بتول علوش … بين الجهاد وعودة الجدل حول اختفاء النساء العلويات في سوريا

عابر – سوريا
أعادت قضية الشابة السورية بتول علوش علامات الاستفهام والنقاش حول ملف اختطاف النساء العلويات في سوريا، بعد سلسلة من الروايات المتضاربة التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي وأحاطت بظروف اختفائها وظهورها بلقاء مصور في منتصف الليل بلبساس وشكل مختلف تماما عما عرفت به.
ووسط انقسام واسع بين من اعتبر ما جرى قرارا شخصيا اتخذته الشابة بإرادتها، وبين من يرى أن الملابسات المحيطة بالقضية تثير مخاوف جدية تتعلق بالإكراه أو الاحتجاز غير المعلن لنساء الأقلية العلوية.
بدأت القصة بإعلان عائلة بتول انقطاع الاتصال بابنتهم عقب مغادرتها السكن الجامعي في اللاذقية بطريقها إلى منزل العائلة في بانياس بريف طرطوس، قبل أن تظهر لاحقا في تسجيل مصور وهي ترتدي الحجاب، مؤكدة أنها لم تتعرض للاختطاف وأنها غادرت بإرادتها للجهاد في سبيل الله، وقناعات كانت لا تستطيع الافصاح عنها بسبب منع عائلتها.
رواية العائلة وتصاعد الشكوك
القضية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما تصاعد الجدل بعد تصريحات متباينة صدرت عن أفراد من عائلتها، لا سيما والدها الذي قال عن استقبال ابنته لهم أنها بدت “كأنها جماد بلا روح”، معتبرا أن مظهرها وطريقة حديثها لا يعكسان حالة طبيعية لها أو أنها تمتلك قرارا حرا بالكامل.
أما الأم فبعد الللقاء قالت في فيديو متداول أن اللباس الذي ظهرت به ابنتها ليس لباسا شرعيا اعتيادي، بل يشبه “لباس السبايا”، مشيرة إلى أنها سألت خلال وجودها في مقر الجنائية عن مكان إقامة ابنتها، فقيل لها إنها موجودة في “مركز للأخوات”، وهو ما دفع العائلة إلى التساؤل عن سبب عدم بقائها مع ذويها إذا كانت بالفعل حرة وغير محتجزة!
ورغم ظهور والد بتول لاحقا في تسجيل أكد فيه أنه التقى بابنته داخل مقر المباحث الجنائية في جبلة، وأنها “ليست مخطوفة”، فإن استمرار التشكيك من قبل العائلة، إلى جانب حالة الانقسام الشعبي الواسعة، أبقى القضية ضمن دائرة الجدل الحقوقي والإعلامي بين حرية النساء اللواتي قد يكن مختطفات.
ضغط هائل
وخلال مؤتمر صحفي عقد بحضور إعلاميين ووجهاء محليين، عادت بتول علوش للتأكيد أنها غادرت منزل عائلتها بإرادتها، ورفضت العودة رغم محاولات الوساطة، فيما قالت الصحفية داليا عبد الكريم، التي حضرت اللقاء، إن الشابة “لم تكن مختطفة” بحسب ما ظهر لها لكنها بدت تحت ضغط هائل وفي وضع لا تحسد عليه.
وفي ظل هذا السياق، يرى حقوقيون أن قضية بتول علوش تكشف حجم الهشاشة الاجتماعية والانقسام الطائفي وانعدام الثقة بالمؤسسات، مؤكدين الحاجة إلى تحقيقات مستقلة تضمن التحقق من أي ادعاءات تتعلق بالإكراه أو الاحتجاز أو الضغط النفسي، مع احترام حق النساء الكامل في اتخاذ قراراتهن الشخصية بحرية ومن دون وصاية أو تهديد.
كما يشدد ناشطون على أن حماية الحرية الشخصية لا يمكن أن تتم بمعزل عن ضمانات واضحة ضد أي شكل من أشكال الاستغلال أو الترهيب، خاصة في القضايا التي تتداخل فيها العوامل الدينية والطائفية والأمنية، والتي تتحول سريعا إلى مادة للاستقطاب والتحريض داخل المجتمع السوري.
توثيق مستمر من عابر
وكانت منصة منصة عابر قد تناولت ملف اختفاء النساء العلويات في سوريا في أكثر من مادة وتقرير سابقة، محذرة من تصاعد الخطاب الطائفي المحيط بالقضية، ومن خطورة التعامل مع حالات الاختفاء أو الادعاءات المرتبطة بها بوصفها مجرد “قضايا فردية” بمعزل عن السياق الأمني والاجتماعي الأوسع.
وسلطت الضوء على حالات يتم فيها خطف فتيات “علويات” وتحويلها لاحقا إلى زواج تحت ضغط اجتماعي.
وأشارت المادة إلى الجدل القائم حول هذه الحالات بين من يعتبرها قائمة على الرضا ومن يراها نتيجة إكراه، في ظل عوامل اجتماعية وعائلية تؤثر على مسارها، والبعد القانوني المرتبط ببعض هذه الحالات، في سياقات إقليمية، حيث قد تؤدي الزيجات الناتجة عنها إلى إسقاط الملاحقة القانونية، وتجريد الضحية من وصفها.
ملابسات واضحة
من جهته، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى وجود “ملابسات” تحيط بقضية بتول علوش، وتحدث عن معلومات متداولة بشأن دور شخصيات أمنية ومحلية في متابعة الملف داخل منطقة جبلة، دون أن يقدم حتى الآن رواية حاسمة ونهائية حول ما إذا كانت الشابة قد تعرضت للاحتجاز أو الإكراه.
كما ربط المرصد حالة الجدل الحالية بحالة التوتر والخوف السائدة في الساحل السوري، في ظل تداول تقارير متكررة خلال الأشهر الماضية عن اختفاء نساء وفتيات من الطائفة العلوية.
تقارير حقوقية وتحقيقات دولية
وتكتسب القضية حساسية إضافية لأنها تأتي في سياق تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية دولية تحدثت خلال الأشهر الماضية عن حالات اختفاء وخطف طالت نساء وفتيات من الطائفة العلوية في مناطق مختلفة من سوريا، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في بداية ابريل الحالي تحقيقا لها يوثق عمليات اختطاف نساء وفتيات من الأقلية العلوية والتي تشكل عشر المجتمع السوري، واصفة هذه العملية بأنها الأكثر “شيوعا” والأكثر “وحشية” مما اعترفت به الحكومة الانتقالية بدمشق.
ووثق التحقيق اختطاف 13 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، إضافة لرجل وطفل، بالإضافة لاستناده إلى عشرات المقابلات مع علويين وثقتها عدد من الجهات مثل اللوبي النسوي السوري والذي أحصى اختفاء 80 امرأة وفتاة علوية منذ أوائل عام 2025 تم تأكيد اختطاف 26 حالة منها.
كما استند إلى أرقام من منظمة العفو الدولية والتي قالت في يوليو/تموز إن لديها تقارير موثوقة عن 36 عملية اختطاف مماثلة ووثقت 8 حالات، بالإضافة للجنة تابعة للأمم المتحدة والتي وثقت 6 حالات وتلقت تقارير موثوقة عن العشرات غيرها بينوا جميعهم أنهم تعرضوا للاختطاف وأقاربهم وآخرين ممن لهم صلة بقضاياهم، مؤكدين أن عمليات الاختطاف هذه شائعة ووحشية في كثير من الأحيان.
