27 منظمة سورية تصدر تقريرا حول مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة في سوريا

عابر- سوريا

تواجه مسارات العدالة الانتقالية في سوريا تحديات معقدة ومتداخلة، تجعل تحقيق المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية مهمة شديدة الصعوبة، رغم تزايد المبادرات الحقوقية والدولية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي رافقت النزاع منذ عام 2011، في وقت تحول فيه هذا الملف إلى محور جدل اجتماعي وسياسي يهدد السلم الأهلي.

وفي هذا السياق، أصدرت 27 منظمة من منظمات المجتمع المدني السوري تقريراً جديداً بعنوان “مسارات المساءلة الجنائية في سوريا”، بهدف وضع خريطة طريق شاملة لتحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.

وأكدت المنظمات المشاركة أن المساءلة الجنائية تمثل ركناً أساسياً في أي عملية عدالة انتقالية، ليس فقط لمعالجة الجرائم السابقة، بل أيضاً لمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الرسمية وتعزيز استقلال القضاء.

وأشار التقرير، الصادر الثلاثاء، إلى أنه جاء ثمرة عملية تشاور استمرت ثمانية أشهر، شارك فيها خبراء قانونيون سوريون وأجانب، ومنظمات مجتمع مدني، وروابط الضحايا والناجين، إضافة إلى ممثلين عن اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين.

ويستعرض التقرير عدة نماذج محتملة لآليات العدالة الجنائية في سوريا، من بينها إنشاء محكمة محلية خاصة، أو محكمة مختلطة تضم قضاة محليين ودوليين، أو اعتماد نهج متعدد المستويات يجمع بين الآليات الوطنية والدولية، مع تقييم مزايا وتحديات كل خيار وفق الواقع السوري.

كما يناقش قضايا الولاية القضائية، وتحديد الجرائم والأشخاص المشمولين بالمحاسبة، إلى جانب استراتيجيات الملاحقة القضائية وأولوياتها، مع التشديد على أهمية ضمان حقوق الضحايا والناجين وإشراكهم في مسار العدالة.

ويتزامن صدور التقرير مع بدء محاكمة مسؤولين بارزين من نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بينهم عاطف نجيب، حيث شدد التقرير على ضرورة تنفيذ إصلاحات دستورية وقانونية ومؤسسية متزامنة لمعالجة الثغرات الموجودة في النظام القضائي السوري، وفي مقدمتها ضعف استقلال القضاء، وغياب إطار قانوني واضح للجرائم الدولية، إضافة إلى العقبات التي تعيق مشاركة النساء في مسارات العدالة والمساءلة.

ويأتي التقرير في ظل ظهور خطوات أولية نحو المساءلة الجنائية داخل سوريا بعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب، وفي وقت تتزايد فيه النقاشات حول شكل هذه العمليات وإطارها القانوني، وسط مخاوف تتعلق بالضمانات القضائية المرتبطة بها، ما يجعل تطوير رؤية واضحة وعادلة ومرتكزة إلى حقوق الضحايا أمراً ملحاً.

وأكدت المنظمات المشاركة أن أي عملية عدالة انتقالية يجب أن تكون “مملوكة وطنياً”، مع الاستفادة من الدعم الدولي دون أن تتحول إلى مسار مفروض من الخارج، مشددة على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا في إنجاح هذا المسار.

ويأتي ذلك فيما تعهدت السلطات السورية بتحقيق العدالة والمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال حكم الأسد، إذ عقدت محكمة سورية في أبريل/نيسان الماضي جلسة لمحاكمة الأسد غيابياً، إلى جانب عدد من المسؤولين البارزين في عهده، بينما مثل عاطف نجيب حضورياً أمام المحكمة.

كما كانت السلطات السورية قد أعلنت في مايو/أيار 2025 تشكيل هيئة العدالة الانتقالية برئاسة الحقوقي عبدالباسط عبداللطيف، بهدف محاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم التي شهدتها البلاد على مدى 14 عاماً من الحرب.

ويشكل غياب الاستقرار الأمني إحدى أبرز العقبات أمام توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحماية الشهود والضحايا، في ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني في عدد من المناطق السورية.

وتزداد تعقيدات الملف بسبب تعدد الجهات المتهمة بارتكاب الانتهاكات خلال سنوات الحرب، إذ لم تقتصر الاتهامات على طرف واحد، بل شملت أطرافاً محلية وخارجية، ما يزيد من صعوبة تحديد المسؤوليات القانونية، إلى جانب تنوع الجرائم بين القتل الجماعي والاعتقال القسري والتعذيب والتهجير واستخدام الأسلحة المحظورة.

كما يواجه ملف العدالة الانتقالية تحديات مرتبطة بغياب التوافق الدولي بشأن سوريا، خاصة بعد تعطل إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية نتيجة استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن، ما دفع بعض الدول الأوروبية ومنظمات حقوقية إلى الاعتماد على مبدأ “الولاية القضائية العالمية” لمحاكمة عدد محدود من المتهمين.

وتبقى قضية المعتقلين والمفقودين من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، في ظل وجود عشرات الآلاف من حالات الاختفاء القسري والمصير المجهول للمعتقلين، ما يجعل تحقيق العدالة مرتبطاً أيضاً بكشف الحقيقة وتحديد مصير الضحايا.

وفي مقابل ذلك، تبرز مخاوف من أن تؤدي المحاكمات الواسعة إلى تعميق الانقسامات أو تهديد أي تسوية سياسية مستقبلية، بينما ترى عائلات الضحايا أن أي عملية سياسية لا تتضمن محاسبة فعلية ستؤدي إلى تكريس الإفلات من العقاب.

ورغم التحديات، يواصل حقوقيون سوريون ومنظمات دولية الدفع باتجاه ترسيخ مسار العدالة الانتقالية باعتباره شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وبناء دولة القانون، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن تجاهل الانتهاكات أو تأجيل المحاسبة قد يهدد أي فرصة لتحقيق سلام دائم في سوريا.