“أمر طبيعي”.. تعليق لمحامية حول جرائم الشرف يثير الجدل ويحيي المخاوف من التطبيع معها

عابر – الأردن
إسراء الأعرج
في الأيام القليلة الماضية، أثار مقطع فيديو قصير من برنامج يُعرض على إحدى الشاشات الأردنيّة، جدلًا وانتقادات واسعة، بسبب تبرير المحامية الأردنية أريج الرمحي قتل النساء تحت غطاء ما يُسمى “جرائم الشرف”.
وخلال اللقاء، تحدثت الرمحي عن قتل النساء مستخدمة مصطلح “طبيعي” في خطاب تطبيعي وتحريضي فاقع للغاية، ولكنه في نفس الوقت ليس مستجدًا في مجتمعاتنا وتحميه أحيانًا كثيرة العادات والتقاليد الرجعية، لكن المشكلة هنا أن من يتبناه إمرأة ومحامية، تُشجع صراحة على قتل نساء أخريات.
واللافت أكثر، أن هذا الخطاب رفضه الضيف الآخر، وهو رجل لم يقبل بشرعنة قتل النساء تحت أيّ حجة أو مسمى، مؤكدًا على أن تمرير هذا الخطاب يُعد خروجًا عن القانون. ما يشّي بأن المسألة لا تُعبر عن موقف الرجل تجاه الجنس الآخر، وإنما هي منظومة ذكورية أبوية تُكرس خطاب الكراهية ضد النساء.
هذا الفيديو والنقاش الدائر حوله، أعاد إحياء الجدل حول خطاب الكراهية والتحريض على قتل النساء في الأردن وطرح تساؤلات كثيرة، حيال الضرر الكبير الذي قد تُحدثه امرأة تجاه نساء أخريات، قد يصل حد التحريض على القتل وتبريره في حالات كثيرة، والأسوأ أنه صدر على لسان محامية ومن على منبر إعلامي له جمهوره الذي يتأثر به.

بحجة الشرف
وفي الأعوام القليلة الماضية، وقعت جرائم قتل كثيرة تحت الحجة نفسها، إذ قُتلت الشابة نور (19 سنة)، وهو اسم مستعار، حرقًا على يد والدها في عام 2023، بعد أن سكب الرجل الأربعيني مادة البنزين (الفيول) حول فراشها أثناء نومها داخل غرفتها وأغلق الباب، لتواجه مصيرها وحدها بعد إضرام النار في المكان.
كانت نور رغم صغر سنها أم لطفلين صغيرين، تزوجت في عمر 16 سنة، إلا أنها انفصلت عن زوجها الأول بعد مرور عام واحد على الزواج، لتعود وتتزوج من رجل آخر، تنفصل عنه أيضًا، قبل أن يرتكب والدها فعلته الشنيعة هذه.
وخلال التحقيقات، اعترف والد نور أمام المدعي العام، أنه قتل ابنته عمدًا بسبب “شكه” في سلوك ابنته المغدورة.
نساء كثيرات
لم تكن”نور” الوحيدة التي تُقتل على يد والدها بدافع الشرف ففي اربد شمال الأردن، قُتلت الطفلة أنسام (15 سنة) في العام 2023، بـ35 طعنة اخترقت جسدها، ومزقت أحشاءها الداخلية.
كانت أنسام (اسم مستعار) تعيش في بيت جدتها بعد انفصال أبويها وفي أثناء زيارة والدها، شاهدها تمسك الهاتف وتتحدث مع أحد الأشخاص، ما أثار شكوكًا تجاه سلوكيات ابنته ووجودها بعلاقة مشبوهه، ما دفعه لقتلها دون أيّ تردد، وقد أُسند للأب الأربعيني تهمة القتل العمد.
وفي كلتا الجريمتين، لم يتعامل القضاء مع القتل بوصفه حقًا مشروعًا أو فعلًا مباحًا، بل أسند إلى الجانيين تهمة القتل العمد، على عكس ما يحاول ترويجه البعض، لجهة تبرير القانون لقتل النساء في ما يُعرف بجرائم الشرف، ومسألة “العذر المخفف”.

