منسيون في بغداد.. جرحى غزة ومرافقيهم: “أعيدونا إلى القطاع”

عابر_العراق
منير الجبوري
بعد مرور أكثر من عامين على انتقالهم لتلقي العلاج داخل مدينة الطب في بغداد، يعاني عشرات الفلسطينيين ظروفًا صعبة للغاية، يصفونها بـ”الاحتجاز” بسبب عدم تمكّنهم من العودة إلى قطاع غزة وغياب أيّ بوادر خير تشّي بعودتهم في وقت قريب، وسط إجراءات تُقيد حركتهم.
بدأت القصة في العام 2024، حين قررت الحكومة العراقيّة استقبال جرحى غزيين وتقديم العلاج لهم. وهذا ما حصل بالفعل، انتقل 46 فلسطينياً: 21 مريضًا ومرافقيهم. من بين هؤلاء مرضى أورام وفشل كلوي وجرحى حرب. لكن هذه الخطوة الإنسانيّة تحولت فيما بعد إلى معاناة طويلة، بعدما تركوا بلا وثائق رسميّة وتمّ تجاهل رغبتهم في العودة إلى القطاع رغم انقضاء فترة علاجهم.
جئنا لتلقي العلاج، ولكن
وفي هذا السياق، يروي عدد منهم لـ”عابر” تفاصيل رحلة علاجهم، الصعوبات المعيشيّة والماديّة التي يواجهونها وكيف تحول هذا المستشفى من مركز قصدوه لتلقي العلاج إلى زنزانة كبيرة.
تقول هدى (اسم مستعار) وهي جريحة حرب: “لا نزال نسكن مستشفى مدينة الطب منذ أتينا إلى العراق” وتضيف لـ”عابر”: “كان يوم أربعاء من ليل 22 مايو (أيار/2024)، أذكر هذا التاريخ جيدًا. نُقلنا بطائرة عسكرية تابعة للجيش العراقي من مصر. وصلنا عند الساعة 11 ليلًا إلى المطار العسكري، ومن ثمّ تمّ نقلنا بسيارات إسعاف إلى المستشفى المذكور”.
وخلال حديثها، تروي لنا هدى كيف بدأت رحلتها من غزة: “نُقلنا بداية لتلقي العلاج في أحد مستشفيات مصر، ولكن بسبب عدم توفر العلاج المناسب لنا سافرنا إلى العراق. أبلغتنا اللجنة الطبيّة العراقية المسؤولة آنذاك، أن رحلة علاجنا لن تستغرق أكثر من ستة أشهر”.
وتتابع: “فور وصولنا إلى العراق، سلم الجانب المصري أوراقنا الثبوتية للسلطات الأمنيّة العراقيّة، وهي تحتفظ بها حتّى اليوم، رغم مطالباتنا المتكررة باسترجاعها”. علمًا أن هدى (43 سنة) لديها أطفال في غزة: “أفتقدهم جدًا، مؤسف أنني غائبة عنهم منذ أكثر من عامين”.
حياة معلقة
تُحدثنا أكثر عن حالها راهنًا فتقول: “نحن مقيدون ومحتجزون، لا نستطيع التحرك بحرية، لا نملك أوراقًا ثبوتية؛ تمّ تزويد بعضنا بجوازات سفر خالية من أيّ ختم يثبت دخولنا إلى هذه البلاد. أخاف أن أتنقل فيتمّ اعتقالي بسبب ذلك”.
وتعاني هدى كما غالبيّة المرضى والمرافقين، أوضاعاً معيشية صعبة: “لدي قليل من المال، لا يكفي لشراء حاجاتي الأساسيّة؛ الأمر مرهون بالمتبرعين” إذ تعتمد على تبرعات ومساعدات إنسانيّة تُقدم لهم، في ظل عدم توفر أيّ مصدر دخل خاص بهم.
تقول هدى: “تلقينا وعودًا كثيرة، من جهات عراقية وفلسطينية رسميّة، ولكن لا شيء تحقق” وتختم: “أفتقد عائلتي، وأشعر بحزن عميق؛ أود العودة إليهم ليس أكثر”.
