في العراق.. أطباء أسنان مع وقف التنفيذ

جلجامش نبيل

خرّيجون لا تُعيِّنهم الدولة ولا يسمح لهم القانون بالعمل الخاص محمود باع بيته وعمل في مصنع براميل بعد أن أنفق 38 ألف دولار على شهادته؛ ومحمد حضر أكثر من مئة لقاء سياسي دون جدوى؛ وكمال ينهي يومه الطبّي بستة دولارات. قصصهم باتت القاعدة لا الاستثناء. في غضون أقلّ من عقدين، حوَّل العراق شهادة طبّ الأسنان من تذكرة مضمونة نحو مهنة مرموقة إلى عبء يُثقل كاهل أصحابها. فمنذ عام 2003، تضاعف عدد كلّيات طبّ الأسنان من خمس كلّيات حكومية إلى عشرات الكلّيات الحكومية والأهلية، دون أن تواكب هذه الطفرة أيّ خطة لاستيعاب الخرّيجين في سوق العمل.

محمود: من معدّل 95 إلى مصنع البراميل

محمود عبد الحكيم الحديدي — خرّيج طبّ أسنان من الموصل

في عام 2018، التحق محمود عبد الحكيم الحديدي بكلية طبّ الأسنان في إحدى جامعات الموصل الأهلية بمعدّل 95، وكان الأوّل في عائلته الذي يشقّ طريقه نحو مهنة طبّية. خمس سنوات أنفقت عليها أسرته ما يزيد على 38 ألف دولار، بعيداً عن تكاليف المعيشة اليومية. وحين تخرَّج عام 2023 ضمن دفعة وُعدت بالتعيين، اصطدم بجدار الواقع. أنا أوّل شخص يدخل المجال الطبّي في عائلتي. فكيف لي أن أجد فرصة وأنا لا أملك واسطة؟ _محمود عبد الحكيم الحديدي

ما تلا ذلك لم يكن مجرّد بطالة، بل كان انهياراً متراكماً. أُصيبت والدته بجلطتَين دماغيتَين، ويحتاج والده إلى عملية قلب مفتوح، وتحت وطأة هذه الأزمات المتلاحقة، باعت الأسرة بيتها وسيارتها. اضطرّ محمود إلى العمل في معمل للبراميل البلاستيكية بأجر يومي لا يتجاوز 9 دولارات. والآن لا نملك بيتاً ولا أرضاً ولا أيّ شيء في هذا البلد. هكذا تُعامَل الكفاءات. _محمود

لم يقعد محمود مكتوف الأيدي؛ شارك في 44 مظاهرة في بغداد، واعتصم مع زملائه شهرَين أمام وزارة الصحة. وحين خرجوا في إحدى تظاهراتهم الكبرى في وسط العاصمة، واجهوا هراوات قوّات مكافحة الشغب. ثمرة كلّ ذلك كانت قراراً حكومياً وعد بالتعيين في العام التالي، وعدٌ لا يزال حبراً على ورق. لكم هو مهلك أن تولد في العراق، بلد القوانين حيث لا تُطبَّق القوانين. انتظرنا ثلاث سنوات، وبعد شهر ندخل عامنا الرابع. متى سنكمل التدرّج؟ متى سنجازي أهالينا؟

_محمود، وهو يقترب من الثلاثين

أزمة بنيوية لا قصة فردية قصة محمود ليست استثناءً، بل هي النمط الذي بات يتكرّر في كلّ محافظة عراقية. والأزمة في جوهرها مزدوجة: فالدولة التي اعتادت تاريخياً على تعيين خرّيجي المهن الطبّية في مؤسساتها الصحّية لم تعد قادرة أو راغبة في الوفاء بهذا الالتزام، فيما يحظر القانون العراقي الصادر عام 2000 على خرّيجي طبّ الأسنان العمل في القطاع الخاص قبل إتمام ثلاث سنوات من التدريب في المؤسسات الحكومية. وإذا كانت هذه الأرقام مقلقة اليوم، فإن ما ينتظر الأفق أكثر إثارةً للقلق؛ إذ يوجد حالياً 65 ألف طالب في كلّيات طبّ الأسنان على امتداد البلاد، فيما عدا إقليم كردستان العراق، يُتوقَّع تخرّجهم جميعاً بحلول عام 2029، في بلد لا تتجاوز حاجته الفعلية وفق معايير منظمة الصحة العالمية بضعة آلاف من الأطبّاء.

