حماية مفقودة .. اللاجئون السودانيون يواجهون الاعتقال والترحيل في مصر

عابر- السودان
عبدالهادي الحاج
تصاعدت في مصر خلال الأشهر الأخيرة، حملات اعتقال تستهدف اللاجئين السودانيين، شملت اقتحام المنازل والاحتجاز في ظروف مخالفة للقوانين في عدة أقسام شرطة، وصولا إلى ترحيل قسري إلى السودان. ليجد مئات الآلاف أنفسهم عالقين بين نار الحرب التي فروا منها في بلادهم، وإجراءات أمنية مشددة تلاحقهم في بلد اللجوء، في ظل غياب أرقام رسمية توثق حجم هذه الانتهاكات، التي يصفها حقوقيون بأنها مخالفة للقانون الدولي.
لم تقتصر آثارها على الحرمان من الحرية، بل امتدت إلى تسجيل 3 حالات وفاة مؤكدة داخل مقار الاحتجاز، وسط ظروف قاسية تفتقر للرعاية الصحية الأساسية، ما أثار تساؤلات جدية حول مدى التزام السلطات المصرية بالاتفاقيات الدولية، خاصة تلك التي تحظر إعادة طالبي اللجوء إلى مناطق قد تهدد حياتهم.
تهديد ومحاولات اعتداء
يروي اللاجئ السوداني خالد (اسم مستعار) في حديثه لعابر تفاصيل ما تعرض بعدما ترك الخرطوم عقب اندلاع الحرب إلى مصر، قبل أن يغادر لاحقا لرحلة عمل في دولة إفريقية حالت دون عودته بشكل قانوني لمصر بين 2023 و2025 رغم محاولاته المتكررة، إلا أنه عاد إلى السودان ثم دخل مصر مجددا بطريقة غير نظامية، في رحلة وصفها بـ”الشاقة والخطرة” استغرقت أربعة أيام وصولا إلى أسوان ثم إلى القاهرة حيث أقام مع أسرته لفترة قصيرة.
ويوضح أن الشرطة المصرية أوقفته في الشارع ولم تعتد بالوثائق التي بحوزته بحجة عدم وجود إقامة رسمية رغم تسجيله بمفوضية اللاجئين، ليحتجز في قسم بولاق الدكرور بالقاهرة، وكان من المفترض عرضه على النيابة، لكنه أُبلغ بقرار ترحيله دون تحقيق أو استجواب فعلي وعلى إثر ذلك نقل إلى حجز تحت الأرض، حيث كانت الزنازين “ضيقة ومكتظة بشكل شديد وعديمة التهوية”، تضم الغرفة الواحدة عشرات المحتجزين في مساحة محدودة.
ويشير خالد إلى أن ظروف الاعتقال كانت قاسية فتعرض لإصابات وآلام جسدية، نتيجة تكدس المحتجزين خلال الجلوس وعند النوم، فضلا عن انتشار الحشرات وانعدام النظافة، مع محدودية فرص الاستحمام.
وقال إنه تعرض لانتهاكات عدة، شملت الضرب والإهانة والابتزاز المالي من قبل بعض السجناء، واجباره على تحويل مبالغ مالية مقابل ما يسمى “الحماية”، إلى جانب تعرضه لإساءات لفظية ذات طابع عنصري، والتهديد بتلفيق تهم جنائية، إضافة إلى محاولات اعتداء جنسي داخل دورات المياه، ما اضطره إلى المقاومة بشكل متكرر.
لا اعتراف ببطاقات اللجوء
بينما عاد اللاجئ السوداني محمد عثمان لبلاده، بعد أن تم توقيفه في منطقة أكتوبر بمحافظة الجيزة وتعرض لقيود خلال احتجازه رغم أن التعامل المباشر داخل قسم الشرطة كانت أقل قسوة مقارنة ببقية مراحل الإجراءات، إلا أنه منع التواصل مع أسرته أو جهاته القانونية إلا في مراحل متأخرة بحسب ما قاله لعابر، بالإضافة لإجباره على توقيع محاضر دون إتاحة فرصة لقراءتها، إلى جانب إجراءات وصفها بغير الإنسانية أثناء التنقل بين الجهات الأمنية والنيابة والجوازات.
ويضيف أن المحتجز وفق التسلسل القانون يعرض على النيابة ثم يحول إلى جهات أمنية وجوازات للتحقق من أوراقه، في مسار يتم داخل ظروف احتجاز صعبة وغير إنسانية، موضحا أن من لا يملك جواز سفر يحال إلى السفارة لاستخراج وثيقة سفر اضطرارية قبل استكمال إجراءات الترحيل خلال أيام، وغالبا دون تسليم الوثائق أو الاعتراف ببطاقات اللجوء.

