ماتت شقيقتها بسبب “مشرط”.. مصريات يروين لـ”عابر” كواليس العنف التوليدي

عابر- مصر

إيناس كمال

تحذير: المحتوى قد يكون صادم للبعض ويثير مشاعر الحزن أو الاكتئاب كما لا يُنصح به لمن دون سن الـ18

كانت سناء (اسم مستعار) شابة لم تكد تصل إلى سن العشرين بعد، تجر جسدها بحثًا عن ملجأ طبي يساعدها في ولادتها، بعد ثلاث سنوات ونصف من الزواج الذي لم يتخلله أيّ حمل، فلجأت إلى الحقن المجهري، بعد إلحاح مستمر من والدة زوجها التي هددتها بتزويجه لأخرى إذا لم تنجب له طفلًا، وبالفعل حصل الحمل. 

وبعد سبعة أشهر، ذهبت في فجر يوم خريفي من سبتمبر (أيلول) عام 2019، بعد أن ظهرت لديها بوادر ولادة، تقول لـ”عابر”: “شعرت بالطلق، وكانت مياه الرحم تتسرب مني؛ إنها ولادة مبكرة فأنا حامل بتوأم” وتضيف: “قصدت عدّة مستشفيات ورفضوا استقبالي إذ لا مكان للأطفال في الحضانات بعد الولادة هناك” وتتابع: “كنت مدمرة نفسيًا وجسديًا وخائفة وقلقة، فذهبت إلى إحدى المستشفيات الجامعيّة في الاسكندرية؛ ليتني لم أذهب”.

نزيف حتى الموت

يومها، تُركت سناء في قسم الطوارئ تعاني بمفردها لساعات، لم يُدخلها أحد إلى غرفة العمليات ولم تلق أيّ عناية طبية، سوى تركيب محلول جلكوز، وأدوية تساعد في زيادة “الطلق”. حدث ذلك رغم أن الأطباء في المستشفيات التي قصدتها سابقًا أخبروها بعدم حاجتها لـ”الطلق الاصطناعي” لأن الطبيعي موجود بالفعل، حسبما تقول سناء. 

في تلك الساعات، تعرضت سناء إلى فحص طبي غير مرغوب به أجراه الفريق التمريضي، نساء ورجال. بعضهم بدا وكأنه يتعلم من خلال جسدها وآلامها، حتّى أن إحداهن أدخلت يدها كاملة داخل الرحم غير مبالية بما ستشعر به، بالإضافة إلى السخرية التي تعرضت لها والمعاملة السيئة، وكلما صرخت واستنجدت بهم تلقت عنفًا لفظيًا إضافيًا، كما أن إحداهن نهرتها وطلبت منها الصمت.

وبسبب آلامها الشديدة، طلبت سناء بنج موضعي أو مُسكن، لكنها تلقت عوضًا عنه التعنيف، ظلت على هذه الحالة من الفجر وحتّى غروب الشمس، كل ذلك مع استمرار “الطلق” والنزيف من الرحم، حتّى حدثت عملية الولادة أخيرًا. وقتها تُرك الأطفال بجوارها داخل غرفة الولادة، رغم طلب الأم إدخالهم إلى الحضّانة، ليفارقوا الحياة بعد وقت قصير.

تروي لنا سناء كيف عانت من إرهاق شديد في تلك اللحظات: “أصبت بالعمى المؤقت وانخفاض حاد في ضغط الدم، وتركت لوحدي أنزف على كرسي نقال في أحد جوانب الغرفة” وتتابع: “صودف مرور إحدى طبيبات قسم الأطفال. قالت لهم “دي بتطلع في الروح”، وبالفعل كان ضغطي 40/20، وكنت على وشك الموت”. وقد هرعت الطبيبة لشراء بعض الأطعمة لإعادة ضغطها إلى معدلاته الطبيعيّة بعد أن رفض الفريق الطبي تلبية طلبها. 

كانت تلك الطبيبة بمثابة ملاك أنقذ سناء في وقت كانت توشك فيه على الموت، وقد طلبت من ممرضة أن تساعدها في الاستحمام وتغسل الدماء المُسالة منها، لكن الممرضة عاملتها بقسوة أيضًا ولم تساعدها حتى بعد أن عرضت عليها المال.

في تلك الأثناء كان زوجها ووالدته خارج المستشفى ينتظرون خروجها، استغاثت بهم مرات كي تخرج إلى مستشفى آخر وتنقذ نفسها وطفليها، لكن ذلك لم يحدث. عقب الإنتهاء من الاستحمام قالت لها إحدى الممرضات إنها قامت بتكفين الطفلين وسلمتهم لزوجها.