محمد علي عاتي: مئة لقاء سياسي بلا جدوى محمد علي عاتي خلال مظاهرة لخرّيجي طبّ الأسنان أمام وزارة الصحة العراقية على بُعد أكثر من مئتي كيلومتر جنوباً في كربلاء، يروي محمد علي عاتي القصّة ذاتها بصوت من يعرف تفاصيل الملفّ ظهراً لبطن. تخرَّج عام 2023 بعد أن دفع ما يعادل 7,600 دولار سنوياً لخمس سنوات في إحدى جامعات المحافظة الأهلية، وشارك في أكثر من 100 لقاء سياسي و31 وقفة احتجاجية، وأرسل عشرات الرسائل الرسمية إلى الجهات المعنية. نحن الدفعة الأولى التي تُحرم من حقّها في التعيين رغم أن مجلس النواب صوَّت لتعيين خرّيجينا في المؤسسات الصحّية الحكومية، لكن وزير الصحة قرَّر بخلاف ذلك وعيَّن الآخرين دوننا. — محمد علي عاتي

لا يكتفي محمد بسرد مظلمته الشخصية، بل يُشخِّص المعضلة بدقّة من يعيشها ويرصدها في آنٍ واحد. يُدير اليوم منصّة رقمية متخصِّصة في طبّ الأسنان، لكنه يصف سوق العمل بأنه «منهار بشكل كارثي». ويرى أن خفض معدّل القبول في الكلّيات الأهلية إلى ما دون 80 في المئة، في غياب أيّ ضوابط تنظيمية، أغرق المهنة. هل يُعقل أن أتدرّب مجاناً وأنا أخطّط للزواج وإنشاء عائلة؟ من دفعتنا وحدها، بقي 21 ألف شخص دون تعيين. — محمد علي

كمال: شهادة طبّ خلف طاولة مولّدات الكهرباء

ما يصفه محمد من الزاوية السياسية، يعيشه كمال أحمد (اسم مستعار) في تفاصيله اليومية المُضنية. هذا الخرّيج من جامعة كركوك الحكومية عام 2025 بمعدّل يتجاوز 99 في المئة، يجلس كلّ صباح خلف طاولة في محلّ والده لبيع مولّدات الكهرباء. ليس لأنه رسب أو هجر الدراسة، بل لأنه يحمل شهادة لا تجد سوقاً. قبل خمس سنوات، في خضمّ إغلاقات وباء كوفيد-19، التحق كمال بالكلّية مؤمناً بأن الشهادة ستفتح له باب عيادةٍ خاصّة أو وظيفةٍ حكومية مضمونة. لم يكن وحده في هذا الرهان؛ ففي تلك السنوات تضاعف عدد الكلّيات وخرّيجيها، وازداد الإقبال على دراسة الطبّ في ظلّ تضاؤل فرص العمل في القطاعات الأخرى.

دفعة كوفيد-19: اكتظاظ وانخفاض جودة التعليم في عام 2020، التحق كمال بالكلّية رفقة 180 طالباً وطالبة آخرين، بما فيهم 15 من طلّاب المعادلة، وهم طلّاب يحملون شهادات من جامعات أجنبية ويسعون لمعادلتها في العراق. يذكر كمال أن تلك الدفعة استثنائية من ناحية العدد بسبب ظروف وباء كوفيد-19، حيث حقَّق العديد من الطلّاب معدّلات مرتفعة بفعل تقليص المناهج وتأجيل الامتحانات. قُبلتُ بمعدّل 99.17 في المئة، وكان أقلّ معدّل للقبول في كلّيات الأسنان حينها 98.33. شخصياً، كنتُ سأحصل على معدّل 94 في المئة في العادة، لكن تأجيل الامتحانات النهائية وتقليص المناهج إلى النصف وسهولة الأسئلة غير المسبوقة ساهم في ارتفاع المعدّلات. — كمال أحمد

