تشدد قانوني متصاعد وأزمة هوية ممتدة…الكويت تعيد فتح ملفات سحب الجنسية

عابر- الكويت

إسراء الأعرج

مع انحسار الحرب الإقليمية مؤقتا، وانشغال المنطقة بإعادة ترتيب أولوياتها، تبدو الكويت وكأنها تعود لمعركتها الداخلية، حيث تتصاعد قرارات سحب الجنسية تحت عناوين “الإصلاح” و”تنظيم الهوية” والتطهير”، لكن خلف هذا الخطاب الرسمي، تتكشف أزمة قانونية وحقوقية مركبة، تتجاوز مجرد مراجعة ملفات التجنيس، بل تتعدى للحق في الجنسية وما يرتبط به من حقوق أساسية.

ومع دخول البلاد مرحلة سياسية جديدة بعد حل مجلس الأمة في مايو/أيار 2024، تصاعدت وتيرة القرارات التنفيذية المرتبطة بالجنسية، في سياق وصفته تقارير حقوقية بأنه انتقال من إدارة الملف إلى إعادة تشكيله.

وبحسب تقرير صادر عن مركز الخليج لحقوق الإنسان، فإن غياب الرقابة التشريعية خلال هذه المرحلة ساهم في توسع نطاق قرارات الجنسية، بما شمل مراجعة آلاف الملفات دفعة واحدة، وإعادة فتح حالات تعود لعقود سابقة.

شخصيات عامة 

في سياق هذه القرارات برزت أسماء لشخصيات عامة ومعروفة ضمن قائمة السحب، في إطار مراجعة موسعة لملفات التجنيس والتبعية، منها اسم الفنان عبدالقادر الهدهود الذي ولد من أب مصري وأم كويتية وحصل على الجنسية لاحقا بناء على هذا الأساس.

وفي حالة أخرى، أعلن المخرج أحمد ريان عبر منصة “إكس” عن سحب جنسيته الكويتية، إذ أن القرار جاء وفق “مادة أبناء الكويتيات”، وكتب “تم اليوم الإعلان عن سحب جنسيتي الكويتية، مادة خامسة أبناء الكويتيات، الحمد لله على كل نعمه، خيرة بإذن الله وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

وتشير المعطيات إلى أن هذه القرارات جاءت ضمن سياق إعادة تدقيق ملفات مرتبطة بفئات حصلت على الجنسية وفق مواد قانونية سابقة. ، يجري حاليا إعادة تدقيقها ضمن مراجعة قانونية جديدة شاملة.

“البدون” ملف يعيد إنتاج نفسه

تشير تقديرات صادرة عن مركز الخليج لحقوق الإنسان إلى أن عدد البدون في الكويت يتجاوز 90 ألف شخص، ما يجعلهم من أكبر تجمعات عديمي الجنسية في المنطقة.

وتصنفهم الدولة كمقيمين بصورة غير قانونية، بينما تشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أنهم يواجهون قيودا في الوصول إلى الوثائق الرسمية والخدمات الأساسية، ما ينعكس على حياتهم اليومية بشكل مباشر.

لكن التطور الأبرز في المرحلة الأخيرة، بحسب تقارير حقوقية، هو أن قرارات سحب الجنسية الأخيرة أدت إلى إنتاج فئات جديدة من عديمي الجنسية، تشمل أشخاصا كانوا مواطنين سابقا ثم فقدوا جنسيتهم، ما وسع دائرة “البدون” خارج تعريفها التقليدي.

بين البدون والجنسية والسحب

وفي قلب هذا الملف المعقد، تبرز حالة الداعية نبيل العوضي كواحدة من أبرز الأمثلة على ديناميكية ملف الجنسية في الكويت، إذ ولد ضمن فئة البدون، قبل أن يحصل على الجنسية عام 1998، ثم يتم سحبها منه عام 2014، قبل أن تعاد إليه عام 2018، ليعود بذلك إلى الدائرة الأولى من مواطن كويتي إلى عديم الجنسية بحقوق محددة وظروف مشروطة.

هذا الانتقال بين حالات قانونية مختلفة يعكس طبيعة الوضع الكويتي، حيث يمكن أن يتغير الوضع القانوني للفرد أكثر من مرة خلال حياته، بين انعدام الجنسية والتجنيس وإعادة السحب، وما يتبعه ذلك من اشتراطات على طبيعة الحياة والمعاملات داخل الدولة.