أصابني الخبيث وأخاف اعتقالي
أحمد (اسم مستعار) واحد من هؤلاء المرضى الذين انتقلوا سوية إلى العراق، يقول لـ”عابر”: “أتيت إلى هنا لتلقي العلاج بعد أن أصاب جسدي ورم خبيث، وللأسف مرّ الوقت وما زلت هنا”.
وأحمد (45 عامًا) أب لخمسة أولاد يريد العودة إلى غزة ولا يكترث لأيّ شيء آخر: “قبل مدة قصيرة، قيدت إدارة المستشفى حركتنا داخل المستشفى ومُنعنا من الخروج حتّى الى الحديقة، تدخلت السفارة الفلسطينية، وانتهى الأمر”. عرف بعدها المرضى أن هذا القرار أتى على خلفية طرح قضيتهم على الإعلام، ورفع صوتهم عاليًا، حسبما يقولون.
ويضيف “لا يمكنني مغادرة المستشفى أو التجول براحة خوفًا من أن يتمّ اعتقالي وحجزي في مراكز التحقيق قبل إثبات هويتي؛ هذا أمر صعب للغاية”.
وعن الواقع المادي، يؤكد أحمد: “فور وصولنا، قدمت الحكومة العراقية لكل منا ثلاثة ملايين دينار عراقي (حوالي 1960 دولار) وبين فترة وأخرى تصلني تبرعات عينية وبعض المال وهو يتراوح بين 25 الى 50 الف دينار (أي 16 و32 دولار)”، وعادة ما يُرسل المرضى مبلغًا مالي لعائلاتهم في غزة، ويشترون حاجياتهم من دواء وغذاء.
“أريد العودة”
وعن هاجس اللجوء في العراق يُعلق أحمد: “لا نية لنا” ويسأل: “لماذا أطلب اللجوء هنا؟ ومن سبقنا لم يحصّل أيًا من حقوقه، حتّى أنه لا يمكن أن يتملك منزلًا خاصًا، جل ما نريده أن نعود إلى وطننا”.
وترفض غالبيّة الفلسطينيين فكرة اللجوء في بلد آخر خوفًا من تكريس تهجيرهم الدائم وضياع حقهم في العودة إلى وطنهم وعدم تمتعهم بالحقوق المدنيّة خصوصًا لجهة التعقيدات القانونيّة التي تواجههم في بلدان المهجر. ويُعامل الفلسطيني كالعراقي في كافة الحقوق والواجبات، مثل التعليم المجاني والرعاية الصحية والتوظيف باستثناء الحق في الحصول على الجنسية والتملك العقاري، حفاظًا عل حق العودة، وفق قرار رقم 202 الصادر عام 2001.
قانونيًا
وفي سياق متصل، تقول المحامية ورود التميمي: “يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة واحدة وبغرامة تتراوح بين 500 الف ومليون دينار عراقي، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل أجنبي دخل جمهورية العراق وتواجد فيها دون أوراق ثبوتية مثل جواز السفر النافذ أو سمة الدخول والإقامة المشروعة”. ما يؤكد مخاوف المرضى من أيّ اعتقال لأنهم غير مستوفين للشروط القانونيّة.
وتضيف لـ”عابر”: “يمكن للجهات الأمنية المختصة اتخاذ اجراءات التوقيف والاعتقال التحقيقي أو الإبعاد بحقهم، وفق ما جاء في نص المادة 39 من قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017”.
لرفع الصوت عاليًا
ويطالب المرضى وسائل الإعلام والصحافيين وحتّى المؤثرين، برفع صوتهم عاليًا وتسليط الضوء على قضيتهم، إذ ربما تشكل ضغطًا على المسؤولين باتجاه الوصول إلى حل.
تقول الصحفية الفلسطينية، جنى حسن، وهي من المتابعين لهذا الملف: “المرضى مقيدون ولا يتمتعون بحرية الحركة” وتضيف لـ”عابر”: “تمّت معاقبتهم بسبب مناشداتهم الإعلامية، فمنعوا من النزول إلى الحديقة”.
في الطابق الخامس
وكانت حسن قد طرحت قضية المرضى في وقت سابق: “أحدهم يعاني ظروفًا نفسية صعبة بسبب شعوره بأنه محتجز، فهم عادة ما يتحركون في الطابق الخامس حيث يسكنون ويتلقون العلاج، أو في حديقة المستشفى، فيما يُسمح لهم أحيانًا الخروج لشراء علاجات لا توفرها المستشفى”، وتلفت حسن إلى أهمية أن يكون للصحفيّين والاعلاميّين والمؤثرين دورًا في نقل معاناة هذه الفئة.