خرّيجو الكلّيات الأهلية وطلّاب المعادلة لكنّ المشكلة في نظر كمال تكمن في تضخّم عدد كلّيات طبّ الأسنان الأهلية وانخفاض معدّلات القبول فيها. في سنة قبولنا، انخفض معدّل القبول في الكلّيات الأهلية إلى 79.5 في المئة. كما تمكّن الطلّاب القادمون من الخارج من فتح ملفّ معادلة بمعدّلات أدنى من ذلك، بعد أن أمضوا عاماً دراسياً واحداً في دول مثل إيران ومصر وأوكرانيا وأذربيجان قبل العودة للدراسة في العراق. — كمال

في كركوك وحدها، يقول كمال إن خرّيجي إحدى الجامعات الأهلية بلغوا 450 خرّيجاً في حفل تخرّج واحد، بينما لم يتخرَّج في الجامعة الحكومية في المحافظة ذاتها سوى 90 طالباً. أمّا في بغداد، فأعداد الكلّيات الأهلية «مخيفة، أحياناً هناك كلّيتا طبّ أسنان في شارع واحد». مع ذلك، لا تبدو الصورة أبسط في الكلّيات الأهلية. فزينب عادل (اسم مستعار) أحرزت معدّلاً قدره 96.4 في المئة في الثانوية عام 2018، لكن هذا المعدّل لم يؤهّلها للالتحاق بكلية حكومية مباشرة. حصلت في النهاية على منحة مجانية كاملة من وزارة التعليم العالي لدراسة طبّ الأسنان في إحدى الكلّيات الأهلية. التحقتُ بالدراسة بآمالٍ كبيرة، لكن الصدمة كانت أكبر بعد التخرّج. اكتشفتُ الفرق الشاسع بين المحاضرات والجانب النظري وتوقّعات العمل في العيادات. — زينب عادل

تقول زينب إن كلّيتها الأهلية توفَّرت على إمكانات مادّية جيدة وأنها تدرَّبت على أرقى الأجهزة على أيدي أساتذة معروفين، بينما تفتقر بعض الكلّيات الحكومية الجديدة للتجهيزات. وفي اتصالٍ هاتفي، أكَّد أحد التدريسيين في إحدى كلّيات طبّ الأسنان الأهلية في بغداد، رفض الكشف عن هويته: اضطرّت الكلّية إلى تخفيض أجور الدراسة بسبب قلّة الإقبال، كما شهدنا تخفيضاً في الرواتب، ولا نستبعد ترشيق الكادر في المستقبل. — تدريسيّ في كلّية أهلية ببغداد

كلّيات طبّ الأسنان في الجامعات الحكومية

بينما امتلك العراق أوّل كلّية طبّ، عُرفت في حينها بالكلّية الطبّية الملكية العراقية، في عام 1927، افتُتحت أوّل كلّية لطبّ الأسنان في عام 1953، ولم تُفتح كلّية أخرى لقرابة ثلاثة عقود، مع افتتاح كلّية بجامعة الموصل عام 1982، هي الأولى في العهد الجمهوري.

في عام 2025/2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن قبول 1,832 طالباً ضمن المنح المجانية الخاصّة بكلّيات المجموعة الطبّية في الجامعات والكلّيات الأهلية، بما فيهم 734 في كلّيات طبّ الأسنان، على ألاّ يقلّ معدّل الطلّاب المتقدّمين لكلّيات طبّ الأسنان عن 93 في المئة.