لم تشكُ سناء المستشفى، فقد ظلت أسبوعين بلا تواصل مع أحد وكلما هبت بالوقوف تقع، فاقدة القدرة الجسديّة والنفسيّة، بسبب خسارة طفليها إذ لم تراهما بعد الوفاة.

شقيقتي ماتت بسبب الإهمال

أما نانسي، فقد روت بحزن شديد وهي تغالب دموعها تفاصيل الساعات المؤسفة التي أودت بحياة شقيقتها الثلاثينيّة بسبب الإهمال وسوء المعاملة الطبيّة التي تلقتها في أحد المستشفيات.

تقول نانسي لـ”عابر” إن شقيقتها ولاء (اسم مستعار) شعرت في أحد أيام أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بآلام شديدة في المهبل، لم تظنها سوى عوارض “التهابات” ستزول مع الأيام أو بتناول دواء بسيط، لذلك توجهت إلى طبيب ليس مختصًا بأمراض النساء، ما تسبب في مفاقمة الحالة أكثر مع ظهور كتل في نفس المنطقة.

تحفظت ولاء آنذاك على أيّ إجراء طبي يُعرضها لخلع ملابسها أو استعمال “سونار” مهبلي، خاصة وأنها لم تكن متزوجة، لذلك لم تهتم بالأمر إلا حينما امتدت الآلام إلى الظهر والأرجل. ذهبت إلى عدّة أطباء، لكنها لم تستطع تحمل تكلفة الأمر، حتى أحالها طبيب إلى أحد المستشفيات في الإسكندرية.

ذهبت ولاء بصحبة شقيقتها نانسي وأسرتها، فمنعت المستشفى دخول أيّ أحد برفقتها، وظلوا منتظرين عند الباب، مع معاملة سيئة تلقوها منهم.

تضيف نانسي :”عقب دخولها المستشفى، كان من المفترض أخذ عينة من الكتلة التي اتضح فيما بعد أنها ورم حميد، لكن لم يفعل أحد ذلك، وفوجئنا بإبلاغنا دخولها غرفة عمليات قسم الجراحة”. 

وتتابع: “لاقت شقيقتي معاملة عنيفة وسيئة من الأطباء وكذلك الفريق التمريضي”، لذلك خرجت مسرعة لتخبر عائلتها أنها لن تعود أبدًا مهما حدث، خاصة أن الطبيبة لم تراعِ أنها منفصلة عن زوجها منذ 14 عامًا فأدخلت كامل يدها في المهبل، تقول نانسي :”شقيقتي قالت وقتها إنها شعرت كما لو أن روحها تُسحب منها”.

لكن بسبب الآلام التي لم تعد ولاء تحتملها ومع ارتفاع كلفة العلاج الخاص، اضطرت للذهاب إلى ذات المستشفى مرة أخرى، وتكررت نفس المعاملة القاسيّة والعنيفة وغير المهنيّة، واتهمتها إحدى الطبيبات بـ”الدلع” وبأن صراخها بلا داع، كما “لم يطلبوا أيّ عينات أو تحاليل لحالتها الصحيّة وتعاملوا مع الورم أنه “خُراج” فقط وأدخلوها غرفة العمليات ووضعوا مشرطًا طبيًا في المهبل”.

تقرير أشعة مقطعية بالصبغة على الصدر والبطن والحوض، التقرير يشير إلى وجود مرض متقدم

على إثر ذلك، ساءت حالة ولاء وتعرضت لنزيف شديد اضطرهم لحجزها في المستشفى حوالي 3 أسابيع من دون إبلاغ العائلة بما يحدث. تمّ نقل الدم باستمرار من العائلة لولاء، لكن أحيانّا كان يتمّ تجاهل تعويض الدم المفقود منها، بحسب شقيقتها.

وهكذا أدى التعامل الخاطئ مع الورم إلى تضخمه بشكل مضاعف، ما استدعى إجراء تحاليل وأشعة صبغية لكنهم وقبل صدور النتائج، أُجريت لها العملية وطلب منها الخروج إلى المنزل، دون تقديم أيّ معلومات إضافية.

والفاجعة كانت بتلقيها اتصالًا هاتفيًا من المستشفى بعد أيام قليلة من خروجها، مفاده أن نتائج الفحوص المخبرية تثبت أنها مصابة بمرض السرطان وهو في مرحلة متأخرة لا يصلح معه العلاج، وفق ما أكدته نانسي، قائلة: “لم يكن يُفترض التعامل مع حالتها بمشرط كأسلوب جراحي وفي النهاية انتشر المرض في كامل جسدها”، والأسوأ أن المستشفى أخبرها أن لا مكان لها مقترحًا ذهابها إلى مستشفى آخر، والتي رفضت استقبالها أيضًا.