الوجهة الأبرز للاجئين السودانيين
منذ اندلاع الحرب منتصف نيسان/ أبريل 2023 استقبلت مصر، التي تعد الدولة الأكثر استضافة بنحو 1.5 مليون سوداني، وفقًا لإحصاءات رسمية، ويمثل اللاجئون السودانيون 73% من إجمالي المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر.
تبدأ إجراءات الحصول على الإقامة في مصر بتسجيل طالب اللجوء لدى مفوضية اللاجئين، حيث يمنح بطاقة صفراء مؤقتة لطالبي اللجوء تتيح له الإقامة المؤقتة بشكل شرعي وتحميه من الإعادة القسرية وتسهيلات في بعض الإجراءات، وبطاقة زرقاء لمن تم الاعتراف بهم بصفة اللاجئ. بعد ذلك، يقوم بحجز موعد لاستخراج الإقامة الرسمية، بينما يحتفظ كثيرون بإيصال يفيد بأنهم في انتظار التسجيل ودراسة طلباتهم.
ووفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 المتعلق بوضع اللاجئين وطالبو اللجوء والتي وقعت عليها مصر، يحق لهم إمكانية البقاء في البلد المضيف وعدم إعادتهم إلى بلدهم الأصلي قسريا.
ظروف اعتقال تفضي للموت
في نيسان/ أبريل 2024، كشف تحقيق مشترك أجرته منصة اللاجئين في مصر ومؤسسة “ذا نيو هيومانتريان” أن الحكومة المصرية كانت تنفذ عمليات ترحيل غير قانونية واسعة النطاق للاجئين السودانيين إلى منطقة حرب، باستخدام شبكة من مواقع الاحتجاز السرية والمقرات العسكرية.
ومنذ بداية العام الحالي 2026 تم توثيق حالات وفاة للاجئين سودانيين بمراكز الاحتجاز المصرية، منهم السوداني النذير الصادق الذي توفي داخل قسم شرطة مدينة بدر بمحافظة القاهرة، بعد 25 يوما من الاحتجاز التعسفي في ظروف غير إنسانية، عقب اعتقاله من أمام محل سكنه بالقاهرة يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2026، رغم تمتعه بوضع قانوني واضح، وهو ملتمس لجوء مسجّل لدى المفوضية، وحمله لوثائق تثبت ذلك وقت توقيفه.
ووفقا لأسرته لم يحتجز داخل غرفة مغلقة، بل ترك في ساحة مكشوفة خارج المباني، حيث تعرض للبرد القارس دون ملابس كافية أو بطانية، في ظل حرمان واضح من التدفئة والغذاء والمياه، ضمن ظروف تفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية.
كما توفى ملتمس اللجوء السوداني مبارك قمر الدين مجذوب، البالغ من العمر 67 عاما، داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة، يوم 5 شباط/ فبراير 2026، بعد 9 أيام من احتجازه بتاريخ 26 يناير 2026 في أثناء قيامه بشراء احتياجات المنزل.
وبحسب شهادة أسرته تم احتجازه في ظروف غير إنسانية من حيث الاكتظاظ الشديد، وغياب أماكن ملائمة للنوم، وضعف التهوية، والحرمان من الرعاية الطبية، رغم تدهور حالته الصحية، بالإضافة إلى أن الأسرة لم تخطر فورا بتدهور حالته الصحية، ولم تمنح فرصة فعلية لمتابعة حالته أو نقله في الوقت المناسب إلى مستشفى مناسب.

ملاحقة رغم الحماية الدولية
ذكرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن حملات ملاحقة اللاجئين والمهاجرين في مصر تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ مطلع 2026، وسط صعوبات في توثيق الأرقام بسبب تقييد الوصول إلى أماكن الاحتجاز والحدود، إلا أن التقديرات تشير إلى اعتقال ما لا يقل عن 3 آلاف لاجئ وطالب لجوء خلال أول شهرين، بينما يقدر محامون العدد بين 5 و10 آلاف، 5 آلاف حالة في أسبوعين فقط من كانون الثاني/ يناير، غالبيتهم من السودانيين، ما دفع كثيرين للبقاء في منازلهم خوفا من التوقيف.
وتنص القواعد الدولية وفق المادة 33 من اتفاقية وضع اللاجئين، على حظر طرد أو إعادة أي لاجئ إلى بلد قد يتعرض فيه للخطر، باستثناء حالات محدودة تتعلق بتهديد أمن الدولة أو صدور حكم نهائي بجريمة جسيمة.