وكانت نقابة أطباء الأسنان في العراق قد حذَّرت في وقت سابق من الارتفاع الحادّ في أعداد المقبولين، إذ قفز عدد الطلاب المقبولين في العام الجامعي 2023-2024 من نحو 1,600 طالب إلى أكثر من 6,500 طالب، وهو رقم يفوق الحاجة الفعلية لسوق العمل.

القطاع الأهلي يقود التوسّع الأكبر

منذ 2017 في كانون الأول/ديسمبر 2025، أشار الدكتور أركان مسلم العزّاوي، نقيب أطباء الأسنان في العراق، عبر قناة دجلة الفضائية، إلى وجود 65 ألف طالب في كلّيات طبّ الأسنان الحكومية والأهلية، يُتوقَّع تخرّجهم جميعاً في عام 2029، ممّا يرفع عدد أطباء الأسنان إلى 120 ألف في ذلك العام.

مشكلة التدرّج الطبّي

يكمُن قلب الأزمة في قانون صادر عام 2000، يحظر على خرّيجي طبّ الأسنان العمل في القطاع الخاص قبل إتمام ثلاث سنوات من التدريب في مؤسسات الدولة الصحّية.

من دون هذه السنوات الثلاث، لا فرصة للعمل في القطاع الخاص. وضمن قانون التعيين المركزي لعام 2006 كان لنا حقّ التعيين في القطاع الحكومي، لكن الدولة الآن تفتقر للموازنة وليست هناك تخصيصات لدرجات وظيفية جديدة، والوزارة تقول إنه ليس هناك احتياج. — كمال

بدون هذا التدريب، لا يمكننا الحصول على إجازة مزاولة المهنة، وعليه لن يكون هناك تخصُّص، وتبدو الدراسات العليا فكرة عقيمة ومكلِفة. بدون التدريب، لستَ طبيباً فيما خلا شهادة التخرّج. — زينب

إذا لم أكن طبيباً مؤهَّلاً من دون هذا التدريب، لماذا مُنحتُ شهادة البكالوريوس أصلاً؟ لنجعل سنوات الدراسة سبعاً بدلاً من خمس، بما فيها عامان تدريب فعلي، ليتخرَّج الطبيب مؤهَّلاً مباشرة. أو وفِّروا لنا تعيينات، بل إنّنا نقبل بعقود مؤقّتة أسوة بزملائنا الأطبّاء العامّين الذين يحصلون على ما يعادل 270 دولاراً شهرياً، لكنّنا نفتقر حتّى لمثل هذه العقود. — كمال

وقد طرحت الحكومة ما أسمته «التدريب الوطني»، وهو برنامج يستدعي الخرّيجين للعمل في المستشفيات الحكومية لسنتَين مجاناً أو مقابل رمز مالي، قبل أن يحصلوا على إجازة المزاولة. أعلنت وزارة الصحة في نيسان/أبريل 2026 فتح باب التسجيل في البرنامج لخرّيجي طبّ الأسنان والصيدلة من دفعة 2023. لكن كثيرين من الخرّيجين رفضوا الفكرة معتبرين إيّاها تكريساً للعمل المجّاني.

هذا ظلمٌ كبير. ألا يكفي ضياع ثلاث سنوات من حياتنا هباءً؟ — زينب

أطبّاء بلا عمل بحسب منظّمة الصحة العالمية، بلغ معدّل أطبّاء الأسنان في العراق عام 2023 نحو 6.8 لكلّ عشرة آلاف نسمة، وهو رقم يتجاوز نظيره في إيران وتركيا، لكنه يظلّ أدنى من معدّلات بعض دول الجوار العربي كسوريا والأردن والكويت. وبينما يبدو هذا الرقم مطمئناً، فإن التوزيع الجغرافي غير المتكافئ بين المدن والأرياف يجعل هذا المعدّل مضلّلاً في تقييم الواقع الفعلي.