للقانون حق التصرف
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث والمستشار في قضايا المرأة الدكتور عاكف المعايطة، أن القانون الأردني “لم يمنح الأب أو الأخ حقًا قانونيًا بقتل ابنته أو شقيقته، بدعوى الشرف أو عند ضبطها في واقعة زنا، كما أنه لم يمنح الحق بالتدخل في كل الحالات، وإنما حدد ذلك بالزوجة والأصول والفروع”.
وأضاف لـ”عابر”: “وجود نص يتعلق بالعذر المخفف في بعض الجرائم المرتبطة بالشرف لا يعني أن القانون أعطى القاتل حق القتل، مؤكدا أن الأصل في تنفيذ القانون هو الدولة، وليس الأفراد”.
وتابع “في بعض الحالات يأخذ القانون في الاعتبار ما يُسمى بـ”سورة الغضب”، وهي حالة الانفعال الشديد وعدم القدرة على تحمل المشهد عند ضبط الواقعة بالفعل، وفي مثل هذه الحالة قد يستفيد القاتل من العذر المخفف ويترك أمر تقدير ذلك للقضاء”.
وحول الفرق بين وجود عذر مخفف وبين اعتبار الفعل محقًا أو مشروعًا، أوضح المعايطة أن “القانون لا يعتبر الفعل مشروعًا أو محقًا، وإنما يعتبره جريمة يعاقب عليها القانون قد تكون مخففة إذا توفرت جميع أركان الفعل، ومنها أن تقع الواقعة في اللحظة نفسها، وأن تكون هناك حالة تلبس، وأن تتوافر “سورة الغضب”، وأن تكون الواقعة متعلقة بإحدى النساء المذكورات في القانون مثل الزوجة أو الأخت أو الابنة”.
وفيما يتعلق بالتصريحات العلنية التي تبرر أو تُشجع على قتل النساء، أشار المعايطة إلى أن “المسؤول الأول في هذه الحالة هو النيابة العامة، باعتبارها صاحبة الحق في الدفاع عن المجتمع”.
سواسية ولكن
ولفت المعايطة إلى أنه بعد حملات حقوقية كثيرة، مُنحت الزوجة أيضًا حق الاستفادة من العذر المخفف ولكنه محصور فقط بأن يكون الفعل في “فراش الزوجية”، موضحًا أن السبب في ذلك يعود إلى أن القانون أعطى الرجل حق الزواج بأكثر من زوجة، وقد تكون زوجته لا تعلم بهذا الزواج.
ورأى المعايطة أن المشرع كان يسعى من خلال هذا التعديل إلى “تحقيق المعاملة بالمثل، إلا أنه ضيق نطاق تطبيقه للأسباب التي سبق ذكرها”.

لا إحصاءات دقيقة
وفي ظل غياب إحصاءات رسميّة مستقلة ترصد ما يُعرف بجرائم “الشرف”، تبرز أرقام جرائم القتل الأسرية باعتبارها المؤشر الأقرب لفهم حجم العنف القاتل داخل الأسرة.
ووفقا لجمعية معهد تضامن النساء الأردني، شهد النصف الأول من عام 2025، ارتفاعًا مقلقًا في جرائم القتل الأسريّة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. وفي العام 2025، تمّ تسجيل نحو 12 جريمة قتل أسرية بين يناير (كانون الثاني) ويونيو (حزيران)، أسفرت عن نحو 15 ضحية، مقابل 10 جرائم و12 ضحية خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت نحو 20 في المئة في عدد الجرائم و25 في المئة في عدد الضحايا.
وتشير بيانات “تضامن” إلى أن الغالبيّة العظمى من هذه الجرائم ارتكبها أفراد من داخل الأسرة من الدرجة الأولى، حيث توزع الجناة بين الأشقاء في نحو خمس حالات، والآباء في حالتين، والأزواج في حالتين، والزوجات في حالة واحدة، وهو ما يعكس اتساع دائرة العنف داخل الأسرة.

المرأة أشد قسوة
تقول الناشطة النسوية والمديرة التنفيذية لتقاطعات، وهي مجموعة نسوية أردنية تأسست عام 2020، بنان سعاد أبو زين الدين في حديثها لـ”عابر”: إن “المرأة عدوة للمرأة” أحيانًا كثيرة، ليس فقط نتيجة مواقف فردية، بل يحصل ذلك في سياق أوسع يتعلق بالمجتمع والدور الذي تلعبه المنظومة الأبوية والمجتمعيّة والإعلاميّة في تكريس هذا التصور”.
جانب آخر، تتحدث عنه أبو زين الدين، يتعلق بنشأة النساء، ودخولهن دائمًا بتحدي تجاه الآخريان. بما يجعلهن يتوافقن مع هذه المنظومة إلى حد التماهي معها، وبالتالي قد يصبحن جزءا من الأدوات التي تحافظ عليها، أحيانًا بشكل غير واع وغير مقصود، وأحيانًا أخرى بشكل مقصود بسبب ما توفره من امتيازات أو مساحات معينة لهن.
لذلك فإن تفاوت المعرفة والوعي بأهمية التضامن بين النساء يُعد عاملًا أساسيًا في كيفية التعامل مع هذا النوع من الخطاب المرفوض، لأن من المهم تسمية الأشياء بمسمياتها وفهم دوافعها بشكل طبيعي وواضح، بحسب أبو زين الدين.
“لا” لإسقاط الحق الشخصي
وتؤكد زين الدين أن الموضوع لا يتعلق فقط بالفجوة القانونيّة أو بالتبرير، بل أيضًا بآليات التعامل مع جرائم القتل، فوجود بند إسقاط الحق الشخصي يشكل جزءا أساسيًا من حالة التطبيع مع هذه الجرائم، وهو ما يسهم في استسهال قتل النساء والخروج من منظومة العقاب بشكل عادل ومنصف.
وتختم: “المرأة تُقتل مرات عدّة: في كل مرة تلجأ فيها إلى الحماية ولا تحصل عليها، وعندما تغيب العدالة ولا تُنصفها، وفي كلّ مرة يجري فيها التواطؤ مع هذا الفعل لأسباب مختلفة، وعند إخفاء هوية النساء اللواتي يقتلن”.
