد، قبل أن يبدأ فصل آخر من التدقيق التحريري والقانوني الذي يرافق كل كلمة وكل وثيقة.
ثمّ تأتي اللحظة التي ترى فيها التحقيق منشورًا أمام الناس.
هناك فقط، أشعر أن الرحلة ربما اكتملت.
ولست هنا بصدد استعراض مسيرتي أو تعداد التحقيقات والجوائز التي حظيت بها. فما سأذكره ليس سوى نماذج قليلة من بين عشرات التحقيقات التي أنجزتها، وعشرات القصص التي حملتها على كتفي سنوات طويلة. اخترت هذه النماذج لأنها كانت الأكثر تأثيرًا في حياتي، ولأنها غيّرت فهمي لمعنى النجاح، وأقنعتني بأن قيمة الصحفي لا تُقاس بعدد الجوائز التي يحملها، بل بعدد المظلومين الذين استطاع أن يمنحهم أملًا، وعدد الأصوات التي نجح في إيصالها إلى من كان يجب أن يسمعها.
في المشروع رقم (1)، لم تكن فرحتي الكبرى يوم نال التحقيق التقدير، بل عندما صدر الحكم بحق المتهم. عندها فقط شعرت أن كل لحظة خوف، وكل ليلة قلق، وكل تهديد وصلني لم تذهب سدى.
حتّى اليوم، وبعد سنوات، ما زالت تصلني محاولات لحذف ذلك التحقيق. وما زلت أذكر ذلك الاتصال الذي تلقيته من رجل دين يبلغني بأنني “سأُقطع من خلاف” بسبب ما اعتبره إساءة إلى سمعتهم، قبل أن يتدخل عقلاء لحل الأزمة.
ولا أنسى أيضًا، أنني تُركت وحيدًا تقريبًا في مواجهة تلك المعركة، حتّى وصل الأمر إلى إطلاق النار على مركبتي.
كلّ ذلك… بسبب تحقيق صحفي.

وفي تحقيق أطفال داعش، كانت الحرب ضد التنظيم الإرهابي ما تزال في أشدها. كنا ندخل المخيمات سرًا، أنا وفريق التحقيق، بحثًا عن أطفال لم يرتكبوا أيّ ذنب سوى أنهم وُلدوا لآباء انتموا إلى تنظيم إرهابي، فحُمّلوا وزر جريمة لم يختاروها.
لم تكن جائزتي هناك درعًا تذكاريًا، بل الرسائل التي وصلتني لاحقًا من بعض أولئك الأطفال وهم يخبرونني أنهم غادروا المخيمات، وعادوا إلى المدارس، وبدأوا حياة طبيعية.
عندها فقط شعرت أن التحقيق نجح.
وفي تحقيق عقارات المسيحيين، كان اليأس يسكن وجوه من تحدثوا إلينا. عقاراتهم سُلبت، وسنداتها زُورت، ولم يكن لديهم أمل في الوقوف بوجه جماعات نافذة ومسلحة.
أحدهم أخبرني أن محاميه، بعد اتصال واحد، تحول من مدافع عنه إلى مشتكٍ عليه. وآخر تعرض محاميه للضرب والاعتداء حتى اضطر إلى الانسحاب.
لكن التحقيق خرج إلى النور، ووصلت أصوات الناس المنسية إلى المسؤولين، وبدأت القضية تتحرك، ولو ببطء.
أما التحقيق الذي ترك أعمق جرح في داخلي، فكان “مقابر المخطئات” الذي أنجزته العام الماضي .
ذلك التحقيق لم يستنزف وقتي فقط، بل استنزف روحي أيضًا.
كنت أجلس لساعات طويلة أستمع إلى اقارب ثكلى يروون كيف قُتلت بناتهم أو شقيقاتهم على يد أقرب الناس إليهن. ولكي أكتب الحقيقة كما حدثت، كنت أعيش مع كلّ شهادة تفاصيل الليلة الأخيرة، واللحظة الأخيرة، والنظرة الأخيرة في أعين الضحايا.
كنت أتمنى أن ينتهي التحقيق سريعًا، ليس لأنني تعبت من العمل، بل لأنني لم أعد قادرًا على احتمال كل ذلك الألم.
حينها وقبل نشر التحقيق طلب فريق التدقيق المزيد من التوثيق، واضطررت للحصول على صور بعض الضحايا التي التُقطت أثناء التحقيقات.
منذ ذلك اليوم، لم تغادر تلك الصور ذاكرتي.
كنت أتساءل في كل مرة: كيف يستطيع إنسان أن يمتلك كل هذه الوحشية ليفعل ذلك بأقرب الناس إليه؟
ومع ذلك، خرج التحقيق، وخرجت معه قصص نساء ظللن سنوات مجرد أرقام، أو حكايات مسكوت عنها تحت يافطة “العار” و”الشرف”، بينما كانت الحقيقة شيئًا آخر تمامًا في مجتمعنا الذي يدعي المثالية وهو بعيد عنها.
واليوم، وأنا أعمل على تحقيق جديد، أجد نفسي أمام الامتحان النفسي ذاته.
ضحايا جدد… وقصص موجعة جديدة… ومسؤولية أكبر.
أعود مرة أخرى لأعيش معاناتهم، ليس لأنني أحب الألم، بل لأنني أخشى أن تكون هذه فرصتهم الأخيرة ليشعروا أن أحدًا ما زال يرى وجعهم، وأن هناك من سيحاول أن ينصفهم ولو بكلمة.
لهذا، أتمنى للجيل القادم من الاستقصاء، أن يدرك أن الجوائز مهمة، وأن التنافس عليها مشروع، لكن لا تجعلوا بريقها يخطف منكم جوهر المهنة.
فالصحافة الاستقصائيّة ليست سباقًا نحو منصة تكريم، بل عهدٌ مع الناس الذين فقدوا الثقة بالجميع، ويريدون فقط من يسمعهم، ويصدقهم، ويدافع عن حقهم.

لم أندم يومًا على جائزة حصلت عليها.
لكنني ندمت كثيرًا على عدد الأعداء الذين كسبتهم بسبب كل تحقيق، وبسبب كل حقيقة كُشفت.
فمع كل نجاح، كان يظهر بعض “إخوة يوسف”، يشككون، ويقللون، ويحاولون سرقة الفرح، لا لأن الحقيقة معهم، بل لأنهم عجزوا عن إنجاز ما أُنجز.
ومع ذلك، يبقى طريق الحقيقة، مهما كان موحشًا، الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
فالجوائز قد تزين الجدران، وقد يبهت بريقها مع مرور الأيام.
أما دعوة أم استعادت حق ابنتها، أو رسالة طفل خرج من المخيم إلى الحياة، أو دمعة رجل شعر للمرة الأولى أن صوته وصل… فهذه جوائز لا يعلوها تكريم، ولا يبهت بريقها، لأنها تبقى محفورة في القلب، لا معلقة على الجدران.
