القتل البطيء.. الجوع يفاقم معاناة الغزيين

عابر- فلسطين

إسراء الأعرج

“أصعب ما في الأمر أن تأكل ما يفرض عليك لأن لا خيارات كثيرة متاحة أمامنا الآن!” هذا هو حال غالبيّة أهالي غزة، يقول رائد سليمان (55 عامًا)، وهو أحد السكان هناك، إذ بات الحصول على الطعام أمر صعب للغاية بعد أن توقفت غالبيّة المساعدات الغذائيّة. فعلى الرغم من توقف حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال على القطاع لعامين كاملين، إلا أن تبعاتها لا زالت مستمرة حتّى هذه اللحظة لتشكل مرحلة لا تقل صعوبة عن قبل، إذ يواجه السكان القتل البطيء ولكن بطريقة ملتوية تبدأ بالجوع وقد تنتهي بالموت!

“أقسى ما نعيش

وسليمان نازح من حي الشجاعية يقيم راهنًا في “مخيم الحياة الشمولي لذوي الإعاقة” في دير البلح، يروي لـ”عابر” كيف عاش تبعات توقف المساعدات الغذائيّة: “هي واحدة من أقسى المراحل التي مرت عليّ وعلى أسرتي منذ بداية الحرب”، فالجميع كان يعتمد سابقًا على الطرود الغذائيّة، إلا أن انقطاعها دفع كثر منهم للاعتماد على الوجبات التي توفرها التكية للبقاء على قيد الحياة فقط، مؤكدًا أن المعاناة لا تقتصر على نقص الطعام فحسب، بل تمتد إلى فقدان القدرة على اختيار ما يتناسب مع احتياجات الأسرة.

والتكايا هي عبارة عن مطابخ خيرية أو مراكز إغاثية مجتمعية تديرها جهود المتطوعين أو المؤسسات الإغاثيّة لإعداد وتوزيع وجبات طعام جاهزة مجاناً على النازحين والعائلات المحتاجة في القطاع.

يتابع سليمان حديثه ويقول: “لا أملك حاليًا أيّ مصدر دخل رغم أنني ضابط سابق في السلطة الفلسطينيّة لكنني أعيش اليوم في دوامة الإذلال اليوميّ على ما يتوفر فقط دون رفاهية الخيار؛ هذا هو حالنا جميعًا”.

وخلال حديثنا، يذكر سليمان كيف اضطر للتوجه إلى منطقة “نتساريم” بحثًا عن الطعام لعائلته رغم المخاطر التي هددت حياته، لكنه اختار مواجهة الموت من أجل تأمين لقمة العيش لأطفاله: “نريد فقط أن نعيش بقدر من الكرامة؛ لسنا أرقامًا أو عناوين أخبار، بل بشر يتطلعون إلى أبسط حقوقهم الإنسانيّة” يختم سليمان.

شريان الحياة مفقود

ومثل سليمان يعيش غزيون كثر حياة مأساوية وظروفًا صعبة للغاية، إذ تتفاقم أزمة الجوع في قطاع غزة مع استمرار تراجع تدفق المساعدات الإنسانيّة وانخفاض كميات السلع الغذائية، ما يترك 1.7 مليون شخص أمام تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسيّة والبسيطة. ويأتي ذلك في وقت تتسع فيه مؤشرات انعدام الأمن الغذائي، وسط شح الإمدادات وتراجع قدرة الجهات الإغاثيّة على تلبية الاحتياجات المتناميّة للسكان، خاصة الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم ويعيشون في خيام النزوح، معتمدين بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائيّة للبقاء على قيد الحياة.

النازحة من مدينة خانيونس، زاهية فرحات، تقيم راهنًا في دير البلح وسط قطاع غزة، تقول إن الطرود الغذائيّة التي كانت توزعها الجهات الإنسانيّة سابقًا “شكّلت شريان حياة لآلاف الأسر”، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وانعدام مصادر الدخل، إذ “خففت آنذاك من الأعباء المعيشيّة ووفرت الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسيّة للأسر التي فقدت أعمالها ورواتبها بسبب الحرب”.

وتضيف لـ”عابر”: “فقدت منزلي ومصدر رزقي جراء القصف الإسرائيليّ. أُعيل أطفالي الثلاثة وكان اعتمادي على ما يصلني من مساعدات إنسانيّة في وقت سابق” إلا أن انقطاع الطرود الغذائيّة خلال الفترة الأخيرة أدى إلى تفاقم معاناة أسرتها كما هو حال غالبيّة العائلات، بعد أن بات الحصول على السلع الأساسيّة أمرًا بالغ الصعوبة، تُعلق قائلة: “وددت لو أنني أتمكن من تأمين احتياجات أطفالي الأساسيّة؛ أخاف عليهم من الجوع”.

ووفق فرحات، بعض الجهات الإنسانيّة أجرت اتصالات مع الأسر للاستماع إلى آراء الأفراد بشأن آليات الدعم، حيث فضلت بعض العائلات المساعدات النقديّة، فيما شددت عائلات أخرى على أن الأولوية العاجلة التي تتمثل في توفير الطحين على الأقل، لصناعة الخبز ما يحميهم من الموت جوعًا.

مأساة داخل الخيم

“الحقيقة موجعة ومؤلمة ولا توصف، فمن يعيش هذا الواقع الصعب وحده يدرك حجم ما يمر به الناس هنا”، هذا ما قالته أزهار الحوش المشرفة على أحد مخيمات النزوح في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، فالواقع المعيشيّ داخل المخيمات بات “لا يطاق ولا يمكن وصفه بالكلمات” تُعلق الحوش.