جوازات غير مختومة
وأصدرت السفارة الفلسطينية في بغداد جوازات سفر جديدة لمن يفتقرون إليها، لكنها غير مختومة من السلطات العراقيّة، ويشكو المرضى والمرافقين من أن هذه الجوازات غير صالحة للسفر أو المعاملات الرسميّة وحتّى للتنقل خارج المستشفى.
من جهته أكد مسؤول ملف المرضى والجرحى في سفارة فلسطين في العراق رائد عدنان لـ”عابر”: أن “السفارة أصدرت 33 جواز سفر للمرضى والمرافقين، فور وصولهم للعراق ومن دون أيّة رسوم” لكنها بقيت لدى السفارة بطلب من وزارة الخارجية العراقية.
وأضاف: “قبل حوالي ثلاثة أسابيع، قمنا بتسليمها للمرضى والمرافقين ولم يبق لدينا أيّ وثيقة تخصّهم”. وعن عرقلة عودتهم إلى غزة قال: “لم ترفض أيّ جهة ذلك: العائق الوحيد هو معبر رفح الذي يسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي، وتقنين الدخول عبره”.
غزة أو مصر
وعن التحركات الراهنة، يقول: “نتواصل مع جميع الجهات ذات العلاقة لتسريع عودتهم، خاطبنا وزارة الخارجية العراقية ونظيرتها الفلسطينية وكذلك السفارة المصرية. أمامنا أمر من اثنين، إما إعادة المرضى ومرافقيهم مباشرة إلى غزة عبر معبر رفح، أو العمل باتجاه محاولة نقلهم إلى مصر تمهيدًا لادخالهم للقطاع عند أول فرصة، الأمر الذي يتطلب موافقة مصرية”.
ولهذه الغاية زودت السفارة المعنيين في وزارة الخارجية لائحة بأسماء المرضى والجرحى وأرقام وثائقهم لتسريع دخولهم.
على مقلب آخر، أكد عدنان أن السفارة على تواصل مستمر مع المرضى وإدارة المستشفى على حد سواء، وقد تمّ توفير بعض الاحتياجات التي طلبها المرضى، مثل الدواء.
وختم “نؤكد أن نقل المرضى والجرحى الى العراق حصل باتفاق عراقي مصري بعد توجه وفد طبي عراقي الى مصر، نحن كسفارة نولي هذا الملف أهمية خاصة ونجعله أولوية لكن وفق الامكانيات والصلاحيات والقوانين المتاحة”.
واقع مأزوم/ بالأرقام
ويعيش أهالي قطاع غزة واقعًا إنسانيًا كارثيًا وغير مسبوق، حيث تظافرت الحرب والجوع الممنهج والانهيار الصحي الشامل لتحول القطاع إلى منطقة منكوبة بالكامل. وقد نزح معظم سكان غزة أيّ نحو 2.1 مليون نسمة من منازلهم، واضطر معظمهم للنزوح المتكرر والعيش في خيام أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
ووفق أرقام وزارة الصحة الفلسطينية/ غزة فقد تخطى العدد التراكمي للشهداء منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى 15 يونيو (حزيران) الـ73 ألفًا، و173 الف إصابة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القطاع بات يضم أعلى نسبة أطفال مبتوري الأطراف في العالم مقارنة بعدد السكان، فيما تضررت المنظومة الصحية هناك وباتت شبه خارجة عن الخدمة جراء العمليات العسكرية المباشرة.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة والمؤلمة، وبعد سنوات من الانتظار، يترقب الجرحى ومرافقيهم أيّ تدخل أو قرار يضع حد لمعاناتهم ويُعيدهم في أقرب وقت إلى وطنهم، حيث ولدوا وترعرعوا ولديهم عائلة وأناس يشتاقون لتواجدهم معهم، حتّى ولو كان خيارهم الوحيد السكن برفقتهم داخل خيمة، قد تنعدم فيها متطلبات الحياة الأساسيّة والبسيطة.
