اغتيال آمال خليل شاهدا على قتل الحقيقة في ظل خروقات الهدنة جنوب لبنان

عابر- لبنان

إسراء الأعرج

شكل اغتيال الصحفية اللبنانية آمال خليل في جنوب لبنان جريمة تحمل مؤشرات واضحة على الاستهداف المتعمد، لتضاف إلى سلسلة متصاعدة من الإصرار على قتل الصحفيين في لبنان وفلسطين، بعد أن باتت الكاميرا هدفا، والصحفي شاهدا مهددا بالتصفية على يد الاحتلال الإسرائيلي.

ففي 22 نيسان قتلت خليل، الصحفية في جريدة الأخبار، أثناء تغطيتها الميدانية في بلدة الطيري في الجنوب اللبناني، بعد سلسلة من الغارات التي لم تكتف بضرب الموقع، بل أصرت على تصفيتها رغم محاولات النجاه.

اغتيال خليل لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الخروقات المستمرة رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ في 17 نيسان، حيث لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان، مخلفة قتلى وجرحى ودمارا واسعا، في بيئة بات الصحفي فيها يعمل تحت خطر دائم، يتجاوز حدود “المخاطر المهنية” إلى ما يشبه الاستهداف المباشر.

ووفق المعطيات الرسمية اللبنانية، قتل منذ بدء التصعيد الأخير ما لا يقل عن 2475 شخص وأصيب أكثر من 7500 آخرين، بينهم نساء وأطفال، فيما وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل عدد من الصحفيين في لبنان خلال هذه الفترة. كما يتقاطع ذلك مع أرقام مرتفعة لقتل الصحفيين في غزة، ما يعزز المخاوف من وجود نمط عابر للجغرافيا في استهداف الإعلاميين خلال النزاعات.

وفي لبنان، لم تكن آمال خليل الضحية الوحيدة. فقد قتل قبلها عدد من الصحفيين، بينهم علي شعيب، وفاطمة فتوني، ومحمد فتوني، في غارات إسرائيلية سابقة خلال الشهر الماضي، إضافة إلى غادة الدايخ وسوزان خليل في هجمات منفصلة، في سلسلة متواصلة تعكس تصاعد المخاطر التي تواجه الصحفيين.

استهداف مدبر

بدأت الحادثة بحسب ما نقلته مصادر رسمية لبنانية وتقارير إعلامية، عندما استهدفت غارة إسرائيلية مركبة كانت تسير مباشرة أمام سيارة آمال وبرفقتها زميلتها المصورة الصحفية زينب فرج، ما أدى إلى مقتل رجلين لم تعرف هويتهما على الفور وعلى إثر ذلك، توقفت الصحفيتان وحاولتا الاختباء، في ظل إدراكهما أن المنطقة أصبحت تحت خطر مباشر، بعد أن كان الطيران المسير يحلق بكثافة فوق الموقع، ومع تصاعد التهديد، لجأتا أولا للاحتماء في محيط قريب، قبل أن تحاولا الانتقال إلى مكان أكثر أمانا، غير أن القصف لم يتوقف.

إذ أفادت الروايات أن غارة ثانية استهدفت محيطهما، قبل أن تتعرضا لضربة مباشرة أثناء محاولتهما الاحتماء داخل منزل قريب، وقد أدى ذلك إلى إصابتهما بجروح، فيما اشتعلت النيران في المكان، ما فاقم من خطورة الوضع.

الأخطر في مجريات الحادثة، كان ما تلا ذلك من عرقلة الغارات الإسرائيلية لعمليات الإنقاذ، إذ حاولت فرق الإسعاف، التابعة للصليب الأحمر اللبناني، الوصول إلى الموقع، بعد الحصول على تنسيق مسبق، إلا أن الطريق تعرض لغارة جديدة قطعت الوصول، في ما اعتبر محاولة لمنع إنقاذ الصحفيتين.

وبحسب ما أفادت وزارة الصحة اللبنانية فإن سيارة إسعاف واضحة المعالم تعرضت لإطلاق نار وقنبلة صوتية أثناء توجهها إلى المكان، ما حال دون وصولها في الوقت المناسب.

وفي ظل استمرار القصف وغياب القدرة على الوصول، بقيت آمال خليل وزينب فرج لساعات في موقع الاستهداف وتحت الأنقاض، دون إسعاف فعلي، إلى أن تمكنت الفرق لاحقا من إجلاء زينب وانتشال جثمان آمال والبقية.

النجاة من قلب الاستهداف

روت المصورة الصحفية زينب فرج والتي كانت برفقة آمال ما جرى، حيث وصفت اللحظات التي سبقت مقتل زميلتها، قائلة: “عندما وصلنا إلى بلدة الطيري، استهدفت غارة جوية المركبة التي كانت تسير أمامنا، وكان بداخلها أشخاص من معارفي، نزلت فورا من السيارة، واحتمينا أنا وآمال قرب مرآب تحت سقف من القرميد، وكنا نشعر بأن الطيران المسير يركز علينا بشكل واضح”.