يقول نقيب أطبّاء الأسنان الدكتور أركان العزّاوي إن النقابة حذَّرت الكلّيات الأهلية من قبول أعداد كبيرة منذ عام 2018، حين تجاوز العراق معيار منظمة الصحة العالمية القاضي بطبيب أسنان واحد لكلّ 1,700 نسمة. واليوم تضمّ سجلّات النقابة 42 ألف طبيب أسنان مسجَّل، فضلاً عن 15 ألف آخرين لم ينتسبوا إليها بعد. ومن بين هؤلاء جميعاً، يقف 23 ألف طبيب دون أيّ تعيين.

القطاعان العامّ والخاص مكتفيان اليوم. 60 في المئة من عيادات الأسنان الخاصّة تغلق أبوابها بعد ستة أشهر بسبب الخسائر المادّية وشدّة التنافس. — د. أركان العزّاوي، نقيب أطبّاء الأسنان

بعد ستة أشهر يُضاف عشرة آلاف خرّيج جديد إلى هذا الرقم. وزارة المالية تطالبنا بكتاب يؤكِّد حاجة وزارة الصحة، ووزارة الصحة تطالبنا بكتاب من وزارة التخطيط، والتخطيط تطالبنا بكتاب من المالية يؤكِّد وجود تخصيصات مالية. وما بين كتابُنا وكتابُكم، نخرج كلّ بضعة أشهر في تظاهرات يشارك فيها عشرة آلاف طبيب، لنواجه هراوات مكافحة الشغب. لا يزال خرّيجو دفعة 2023 من دون تعيينات. — كمال

ويُشير كمال كذلك إلى أن الخرّيجين يتعرَّضون للتهديد والمساءلة القضائية حين يرفعون أصواتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، «قد يجرّنا ذلك إلى ردهات المحاكم».

العمل غير القانوني

بهدف تطوير مهاراته قبل تخرّجه، حرص كمال على الاشتراك في دورات متخصِّصة في حشوات الأسنان والتصميم الرقمي للابتسامة وزراعة الأسنان وحشو الأعصاب، مراكماً عشرات الساعات من التعليم المستمر ليكون جاهزاً للعمل فور تخرّجه. لكن الجاهزية وحدها لم تكن كافية.

أعملُ اليوم في عيادة في أطراف كركوك لثلاثة أيّام في الأسبوع. أستقبلُ كافّة الحالات بما فيها القلع الجراحي وحشو الأعصاب. استلمتُ 200 حالة في مركز صحّي. يتساهل الأطبّاء معي، لكن العمل غير قانوني يعرِّضني للمساءلة. — كمال

وقبل أيّام من حديثنا معه، أرسلت نقابة أطبّاء الأسنان في طلب أحد أصدقائه لمحاسبته بسبب تشغيل طبيب حديث التخرّج دون موافقات رسمية، وأسفر ذلك عن غرامة مالية. «الواقع مظلم للغاية»، يقول كمال. علاوة على ذلك، يتعرَّض الأطبّاء الجدد للاستغلال بسبب غياب الصفة الرسمية.

يجبرك الطبيب الذي تعمل معه على أداء مهام لا تخصّك: التعرُّض اليومي للأشعّة، جرد المشتريات، إدارة صفحة العيادة على السوشيال ميديا، وتصوير الحالات للإعلان. هذه المهامّ كانت ستكلِّفه لو استأجر متخصِّصاً أكثر من 350 دولاراً شهرياً. — كمال

هل من المقبول أن يستغلّ طبيبٌ زميلاً حديث التخرّج كمساعد يمسك بالأدوات فقط؟ هذا الوضع هو ما يجعل الخرّيجين يصرّون على التعيين الحكومي. — زينب

وتضيف زينب أنها هي نفسها لم تحصل على عمل في عيادة لمدّة عامَين. «عملتُ متدرِّبة في مستشفى حكومي لمدة تسعة أشهر من دون راتب». بعد ذلك، حصلت على فرصة عمل يوم واحد أسبوعياً في إحدى العيادات بنسبة من الدخل، ليتبقّى لها ما يعادل 4.5 دولار في ذلك اليوم بأكمله.