وعلى هذا الحال، مرّت أيام معدودة، وولاء داخل منزلها تعيش على أنبوبة أوكسجين، تصرخ من الآلام في الليل والنهار، والسرطان آخذ في الانتشار في جسدها، حتى ماتت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

تقرير معمل المستشفى الذي يوضح إيجابية عينة الأورام

العنف التوليدي في مصر

تفتقر الدراسات والإحصاءات الرسميّة للأرقام الدقيقة والموثوقة حول العنف التوليدي في مصر، إذ تعتمد الدراسات المتاحة بشكل أساسي على إفادات الضحايا وشهاداتهن المنتشرة مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تلك التي تم تداولها بشأن مستشفيات الإسكندرية وبعض المنشآت الطبيّة.

لكن في ورقة بحثية نشرها مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأميركية في القاهرة، عرّفت العنف التوليدي بأنه أيّ شكل من أشكال الإساءة، الجسدية أو اللفظيّة، وتوجيه الإهانات للنساء أثناء الحمل والولادة وفترة رعاية ما بعد الولادة. كما يشمل دفع  النساء إلى اتخاذ قرارات غير مستنيرة بشأن خيارات الولادة المتاحة لهن مثل الخضوع  للعمليات القيصرية غير الضرورية.

ياسمين أبو العزم هي طبيبة نساء وتوليد ومؤسسة مبادرة “نسوة” لدعم الصحة الجنسيّة والإنجابيّة للنساء، قالت لـ”عابر”: إن “العنف التوليدي موجود منذ قدم الزمن في مصر وليس ظاهرة حديثة ولا حصل لها انتشار مفاجئ، لكن ما تغير هو أن النساء قررت ألا تصمت عنه، معتبرة أنه العنف الذي يبدأ من التقليل من شأن ألم المرأة وقت الولادة سواء في ولادة طبيعية أم قيصرية”.

وصل حد الضرب

وأضافت أن بعض النساء عندما تتخذ وضعية الجلوس بسبب التخدير النصفي تُعنف لفظيًا وتُتهم بالدلال وتُنهر بسبب حركتها إلى أن تكُف عنها، ويتمّ التقليل من ما يشعرون به وقت الولادة الطبيعية خاصة أن ألم المخاض لا يُحتمل وقدرتها على دفع الطفل تعتمد على جهدها، ورغم ذلك يتمّ حرمان بعضهن من مخفف الآلام.

وأشارت أبو العزم إلى أنها شاهدت عنفًا ممارسًا تجاه النساء في وضع الولادة وصل حد الضرب أحيانّا ليس فقط من الفرق التمريضية والطبيّة الرجال لكن من النساء أيضًا في كافة المستشفيات التي عملت فيها. وأضافت أن بعض النساء لا يفقهن أن ما يحدث معهن يسمى عنفًا بسبب برمجة أفكارهن أن كل هذا طبيعي وربما لصالحهن. 

بالعودة إلى ورقة “حلول” المرفقة سابقًا، فإنها تحذر أن العنف التوليدي في مصر، على خلاف الأنواع الأخرى من العنف ضد النساء، يتخذ طابعًا طبيًا، مما يصعب الاعتراف به قانونيًا. ويتمتع الأطباء في هذه الحالات بسلطة مطلقة على النساء، مما يحد من قدرتهن على المقاومة أو التشكيك في الانتهاك.

في السياق ذاته تظهر الدراسات القليلة المتاحة أن مصر تعاني تراجعًا حادًا في جودة الرعاية الطبيّة القائمة على الموافقة المستنيرة أيّ معرفة ووعي النساء بكل إجراء طبي يتمّ اتخاذه ومعرفة الأعراض الجانبيّة المحتملة. ويعد إجراء العمليات القيصرية بناءً على قرارات غير مستنيرة أمرًا شائعًا للغاية، على الرغم من أنها تمثل تدخلًا طبيًا غير ضروري في كثير من الحالات. ويفرضها الأطباء عليهن أحيانًا كثيرة بدافع الاستسهال، أو لتحقيق مكاسب ماليّة، وأحيانّا بسبب ضعف الكفاءة الطبيّة. وتعد مصر من أعلى الدول في الولادات القيصرية إذ بلغت عام 2021 نحو 72.2 في المئة.