وتضيف لـ”عابر”: “معظم الأسر  فقدت مؤونتها الغذائيّة التي كانت تحتفظ بها لاستخدامها عند الحاجة”، علمًا أن المخيم يضم أفرادًا كثر من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهم اليوم بأمس الحاجة إلى المساعدات الغذائيّة والطرود الصحيّة.

وفي هذا السياق، تقول الحوش: “الناس هنا كانت تعتمد بشكل شبه كامل على وجبات التكايا والمطابخ الخيريّة، خاصة المدعومة من المطبخ المركزي العالمي أو المبادرات الفرديّة”، وتوقف غالبيّتها ضاعف مأساة النازحين خصوصًا الذين يواجهون صعوبة في إعداد الطعام ومن يحتاجون إلى أنظمة غذائيّة خاصة تتناسب مع أوضاعهم الصحيّة.

الجميع يعاني

وعن آثار الأزمة الغذائيّة علّقت الحوش: “تبدو واضحة على الأطفال ملامح سوء التغذيّة؛ هذا أكثر ما يؤلمني، إذ لم تعد تتوفر السلع الغذائيّة المناسبة لهم، مثل الحليب المدعم والبسكويت الغني بالفيتامينات” بعدما أصبحت نادرة أو شبه معدومة.

وقد انعكس تراجع المساعدات بصورة قاسية على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة أيضًا، تقول الحوش: “أدى غياب الأغذيّة المناسبة لهم إلى تدهور أوضاعهم الصحيّة وظهور مضاعفات ومشكلات كان بالإمكان الحد منها.

وأكدت على أن التغيرات التي شهدها المخيم كانت جذريّة، فأبعاد وقف المساعدات الغذائيّة لا يقتصر فقط على نقص الغذاء وإنما يهدد حياة الأفراد الذين يعانون من حساسية القمح، والذين يحتاجون إلى أطعمة بديلة خاصة ووجبات محددة يصعب توفيرها في الظروف الحاليّة، فيما لا يتوفر لعائلات كثيرة سوى طهي العدس والبقوليات والمعكرونة وخيارات أخرى جدًا محدودة قد لا تتناسب والوضع الصحيّ للأفراد. 

فجوة كبيرة

رغم أن اتفاق الهدنة نص على إدخال مئات الشاحنات الإغاثيّة يوميًا لتلبية الاحتياجات الإنسانيّة المتزايدة في قطاع غزة، فإن البيانات المتاحة تشير إلى استمرار فجوة كبيرة بين ما تم الاتفاق عليه وما يدخل فعليّا إلى القطاع.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لم تتجاوز نسبة الالتزام بإدخال المساعدات منذ بدء الهدنة نحو 37 في المئة من إجمالي الشاحنات المتفق عليها، إذ دخلت 48.636 شاحنة فقط من أصل 131.400 شاحنة كان يفترض دخولها خلال الفترة ذاتها.

كما أظهرت المعطيات أن شهر مايو (أيار) 2026 شهد مزيدًا من التراجع، حيث دخلت 2.719 شاحنة فقط من أصل 10.800 شاحنة كان من المقرر وصولها، بنسبة التزام بلغت نحو 25 في المئة.  

قرار عمّق المعاناة

في نهاية فبراير (شباط) الماضي أعلنت منظمة المطبخ المركزي العالمي في بيان صادر عنها وقف عمليات الطهي في قطاع غزة بسبب نفاد المخزون من المواد الغذائية ووقود الطهي، في ظل القيود المفروضة على دخول المساعدات عبر المعابر.

وأوضحت المنظمة حينها أن تراجع أعداد شاحنات الإغاثة الواردة إلى القطاع أجبرها على تعليق عمل مطابخها المركزية والتكايا التي كانت توفر وجبات يومية لعشرات الآلاف من السكان.

حاولت “عابر” التواصل مع مسؤولين وعاملين في المطبخ المركزي العالمي للحصول على تعليق حول أسباب توقف توزيع المساعدات الغذائيّة وانعكاسات القرار على السكان في قطاع غزة، إلا أن جميع من تمّ التواصل معهم رفضوا الإدلاء بأيّ تصريحات أو تقديم معلومات إضافيّة تتجاوز ما ورد في البيانات الرسميّة الصادرة عن المنظمة.

فيما حذرت جهات حقوقيّة وإنسانيّة من أن توقف عمل المنظمة سيؤدي إلى تفاقم أزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي، خاصة مع اعتماد أعداد كبيرة من الأسر النازحة والفقيرة على الوجبات التي كانت تقدمها.

قيود مفروضة

من جهته قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة إن المؤسسات الإغاثيّة تواجه ضغوطًا متزايدة تتعلق بآليات تأمين المواد الخام اللازمة لعملها، مشيرا إلى وجود توجه لفرض الحصول على هذه المواد من داخل إسرائيل بدلًا من إدخالها عبر الشحنات القادمة من مصر كما كان يجري سابقًا.

وأضاف أن هذه الإجراءات تفرض أعباء إضافية على العمل الإنساني من خلال زيادة التكاليف التشغيليّة وتقييد خيارات التوريد، بما يؤثر على استقلالية المؤسسات الإغاثيّة وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.

وحذر من أن استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات ينذر بمزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانيّة داخل قطاع غزة، معتبرًا أن تعطيل تدفق الإمدادات الأساسيّة يفاقم معاناة المدنيين ويقوض الجهود الإنسانيّة المبذولة لتلبية احتياجاتهم، ما يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات عاجلة لضمان وصول المساعدات الإنسانيّة دون عوائق، بما ينسجم مع الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.