أعمال غير ذات صلة

حين تُسدّ جميع أبواب المهنة، يصبح أيّ باب آخر مقبولاً. عمل كمال في مختبر لصناعة الأسنان، ثم مندوباً لمستلزمات طبّ الأسنان براتب 250 دولاراً شهرياً وجد نفسه فيه يُنظِّف مواقع العمل ويُفرِّغ شاحنات النقل في أيّام العطل. كما عمل في إدارة حسابات التواصل الاجتماعي، وتنظيم دورات تعليمية، وكتابة أبحاث أكاديمية للطلّاب لقاء 50 أو 60 دولاراً للبحث الواحد.

لمواجهة الأزمة، طرحت وزارتا الصحة والتربية فكرة توظيف الأطبّاء في المدارس الأهلية ضمن برامج الصحة المدرسية بعقود تتراوح رواتبها بين 114 و191 دولاراً شهرياً. لكن زينب تقول إن المحسوبية دخلت حتى هذا الباب.

ليس هذا استغلالاً فحسب، بل جشع وظلم. هل يبدأ الخرّيج حياته بـ100 دولار أمريكي؟ — زينب يعمل بعض زملاء كمال عمّال توصيل أو في البناء أو الرعي والفلاحة أو سياقة سيارات الأجرة أو غسيل الصحون في المطاعم. «أحد أصدقائي من أطبّاء الأسنان يعمل في فرن للخبز»، يقول.

أمّا كمال نفسه، فيعمل في محلّ والده ويفكِّر في افتتاح متجر للألبسة أو الإكسسوارات. أعيش واقعاً بائساً رغم أنني أعمل منذ سنوات دراستي في العيادات، ولديّ خبرات كثيرة وحالات طبّية موثَّقة. — كمال

معاناة الطبيبات

ترتدي زينب العباءة الإسلامية، وفوجئت برفض أصحاب العيادات لها بسبب زيّها. حصلتُ على دورات تدريبية لتلبية متطلّبات العمل في العيادات الخاصّة، لكنّهم رفضوا ملابسي مفضِّلين طبيبات لا يلتزمن بالملابس الإسلامية بهدف جذب المراجعين وتسويق العيادة عبر السوشيال ميديا. — زينب

تقول إن بعض زميلاتها اضطررن إلى تصوير فيديوهات ترويجية للعيادة لقاء الحصول على نسبة من الأرباح، بينما آثرت أخريات البقاء في المنزل. «عندما نتحدّث عن بعض الحالات نكتشف أنّهن قد نسينَ كلّ شيء. بعضهن بدأ مرحلة البحث عن شريك لتأسيس عائلة بدلاً من تأسيس مستقبل مهني». وتضيف أن الضغوط تبقى أشدّ وطأةً على الرجال.

زملائي يحملون ثقلاً يُرهق كاهلهم. ذات مرّة، أثناء تجوّلي في السوق، شاهدتُ زميلاً متفوّقاً كان الثاني على دفعته يعمل على ترميم واجهة أحد المحلّات. حين التقت نظراتنا، أشاح بوجهه. اعتصرني الألم لرؤيته على تلك الحال. — زينب

عسكرة المجتمع

حين ضاقت جميع الخيارات على بعض الخرّيجين، وجد عددٌ منهم في الانخراط في المؤسسة العسكرية أو الأمنية مخرجاً أخيراً، فتطوَّع بعضهم في صفوف الجيش العراقي أو القوى الأمنية المختلفة. حاول كمال نفسه الالتحاق بدورة الضبّاط في وزارة الداخلية مستوفياً كلّ الشروط، لكنه حُرم من الفرصة بسبب المحسوبية.

العيادات لا تضمن الأرباح

حتى لو زالت عوائق التدرّج وأمكن لكمال فتح عيادة خاصّة، يرى أن هذا الخيار قد لا يكون مجدياً في ظلّ تشبُّع السوق.