مراسيم السحب

بدأ الأمر بنشر الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” مراسيم أميرية قضت بسحب الجنسية من 2182 شخصا، إضافة إلى من اكتسبوا الجنسية معهم بطريق التبعية.

ويحدد قانون الجنسية حالات سحب الجنسية الكويتية من الكويتي الذي اكتسبها بالتجنس بناء على عرض وزير الداخلية، وموافقة اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية. من بين تلك الحالات: إذا كان قد منح الجنسية الكويتية بطريق الغش، أو التزوير، أو بناء على أقوال كاذبة.

وتسحب الجنسية ممن يكون قد كسبها معه بطريق التبعية، أو إذا حكم عليه بحكم بات بعد منحه الجنسية الكويتية في جريمة مخلة بالشرف، أو الأمانة، أو بجريمة من جرائم أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أو في جريمة المساس بالذات الإلهية، أو الأنبياء، أو الذات الأميرية، أو إذا استدعت مصلحة الدولة العليا أو أمنها الخارجي ذلك، ويجوز في هذه الحالة سحب الجنسية الكويتية ممن يكون قد كسبها معه بطريق التبعية.

ومن بين هذه الحالات أيضا إذا توافرت دلائل جدية لدى الجهات المختصة على قيامه بالترويج لمبادئ من شأنها تقويض النظام الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو السياسي في البلاد، أو على انتمائه إلى هيئة سياسية أجنبية، ويجوز في هذه الحالة سحب الجنسية الكويتية ممن يكون قد كسبها معه بطريق التبعية.

وتكشف هذه الصياغة القانونية أن نطاق القرار لا يتوقف عند الفرد الأساسي، بل يمتد إلى الزوجات والأبناء وكل من ارتبط قانونيا بالجنسية عبر سلسلة التبعية، ما يجعل أثر القرار أوسع بكثير من الرقم المعلن.

وفي بعض الملفات التي تم تداولها ضمن سياق هذه القرارات، امتدت التبعية إلى أجيال متعددة داخل العائلة الواحدة، في حالات وصفت بأنها امتداد قانوني طويل لسلسلة الجنسية، وصلت في بعض الحالات إلى شخص تفاجأ بسحب جنسيته كون جده السابع عشر قد حصل على الجنسية الكويتية بالتبعية،ما يجعل القرار لا يفهم كإجراء فردي بل كعملية إعادة تفكيك قانونية لسلاسل كاملة من الانتماء.

الإطار القانوني

ينظم قانون الجنسية الكويتي رقم 15 لسنة 1959 هذا الملف، ويقوم على مبدأ أساسي يتمثل في رفض ازدواج الجنسية بشكل كامل.

وينص القانون على إلزام أي شخص يمنح الجنسية الكويتية بالتنازل عن أي جنسية أخرى خلال ثلاثة أشهر، وإلا يعتبر التجنيس لاغيا من أساسه، كما يمنح القانون صلاحيات واسعة للدولة في سحب أو إسقاط الجنسية في حالات تشمل التزوير أو تقديم بيانات غير صحيحة أو ما يصنف ضمن تهديد الأمن أو المصلحة العليا للدولة، مع إمكانية امتداد القرار إلى من اكتسب الجنسية بالتبعية، حيث لا يتوقف القرار عند الشخص الأساسي، بل يمتد إلى كل من اكتسب الجنسية عبره.

عملية تطهير داخلية!

في وقت سابق كان وزير الداخلية رئيس اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية فهد يوسف سعود الصباح، قد قال في ديسمبر/كانون الأول الماضي، إن من سحبت جنسيته سيتمتع بكل المزايا السابقة حينما كان يحمل الجنسية الكويتية.

في حين أكد على أن قانون الجنسية الجديد لن يتضمن مستقبلا أي نص يتيح تجنيس أفراد فئة “البدون”، وهم أشخاص يصنفون كعديمي أو غير محددي الجنسية، ويعيش كثير منهم في الكويت منذ عقود دون اعتراف رسمي بمواطنتهم. وتعود جذور القضية إلى مرحلة الاستقلال عام 1961 وبداية تسجيل المواطنين، حين لم يقيد بعض السكان لأسباب متعددة، ليعتبروا لاحقا مقيمين بصورة غير قانونية، ما أدى إلى أزمة ممتدة أثرت على آلاف الأسر.

