مستشفيات جنوب لبنان.. أطباء ومرضى تحت مرمى النيران الإسرائيليّة

عابر- لبنان

حنان حمدان

خلال الأيام القليلة الماضيّة، كثف الجيش الإسرائيلي استهدافاته في محيط مستشفيات جنوبيّة عدّة، لا سيّما تلك الواقعة في مدينة صور، ما تسبب بقتل وإصابة أفراد من الكادر الطبيّ والمرضى ووقوع أضرار بالغة في المستشفيات في خرق واضح للقانون الدوليّ الإنسانيّ، حتّى وصل به الأمر إلى حدّ تهديد أحد المستشفيات في قضاء بنت جبيل بحجة “استيلاء” حزب الله اللبناني عليه.

بالأرقام

وتصاعدت وتيرة الحرب على الجنوب بالتزامن مع تحييد العاصمة بيروت. وكانت وزارة الصحة اللبنانيّة قد أعلنت يوم الثلاثاء 2 يونيو (حزيران) أن غارة جوية إسرائيليّة استهدفت محيط مستشفى جبل عامل في مدينة صور، أسفرت عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 127 آخرين من بينهم (أيّ المصابين) 39 من الموظفين الطبيين والإداريين في المستشفى.

وطوال الأشهر الثلاثة الماضيّة، دمرت إسرائيل وفجرت قرى وبلدات بأكملها في جنوب لبنان، وخصوصًا القرى الحدوديّة الأماميّة المحاذية لفلسطين المحتلة، وقرى الصف الثاني وأمرت بإخلاء عدد كبير من القرى والبلدات هناك.

ووفق مركز عمليات طوارىء الصحة العامة، بلغت الحصيلة التراكمية الاجماليّة للعدوان منذ بدء الحرب الإسرائيليّة على لبنان في 2 مارس (آذار) وحتّى 7 يونيو (حزيران) 3613 شهيدًا و11072 جريحًا. أما فيما يخص الاعتداءات على العاملين في الرعاية الصحيّة، فقد بلغ إجمالي الجرحى 386 شخصًا و131 شهيدًا وسُجل 166 حالة اعتداء على فرق الإسعاف.

“لا زلنا هنا”

داخل أروقة مستشفى اللبناني الإيطالي في مدينة صور، لا يزال الطبيب اللبناني ابراهيم فرج صامدًا منذ بدء الحرب الإسرائيليّة على لبنان، يقدم الرعاية الطبيّة والاستشفائيّة للمرضى والمصابين رغم كل المخاطر، يقول: “95 يومًا ولا زلنا هنا. لن نغادر طالما نستطيع تأمين مستلزمات الصمود من أدوية وأجهزة وتقديم خدمة الطبابة والإستشفاء لمن يحتاجها”.

ويضيف لـ”عابر”: “نحن في الصف الأماميّ، نعاني ظروفًا صعبة للغاية بسبب العدوان الإسرائيليّ العنيف والقاسي علينا وواقع الناس مذري هنا؛ نتعرض خلال تواجدنا لمخاطر جمّة، نعرفها، ولكن لا خيار آخر أمامنا”.

وعن الإستهدافات القريبة يقول “تعرضنا في محيط المستشفى لخمس غارات على الأقل، وقد تضررت المستشفى بشكل كبير، وقد أصيب المرضى بالهلع نتيجة تساقط الزجاج علينا”.  

“نحبس أنفاسنا”.. وكأنها اللحظات الأخيرة

هي لحظات صعبة للغاية تعيشها الفرق الطبيّة هناك ويرويها الطبيب فرج: “نحبس أنفاسنا عند سماع صوت كل غارة وكأنها اللحظات الأخيرة، قبل أن نتأكد أننا لا زلنا على قيد الحياة”.

وعلى غرار فرج، لا يزال أطباء كثر وفرق طبيّة وإداريّة يعملون داخل المستشفيات الخاصة في صور، وهي اللبناني الإيطالي، وحيرام وجبل عامل، وكذلك المستشفى الحكوميّ، وتضررت غالبيّتها بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية، إذ تناثر الزجاج وتضررت الجدران وتبعثرت الأدوية والمعدات الطبية على الأرض. لا سيّما في محيط مستشفى جبل عامل، حيث تبرز أثار الغارات بوضوح.

مرّ شريط حياتي أمام عينيّ

يقول إبراهيم وهو أحد العاملين في مستشفى جبل عامل: “كانت الساعة قد تخطت السادسة مساء بقليل، أذكر التوقيت جيدًا، كان يوم إثنين (1 يونيو/ حزيران) حين قصفت إسرائيل مدخل المستشفى، مرّ شريط حياتي أمام عينيّ، قبل أن أنتبه لأحد العاملين وهو ينادي بإسمي كي ننقذ المرضى الذين يتواجدون في غرفة العناية الفائقة بعد أن وقع سقف الغرفة عليهم؛ الحرب قبيحة جدًا”.

وعن تلك اللحظات الصعبة يقول: “ظننت لوهلة أننا سنموت، أصوات المصابين ملأت باحة المستشفى، مرضى وزوار ومصابين، الجميع بحاجة إلى مساعدة؛ هي الكارثة بكل ما للكلمة من معنى” ويضيف: “عشنا أوقاتًا صعبة، لا مجال فيها للإنهيار” ويختم: “سنبقى هنا، لو مهما حصل”.  

وفي 31 مايو (أيار) أصيب 13 شخصًا بجروح، من طاقم مستشفى حيرام في المدينة، جراء غارة اسرائيليّة استهدفت محيط المستشفى هناك وتسببت بأضرار كبيرة فيه، وكان سبق أن تضرر بشكل كبير جراء الغارات العنيفة والمستمرة هناك. ووفق وزارة الصحة تضرّر 17 مستشفى جراء الغارات الإسرائيلية بينما أُغلقت ثلاثة مستشفيات منذ بدء الحرب الإسرائيليّة على لبنان.  

