خلف جدار الوصمة والكلفة.. أردنيون يعانون نفسيًا بصمت 

عابر- الأردن

إسراء الأعرج

في الوقت الذي أصبحت فيه الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من مفهوم الرعاية الصحية وليست رفاهية، ما يزال الوصول إلى العلاج النفسي في الأردن يواجه تحديات كثيرة  بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، والاعتقاد بأن طلب الدعم النفسي علامة ضعف، إضافة إلى الكلفة المادية المرتفعة، ما يحول دون تلقي الكثيرين العلاج. 

 اضطراب ثنائي القطب

“كنت أخاف من فكرة الطبيب النفسي، ومن نظرة الناس إلى الموضوع، ومن اعتقاد أنني مجنونة أو أن هناك شيئًا مختلفًا فيّ”. بهذه الكلمات تختصر شفاء القضاة (30 عامًا) أحد أكبر المخاوف التي أخّرت طلبها للعلاج النفسي، رغم أنها كانت تدرك منذ عام 2015 حاجتها إلى مساعدة متخصصة.

وخلال سنوات رحلة العلاج تقول القضاة لـ”عابر”: ” زرت أكثر من مختص وطبيب نفسي، وحصلت على تشخيصات مختلفة”، قبل أن تصل مؤخرًا إلى تشخيص اضطراب ثنائي القطب، إلى جانب معاناتها من صدمات الطفولة، وهو ما ساعدها على فهم ما كانت تمر به بشكل أوضح.

لم يكن الأمر سهلًا

لكن الوصول إلى العلاج لم يكن قرارًا سهلًا، إذ توضح أن الخوف من الوصمة، إلى جانب الاعتقاد السائد بأن الإنسان يجب أن يتجاوز مشكلاته بمفرده أو يكتفي بالطرق التقليدية الدينية، جعلها تتردد في طلب المساعدة. وكانت نقطة التحول بعد أن حاولت الانتحار، وقد دعمتها والدتها آنذاك وأخذت بيدها إلى الطبيب النفسي، في وقت كانت فيه حالتها النفسية في أصعب المراحل. 

وتتابع القضاة: “في البداية، لم أُخبر غالبيّة أقاربي بأنني أتلقى العلاج النفسي” وذلك خوفًا من ردود الفعل ونظرة الآخرين لها، لكنها مع الوقت بدأت تتصالح مع تجربتها، وتقول: “أدركت أن المرض النفسي لا يختلف عن أي مرض آخر، وأن المشكلة ليست في الإصابة، بل في الخوف من الاعتراف به وطلب العلاج”.

ضغط الصورة الاجتماعية

الخوف من الوصمة لا يأخذ شكلًا واحدًا لدى الجميع، فبينما ارتبطت تجربة القضاة بالخوف من نظرة الآخرين والاعتراف بالحاجة إلى العلاج، يواجه آخرون عوائق مختلفة تتداخل فيها الضغوط الاجتماعية مع الصورة المفروضة عن القوة والتحمل، إلى جانب الأعباء المادية التي تجعل الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة.

فبعد تعرضه لصدمة كبيرة، وجد سالم (27 عامًا) نفسه غير قادر على التعامل مع حياته كما كان سابقًا. لم يتوقف أثر الصدمة عند لحظتها، بل امتد إلى تفاصيل يومه، فكان يشعر أنه فقد القدرة على فهم نفسه والتعامل مع ما يمر به.

ويوضح لـ”عابر” أن أصعب ما واجهه كان الصراع الداخلي المستمر؛ بين شعوره بأنه بحاجة إلى المساعدة، وبين صوت آخر بداخله يخبره بأنه ضعيف، وما يزيد الأمر تعقيدًا أن المجتمع يحمّل الرجل مسؤولية أن يكون دائمًا قويًا وقادرًا على  التخطي .

حاول البحث عن طريق للخروج من هذه الحالة، لكن خطواته كانت تتعطل في كل مرة بسبب عوامل عدة؛ من بينها علاقته بعائلته التي يرى سالم أنها كانت جزءًا من المشكلة، ونظرة المجتمع المحيط إليه، إضافة إلى الضغوط المادية التي جعلت قرار العلاج أكثر صعوبة.