أحياناً، طوال أسبوعٍ واحد، لا نرى مراجعاً واحداً في بعض العيادات. يكلّف قلع الأسنان 7 دولارات وتنظيفها 20 دولاراً. الحالات المربحة مثل تركيب الأسنان والابتسامة لا يسمح لنا الطبيب الممارس بأخذها. افتتاح محلّ ألبسة أو ساعات أو عطور قد يُدرّ ربحاً أفضل. — كمال

السفر ليس خيار

الجميع بينما يختار كثير من الكفاءات الطبّية العراقية الهجرة، يجد أطبّاء الأسنان الأمر أكثر تعقيداً.

ترجمتُ شهادتي، لكنّني اكتشفت أن المعادلة في الخارج تستلزم وقتاً ومالاً لا أملكهما. مجرد السفر إلى تركيا لأسبوع للبحث عن جامعة تعترف بشهادتي يكلِّف أكثر من ألف دولار، فضلاً عن امتحانات اللغة والإقامة والمعيشة. — كمال

كما أرسل سيرته الذاتية إلى خمسين شركة نفطية كبرى على أمل العمل في مستوصفاتها الداخلية، دون أن يصله ردّ واحد. إذا كنتُ أملك عشرة آلاف دولار، لاشتريتُ سيارة وعملتُ سائق أجرة أو افتتحتُ متجراً. أنا الآن مدين بـ1,800 دولار لأصدقاء وأعجز عن السداد، في وقت تكلِّف فيه حلاقة الشعر أكثر ممّا أكسبه في بعض الأيّام. — كمال

يرى كمال أن الأزمة تكشف عن خلل أعمق في منظومة العدالة الاجتماعية.

أولاد الأطبّاء والضبّاط والتجّار يمكنهم شراء رخصة ممارسة المهنة وافتتاح عيادات بعلاقاتهم ونفوذهم، حتى دون إتمام التدريب المطلوب. لكنّ أبناء الأسر العادية لا يملكون ذلك. طلّاب الدفعة الجديدة حصلوا على معدّل 99 في المئة. من حقّهم الحصول على فرصة. ما الذي يتوجَّب عليهم فعله أكثر للحصول على حياة كريمة؟ — كمال

في نهاية اليوم في نهاية يوم عملٍ كأيّام كثيرة سبقته، أحصى كمال أرباحه في العيادة التي يعمل فيها بشكلٍ غير رسمي: عشرون ألف دينار. بعد تكاليف النقل ذهاباً وإياباً، بقي معه ما يعادل ستة دولارات، أقلّ من ثمن وجبة في مطعم متوسّط. يدرك كمال أنه محظوظٌ مقارنةً بزملائه؛ فهو على الأقلّ يمارس مهنته، حتى وإن كان ذلك بصمتٍ وقلق. زميلٌ له يعجن الخبز في فرنٍ شعبي، وآخر يحمل الطابوق في مواقع البناء، وثالثٌ رأته زينب يرمِّم واجهة محلٍّ في السوق فأشاح بوجهه حين التقت نظراتهما. في غضون ذلك، يلتحق في هذا العام وحده المئات بكلّيات طبّ الأسنان في أرجاء العراق، يحملون معدّلاتٍ عالية وآمالاً أعلى. لا أحد يخبرهم بما ينتظرهم.

حول هذا التحقيق

يعتمد التحقيق على مقابلات مباشرة مع خرّيجي طبّ الأسنان في محافظات بغداد، الموصل، كركوك، كربلاء، وبابل، إلى جانب وثائق رسمية من نقابة أطبّاء الأسنان العراقية، ووزارة التخطيط، ووزارة الصحة، وإحصاءات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وقد تواصل معدّ التقرير عبر البريد الإلكتروني الرسمي مع وزارتَي الصحة والتعليم العالي وجامعات الكتاب والتراث والكفيل الأهلية، دون الحصول على أيّ ردّ حتى ساعة نشر التقرير.

— المصدر: إنفوتايمز