ولا تقف الإجراءات الطبيّة غير الضرورية عند ذلك الحد بل تتخطاها إلى عنف جسدي مثل الضغط المتكرر على الرحم أثناء الولادة باعتباره إجراء روتيني، وتحفيز المخاض اصطناعيًا لتسريع عملية الولادة رغم اتساع عنق رحم الأم، وتكرار الفحوصات المهبلية التي تسبب صدمة شديدة للنساء.

في موضع الاتهام

وفي هذا الشأن، تُخبرنا مي الشامي وهي مؤسسة مبادرة “أوقفوا العمليات القيصرية غير الضرورية”، أن النساء لا يبلغن عن العنف التوليدي لأن السائد في مصر عند تعرض المرأة لأيّ مظهر من مظاهر العنف هو أن تتجه أصابع الاتهام نحوها ويُلقى باللوم عليها، لأن المجتمع يرفض مواجهة المذنب.

تؤكد الشامي أنها حين بدأت مبادرتها لم تتوافر إحصاءات ودراسات عن واقع العنف التوليدي والطبي في مصر، لعدم وجود أرقام تظهر بشكل دوري، وهذا ما يفترض أن تقوم به وزارة الصحة والتعليم العالي وكذلك التعبئة العامة والإحصاء.

وتلفت النظر إلى قصور في إثبات حالات العنف التوليدي لعدم وجود آلية لذلك، في الوقت الذي يتم وصم المجني عليهن بالعار عندما يتحدثن عنه، بالإضافة إلى أن الطاقم الطبي من ممرضين وأطباء في الأغلب هم أصدقاء في شبكة معارف متداخلة تُصِعب تقديم أيّ شكوى بحق زميل له وبالتالي تقف شهادة المرأة منفردة بدون دعم حقيقي.

نقابة الأطباء تُعلق

تواصل “عابر” مع الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، خالد الأمين، بخصوص شكاوى بعض المريضات من التعامل غير المهني والمُعنِف أحيانًا من الأطباء خصوصًا في “أكشاك الولادة”، فقال :”باب الشكوى مفتوح أمام الجميع في النقابة والمستشفيات والوزارة وحتّى أقسام الشرطة، ونحن بدورنا نعمل على هذا الملف على أن نخرج بنتائج قريبًا”.

كما أوضح أنه لا توجد لدى النقابة المذكورة إحصاءات رسميّة بشأن عدد الشكاوى التي قُدمت بحق أطباء النساء والولادة.

واستتبع حديثه قائلًا :”المشكلة ليست في الإحصاءات والأرقام، وإنما في استعداء غريب من المجتمع تجاه الأطباء، خصوصًا وأن المنشآت الطبيّة لا تحتوي على أطباء فقط، بل تمريض وأمن وعمال وغيرهم” متسائلًا: “حتّى لو أن هناك عنفًا ممارسًا فهل يُعقل أنه حكرًا على الأطباء؟”.

ولفت النظر إلى أن تصوير ما وصفه بـ”حوادث فردية” من بعض الأطباء وكأنها ظاهرة ممنهجة هو أمر غريب، مستغربًا اختزاله فى اتهام الأطباء فقط، دون الأخذ في الاعتبار “واقع المستشفيات لجهة عدم توافر الأدوية المُسكنة أو الحقن التي تضمن حدوث الولادة بلا ألم، وقلة أفراد الطاقم الطبيّ والأسرة غير المجهزة وغرف العمليات غير الكافية داخل المستشفيات”. 

وأضاف قائلا :”ننسى كل ما ذكر ونقوم باتهام عدد من الأطباء بالعنف لمجرد أنه كان عصبيًا في رده ولو بكلمة واحدة أو لأنه لم يبتسم للمريضة وكذلك إن لم يصغ في حال قالت أنها تتألم، بعد فترة دوام قد تكون 48 أو 72 ساعة بدون نوم” على اعتبار أن رد فعله طبيعيًا بعد مجهود كبير يقوم به الأطباء وبأن النساء يرون في ذلك عنفًا. 

وختم: “هناك مواضيع أهم في البلاد. أما مسألة العنف التوليدي فيُفترض معالجتها من جذورها، ولا ينبغي خلق حالة عداء بين الناس والأطباء”. 

وعلى الرغم من انتشار آلاف الشهادات من ضحايا نساء مررن بأحد أشكال العنف الطبي أو التوليدي أثناء خضوعهن إما لكشف أو إجراء طبي أو عملية ولادة طبيعيّة أو قيصريّة، ومع القصور في إثبات النساء لمرورهن بتلك التجربة بالإضافة إلى القصور القانوني في معاقبة المتسببين في مثل هذا العنف، تظل معاناة آلاف النساء حبيسة مواقع التواصل الاجتماعي دون تغيير حقيقي ملموس يحمي الآلاف في المستقبل.