ويختصر صراعه قائلًا: “كل شيء أشعر به يخبرني أنني بحاجة إلى علاج نفسي، لكن كل الظروف حولي، من الوضع المادي والوصمة الاجتماعية،  تؤكد أنني غير قادر. ولا أعرف في النهاية أي صوت سينتصر”.

ويضيف أن تكلفة العلاج كانت من أكبر العوائق أمامه، إذ إن الشخص في عمره مطالب بالعمل وتأمين احتياجاته وتحمل مسؤولياته، بينما تبدو تكاليف الجلسات النفسية مرتفعة مقارنة بقدرته المادية، ما جعله يشعر بأنه عالق بين حاجته للعلاج وعدم قدرته على الوصول إليه.

وسالم موظف في إحدى المكتبات الخاصة في الأردن براتب شهري لا يتجاوز 290 دينارًا (409 دولار)، يذهب معظمه لتغطية نفقات المواصلات واحتياجاته الأساسية، إلى جانب مساعدة أسرته، ما جعل التفكير في تحمل كلفة العلاج النفسي عبئًا إضافيًا، لا يمكن واقعيًا الوصول إليه.  

ما تكشفه الدراسات 

أظهرت دراسة علمية حول الاضطرابات النفسية في الأردن، نُشرت عام 2025 و استندت إلى بيانات مشروع العبء العالمي للأمراض (GBD 2021)، ارتفاعًا ملحوظًا في العدد التقديري لحالات الاضطرابات النفسية خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد ارتفع عدد الحالات في الأردن من 514.234 حالة عام 1990 إلى نحو 1.95 مليون حالة عام 2021، بزيادة بلغت 279.8 في المئة. وتصدر القلق قائمة الاضطرابات الأكثر انتشارًا بنحو 737 ألف حالة، تلاها الاكتئاب بنحو 555 ألف حالة، ثم الاضطرابات النفسية الأخرى بأكثر من 171 ألف حالة.

وتُعد الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية أحد أبرز العوائق التي قد تدفع بعض الأشخاص إلى تأخير طلب المساعدة المتخصصة. وأظهرت دراسة نُشرت عام 2025 بعنوان “كسر الصمت: عشر رؤى مقلقة حول وصمة الصحة النفسية لدى الشباب الأردنيين (18–24 عامًا)”، أن 93  في المئة من المشاركين يرون أن الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية موجودة في المجتمع، فيما قال 71  في المئة منهم إن هذه الوصمة قد تمنعهم من طلب المساعدة النفسية عند الحاجة، بينما أبدى 12 في المئة فقط استعدادهم للجوء إلى مختصين نفسيين. واعتمدت الدراسة على استبيان تناول اتجاهات الشباب الأردنيين تجاه الصحة النفسية والوصمة المرتبطة بها.

وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة نُشرت عام 2024 حول الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية لدى طلبة الجامعات في الأردن، وشملت 1.151 طالبًا وطالبة، أن 71.5 في المئة من المشاركين اعتبروا أن المرض النفسي يحمل شعورًا بالإحراج داخل المجتمع، فيما أظهرت نتائج مقياس الاتجاهات نحو طلب المساعدة النفسية أن 84.7 في المئة من المشاركين لديهم اتجاهات سلبية تجاه طلب الدعم النفسي المتخصص. وأُجريت الدراسة خلال الفترة من 20 حزيران (يونيو) إلى 20 تموز (يوليو )2023، وشملت طلبة من جامعات أردنية مختلفة.

ثمن طلب المساعدة 

وعلى صعيد كلفة العلاج النفسي فتشكل أحد العوائق أمام بعض المرضى، إذ أوضح رئيس جمعية الأطباء النفسيين الأردنيين السابق نائل العدوان أن كشفية الطبيب النفسي في القطاع الخاص تبلغ نحو 50 دينارًا، مشيرًا إلى أن خدمات الطب النفسي متاحة مجانًا في مستشفيات وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية، فيما يحصل مراجعي العيادات النفسية الحكومية على الأدوية النفسية مجانًا للأردنيين.