مخالفة صريحة لحماية اللاجئين
يوضح خبير قانوني سوداني (فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) يقيم في مصر لـ عابر، أن ما يحدث مخالف لقانون اللجوء المصري واتفاقية الأمم المتحدة لحماية اللاجئين لعام 1953، كونهم يحملون بطاقات من المفوضية السامية لحقوق اللاجئين التي تمنحهم الحماية.
وبين أن الاتفاقية تلزم الدول الموقعة عليها بتوفير الحماية لكل لاجئ يلجأ إلى أراضيها بسبب الحروب أو غيرها من الظروف القسرية، مؤكدا أن مصر من الدول المصادقة على الاتفاقية، ما يلزمها بتوفير الحماية لأي لاجئ حاصل على بطاقة من مفوضية اللاجئين.
وتابع لكن هذه الحماية لا تمنح في كثير من الحالات، إذ يتم توقيف بعض اللاجئين رغم حملهم للبطاقة، وهو ما يعد مخالفة صريحة لالتزامات مصر الدولي، مبينا أن السلطات المصرية أصدرت خلال العام الماضي “قانون اللجوء المصري”، بهدف تنظيم إجراءات اللجوء وتحديد آلياته، إلا أن القانون لا يطبق بالشكل المطلوب على أرض الواقع.
وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية، أوضح أن اللاجئ في مصر يعامل كمقيم أجنبي، إذ تلزم السلطات المصرية اللاجئين بالحصول على إقامة رسمية، حتى في حال امتلاكهم بطاقة من مفوضية اللاجئين، وعادة ما تحدد المفوضية مواعيد لاستخراج الإقامة من مصلحة الجوازات بعد فترة قد تمتد إلى عامين أو ثلاثة، لكن بعض اللاجئين يتعرضون للتوقيف رغم حملهم مستندات تثبت مواعيد حصولهم على الإقامة.

عودة طوعية وإنفاذ للقانون
أعلنت السفارة السودانية في القاهرة في فبراير الماضي، عن حزمة تسهيلات جديدة لرحلات “العودة الطوعية” للسودانيين المقيمين في مصر، شملت إطلاق منصة إلكترونية لتسريع إجراءات العودة.
وكان جهاز المخابرات العامة السوداني، قد أطلق مبادرة للعودة الطوعية المجانية تستهدف السودانيين المقيمين في مصر، وأعلن تخصيص أرقام على تطبيق واتساب للتواصل مع الراغبين في الاستفادة من المبادرة، بما يضمن تسريع الإجراءات وتنظيم عملية العودة.
أما على صعيد الحكومة المصرية فقال مصدر مسؤول، أن جهات إنفاذ القانون في مصر تلتزم بالأطر القانونية والتشريعية في تعاملها مع ملف اللاجئين، موضحا أنه يتم ترحيل أي أجنبي من البلاد وفقا لما ينص عليه القانون، سواء في حال ارتكابه جريمة تستوجب الإبعاد أو عدم حيازته الأوراق والمستندات اللازمة للإقامة بشكل قانوني، وذلك دون تمييز بين الجنسيات وفي إطار مؤسسي.
رفض وادانات دولية
المفوضية السامية أكدت أنها لا تروج ولا تسهل للعودة إلى المناطق التي لا يمكن فيها ضمان السلامة والكرامة الإنسانية واستدامة الاحتياجات الأساسية للحياة، كون الأوضاع لا تزال في السودان غير مستقرة للغاية، مع استمرار النزاع، وتدمير البنية التحتية، ومحدودية الوصول إلى الخدمات.
فيما حذر أربعة من مقرري مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مذكرة مشتركة وجهت للحكومة المصرية، من تصاعد الاعتقال التعسفي والترحيل القسري بحق اللاجئين وملتمسي اللجوء، مؤكدين أن ذلك يرافقه تراجع في الحماية القانونية التي يكفلها الدستور.
من جانبها أعتبرت منظمة العفو الدولية أن حملات الإعتقالات التعسفية وعمليات الترحيل غير المشروعة التي تنفذها السلطات المصرية خلال الشهور الأخيرة، والتي استهدفت لاجئين وطالبي لجوء دونما سبب سوى وضعهم القانوني المتعلق بالهجرة غير النظامية، تمثِل انتهاكا صارخا لمبدأ عدم الإعادة القسرية ولأحكام قانون اللجوء المصري نفسه.