وتابعت، بعد لحظات سقط صاروخ بالقرب منا، وأصيبت آمال بشكل مباشر. اقتربت مني وهي تقول زينب أنا أحترق، كانت النيران تشتعل، وحاولت مساعدتها، فسحبتها ودخلنا إلى داخل المرآب، وخلال ذلك كانت آمال تحاول التواصل مع الجهات المعنية لطلب الإسعاف، لكن لم يتمكن أحد من الوصول إلينا، بدأنا نزحف معا حتى وصلنا إلى منزل قريب واحتمينا بداخله، لكنها كانت تنزف بشكل كبير”.

وأضافت فرج، اقتربت آمال مني واحتضنتني، وقالت: لا تتركيني وبعد فترة قصيرة، قالت إنها تشعر بالنعاس وتريد أن تنام مر وقت طويل دون أي استجابة، وفقدنا الأمل مع انقطاع الاتصال، ثم سقط صاروخ آخر على المكان الذي كنا فيه، ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أذكر شيئا، لكنني أدركت أن آمال لم تعد على قيد الحياة.”

تعكس هذه الشهادة حجم المعاناة التي عاشتها الصحفيتان، وأيضا عن تسلسل زمني يتضمن استهدافا واضحا مقصودا ومنع واضح لوصول المساعدة.

انتهاك للقانون الانساني

اتهم رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إسرائيل بارتكاب “جريمة حرب”، معتبرا أن استهداف الصحفيتين وعرقلة وصول فرق الإنقاذ، ومن ثم معاودة قصف الموقع، يشكل انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني.

وأشار إلى أن استهداف الصحفيين في جنوب لبنان لم يعد حادثا عرضيا، بل بات “نهجا متكررا”، مؤكدا أن لبنان سيسعى إلى ملاحقة هذه الجرائم أمام الهيئات الدولية المختصة.

نفي عرقلة الإنقاذ

في المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي استهداف الصحفيين بشكل مباشر، كما نفى عرقلة وصول فرق الإسعاف إلى الموقع.

وأكد في بياناته أن عملياته تستهدف ما وصفها بـ”أهداف عسكرية”، دون الإقرار بمسؤولية مباشرة عن مقتل آمال خليل، رغم اعترافه بوقوع إصابات في صفوف الصحفيين نتيجة الغارات.

انتهاك مزدوج صارخ

من جانبها أكدت وزارة الصحة اللبنانية أن ما جرى يمثل “انتهاكا مزدوجا صارخا”، يتمثل في استهداف مدنيين وعرقلة عمليات الإنقاذ.

وأوضحت أن الصحفيتين تعرضتا لما وصفته بـ”الملاحقة”، حيث تم استهداف المكان الذي لجأتا إليه بعد الغارة الأولى، في حين تعرضت سيارة إسعاف لإطلاق نار أثناء محاولتها الوصول إليهما.

كما أشار الصليب الأحمر اللبناني إلى الصعوبات التي واجهتها فرقه في الوصول إلى الموقع، نتيجة استمرار القصف في المنطقة.

مؤشرات على نمط متكرر

أثارت الحادثة ردود فعل دولية واسعة، حيث أعربت لجنة حماية الصحفيين عن “غضبها” إزاء مقتل خليل، مشيرة إلى أن تكرار استهداف الموقع وعرقلة الوصول الطبي يشكل خرقا جسيما للقانون الدولي الإنساني.

من جهتها، اعتبرت مراسلون بلا حدود أن منع وصول سيارات الإسعاف واستمرار القصف يعكس “استخفافا صارخا” بحياة الصحفيين، ويثير مخاوف من وجود نمط متكرر في استهدافهم.

في سياق ردود الفعل، أدان مركز سكايز (عيون سمير قصير) الحادثة، معتبرا أنها “تضاف إلى السجل الأسود لجرائم الحرب بحق الصحفيين”.

وأكد المركز أن “هذه الجريمة ليست حادثا معزولا، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة ترمي إلى ترهيب الصحفيين وإسكاتهم، من خلال استهدافهم أثناء قيامهم بواجبهم المهني”، مشيرا إلى أن ذلك يشكل “انتهاكا فاضحا للقوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحفيين في النزاعات المسلحة”.

ولفت المركز إلى أن خطورة الحادثة تتضاعف في ضوء ما كشفه من أن آمال خليل كانت قد تلقت في أيلول/سبتمبر 2024 تهديدات مباشرة بالقتل من رقم إسرائيلي بسبب تغطياتها في جنوب لبنان، معتبرا أن ذلك “يؤكد أن ما جرى ليس معزولا، بل امتداد لمسار واضح من الترهيب المسبق انتهى باستهداف دموي”.

وشدد “سكايز” على أن “محاسبة المسؤولين لم تعد مطلبا مؤجلا، بل ضرورة عاجلة”، محذرا من أن استمرار الإفلات من العقاب يؤدي إلى “توسيع دائرة القتل والانتهاكات بحق الصحفيين والمدنيين”.