المدينة الساحليّة

وتتعرّض المدينة الساحليّة صور، والتي تأوي راهنًا آلاف النازحين من القرى المجاورة والقرى الحدوديّة، لضربات اسرائيليّة واسعة منذ بدء الحرب، رغم إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان). وقد سبق وحذّر الجيش الاسرائيليّ سكان المدينة والجوار بإخلائها تمامًا تمهيدًا لعمليات هناك، على غرار إنذارات يوميّة كثيرة يصدرها لقرى وبلدات جنوبيّة عدّة.

علمًا أن أبناء القرى الحدوديّة مع فلسطين المحتلة، نزحوا منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين دخل “حزب الله” اللبنانيّ حرب إسناد غزة، ولم يتمكنوا من العودة إلى قراهم بعد.

قلق مضاعف.. “مستشفى تبنين تحت التهديد الإسرائيليّ”

وما يثير القلق أكثر حيال واقع ومصير القطاع الصحي في الجنوب، ما يتمّ الترويج له راهنًا من قبل الجيش الإسرائيلي، بالقول أن حزب الله “استولى” خلال الحرب على مستشفى تبنين الحكوميّ في جنوب لبنان، ونقل إليه جرحاه وقتلاه قبل إخلائهم بواسطة سيارات إسعاف الهيئة الصحيّة الإسلاميّة إلى مستشفى الرسول الأعظم في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ما وضعه كثر في خانه التمهيد لقصفه في الفترة المقبلة.

ففي 3 يونيو (حزيران) نشرت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيليّ إيلا واوية على صفحة “إكس” بيانًا قالت فيه أن “حزب الله” يستغل البنى التحتيّة الطبيّة لخدمة “احتياجاته العسكرية” قبل أن توجّه تهديدًا مباشرًا إلى عناصر حزب الله الذين “يختبئون تحت أسرّة المرضى”، قائلة: “لستم بمنأى عن الاستهداف”. الأمر الذي اعتبرته وزارة الصحة في بيان الأربعاء (3 يونيو) أنه يشكل تهديدًا خطيرًا لمؤسسة مدنيّة حكوميّة لا تزال لوحدها تؤمن الخدمات في قضاء بنت جبيل (جنوب لبنان)، ما يُعد انتهاكًا صارخًا للحماية التي يكرسها القانون الدوليّ الإنسانيّ. ولطالما نددت الوزارة بكل التجاوزات الحاصلة على مستوى القطاع.

من جهتها، نفت مستشفى تبنين الادعاءات الإسرائيليّة ووضعتها في إطار “محاولات تشويه الحقائق وبثّ الخوف بين الموظفين والمواطنين لمنعهم من التوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج والخدمات الصحية” وأكدت أنّها “تؤدي رسالتها الإنسانية والوطنيّة في خدمة أبناء المنطقة والجنوب اللبناني دون أيّ تمييز، منذ أن تأسست عام 1960″، وأنّ المستشفى يواصل عمله حاليًا بالرغم من التحديات والمخاطر “من خلال نحو 70 موظفًا من الكوادر التمريضية والإدارية والفنيّة، إضافة إلى 10 أطباء يواصلون أداء مهامهم الطبيّة بشكل طبيعي، فيما يتلقى حاليًا 7 مرضى الرعاية الصحيّة داخل المستشفى”.

ودعت المستشفى وسائل الإعلام المحليّة والدوليّة إلى زيارة المستشفى والاطلاع ميدانيًا على حقيقة عمله ودوره الإنساني والطبيّ، وناشدت الدولة اللبنانيّة والمنظمات الدوليّة اتخاذ كل ما يلزم لحماية المستشفى والعاملين فيه وضمان استمرار رسالته الإنسانيّة والطبيّة.

خرق للقانون الدوليّ

بمعزل عن الإدعاءات الإسرائيليّة، يلفت خبراء قانون، ومن بينهم المفكرة القانونيّة النظر إلى أن اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949، وهي اتفاقية تُعنى بحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة، تفرض احترام هؤلاء الجرحى والمرضى وحمايتهم. وتنص المادة 12 منها على وجوب احترام وحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في جميع الأحوال.

كما تنص المادة 19 على وجوب احترام وحماية المنشآت الثابتة والوحدات المتحركة التابعة للخدمات الطبيّة في جميع الأوقات، وعدم جواز جعلها محلًا للهجوم، وتُرفع هذه الحماية في ظروف استثنائيّة. وتشترط المادة 21 من الاتفاقية، وكذلك المادة 13 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، أن تُستخدم المنشأة الطبيّة، خارج نطاق وظيفتها الإنسانيّة، في أعمال تضر بالعدو حتى تفقد الحماية المقررة لها.

“لا تكتفي بالقتل والتشويه”

وقال ممثل منظمة الصحة العالميّة في لبنان، الدكتور عبد الناصر أبو بكر إنه في غضون ثلاثة أشهر فقط، تحققت المنظمة من وقوع ما يقرب من 190 هجومًا على الرعاية الصحيّة (11 منها خلال الأسبوع الماضي). لافتًا إلى أن مثل هذه الهجمات “لا تكتفي بالقتل والتشويه فحسب وإنما تحرم الناس من الخدمات الصحيّة وهم في أمس الحاجة لها”. ويُتوقع أن ترتفع الأرقام أكثر في حال استمرت الحرب الإسرائيليّة على لبنان، لا سيّما مع غياب أيّ رادع إنساني أو قانوني يُلزم هذا الكيان بوقف جرائمه أقله بحق الإنسان وسط صمت عالميّ مستغرب وفاقع ومخيف.