وأشار اليوسف إلى أن هناك دولا أبدت استعدادها لاستقبال البدون، في إشارة إلى توجه نحو معالجة أوضاعهم خارج البلاد.

كما كشف عن سحب 1060 جنسية تعود لشخص واحد وامتداداته العائلية عبر أجيال، ضمن مراجعة شاملة لملفات تجنيس رأت الدولة أنها تمت بالمخالفة للقانون أو دون استحقاق.

وفيما يخص المادة الثامنة، التي تسمح بتجنيس زوجات الكويتيين وفق ضوابط محددة، أوضح اليوسف أن 60% ممن حصلن على الجنسية بموجبها قمن باستعادة جنسياتهن الأصلية. مؤكدا انتهاء العمل بما كان يعرف بمنح الجنسية مقابل “الأعمال الجليلة”، وأنه لن يتم مستقبلا منح الجنسية على هذا الأساس.

كما بين أن حالات سحب الجنسية بسبب التزوير ليست محدودة، دون الكشف عن أرقام دقيقة، مؤكدا استمرار عمليات المراجعة والسحب بشكل متواصل. وتعكس هذه الإجراءات توجها رسميا نحو تشديد معايير منح الجنسية وإعادة تنظيم الملف، وسط نقاش داخلي واسع بشأن أبعاده القانونية والإنسانية.

مخاوف جدية واستنكار

من جانبها استنكرت منظمة العفو الدولية ما وصفته بـ”الممارسة البغيضة” المتمثلة في سحب الجنسية من المواطنين المجنسين في الكويت، معتبرة أن القرارات الأخيرة التي طالت عددا من الأفراد، بينهم معارضون وشخصيات إعلامية، تثير مخاوف جدية بشأن استخدامها كأداة ذات طابع سياسي، مشيرة إلى أن توقيت القرارات وسياقها، إلى جانب استهداف شخصيات معروفة بمواقفها المعارضة أو بمنحها منابر للتعبير، يعزز القلق من أن سحب الجنسية قد يستخدم لإسكات الأصوات المنتقدة للحكومة.

ولفتت إلى أن الإطار القانوني الكويتي، وخصوصا قانون الجنسية لعام 1959، يمنح السلطات صلاحيات واسعة لسحب الجنسية من المجنسين عبر مراسيم إدارية، دون توفير ضمانات كافية للإجراءات القانونية الواجبة، وفي مقدمتها حق الطعن أمام القضاء، وأن غياب هذا الحق يضع المتضررين في مواجهة قرارات نهائية لا يمكن مراجعتها قضائيا، ما يثير إشكاليات جدية تتعلق بسيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية.

كما حذرت من أن تطبيق هذه السياسات، في ظل اشتراط التخلي عن الجنسية الأصلية للحصول على الجنسية الكويتية، قد يؤدي فعليا إلى تحويل بعض الأفراد إلى عديمي الجنسية، مؤكدة أن هذا الوضع يتعارض مع المعايير الدولية، لا سيما ما نصت عليه المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن عدم جواز الحرمان التعسفي من الجنسية، إضافة إلى حظر استخدام سحب الجنسية كعقوبة على ممارسة حرية التعبير أو النشاط السياسي السلمي.

تقييد حرية التعبير

في موازاة اتساع قرارات سحب الجنسية، برزت قيود واضحة على تناول الملف علنا، إذ أشارت تقارير حقوقية إلى مناخ من التضييق يحد من قدرة الأفراد والجهات على الخوض في هذا الموضوع.

 ووفق ما وثقته هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في تقارير سابقة، فإن القوانين والممارسات المرتبطة بحرية التعبير في الكويت، بما في ذلك ملاحقة المعارضين وإغلاق منابر إعلامية، أسهمت في خلق بيئة يتجنب فيها كثيرون التحدث في قضايا حساسة مثل الجنسية، ويعزز ذلك ما رافق بعض القرارات من إجراءات طالت وسائل إعلام وشخصيات عامة، ما انعكس على حجم المعلومات المتاحة من الداخل، وأدى إلى غياب روايات مستقلة أو نقاش علني واسع حول تداعيات سحب الجنسية على المتضررين.