ويعكس هذا الرقم حجم العبء المالي الذي قد يواجهه المرضى؛ فالحد الأدنى للأجور في الأردن يبلغ 290 دينارًا شهريًا (409 دولار)، ومع حاجة بعض الحالات إلى جلسات علاجية متكررة وفقًا لتقييم المختص، قد تستهلك نفقات العلاج جزءًا كبيرًا من دخل المراجع، ما يجعل الوصول إليه خارج مقدور كثيرين. 

من يقدم العلاج؟

وبينما تكشف الدراسات اتساع نطاق الاضطرابات النفسية في الأردن، لا يزال الخلط قائمًا لدى كثيرين حول طبيعة العلاج النفسي، والفرق بين دور الطبيب النفسي والأخصائي النفسي، ومتى تستدعي الحالة مراجعة أي منهما.

إذ توضح الاستشارية النفسية والتربوية حنين البطوش لـ”عابر”: أن الصحة النفسية تقوم على تكامل الأدوار بين المختصين، فيما يختلف دور الأخصائي أو الاستشاري النفسي عن الطبيب النفسي، ولا يمكن اعتبار أحدهما بديلًا عن الآخر. فالمختص النفسي يعمل على تقييم الحالة وتقديم الإرشاد والعلاج النفسي باستخدام أساليب علمية، بينما يتولى الطبيب النفسي الحالات التي تحتاج إلى تقييم طبي أو تدخل دوائي عند الحاجة، مع خلط الكثير بينهما.

وتؤكد أن العلاج النفسي لا يعني بالضرورة تناول الأدوية، إذ تعتمد العديد من الحالات على الجلسات العلاجية التي تساعد الشخص على فهم أفكاره ومشاعره وسلوكياته، والتعامل مع الضغوط والمشكلات المختلفة. 

وترى البطوش، من واقع ممارستها المهنية، أن الوصمة الاجتماعية ما تزال من أبرز الأسباب التي تؤخر وصول بعض الأشخاص إلى المساعدة النفسية، لكنها ليست العامل الوحيد، إذ يتردد البعض بسبب الخوف من نظرة المجتمع أو الأسرة، أو القلق من فقدان الخصوصية، أو الاعتقاد بأن طلب الدعم النفسي يعكس ضعفًا في الشخصية.

وتوضح أن هذه المخاوف قد تجعل بعض الأشخاص يستمرون في تحمل المعاناة بصمت، رغم حاجتهم إلى الدعم، محذرة من أن تأخير التدخل قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض وتحول مشكلات يمكن التعامل معها في بدايتها إلى حالات أكثر تعقيدًا تؤثر في العلاقات الأسرية، والعمل، والدراسة، وجودة الحياة.

وتضيف البطوش أن الكلفة المادية قد تشكل عائقًا أمام بعض الحالات، خاصة عندما تحتاج إلى جلسات منتظمة لفترة طويلة، ما قد يدفع بعض الأشخاص إلى تقليل العلاج أو التوقف عنه رغم حاجتهم للاستمرار. وترى أن تعزيز خدمات الصحة النفسية وتوسيع الوصول إليها في المؤسسات الحكومية والجامعات، إلى جانب رفع الوعي، خطوات ضرورية لضمان حصول الأشخاص على الدعم في الوقت المناسب.

الوعي بداية العلاج

وفي سياق متصل يؤكد الأكاديمي والباحث في الإرشاد السلوكي الدكتور حسن الصباريني في حديثه لـ”عابر” أن الاضطرابات النفسية، مثل الأمراض الجسدية، قد تصيب أي إنسان، ولا تعني ضعف الشخصية أو فقدان الأهلية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المفاهيم المنتشرة حول المرض النفسي ناتجة عن نقص في الوعي، مثل الاعتقاد بأن كل من يراجع مختصًا نفسيًا هو شخص فاقد لعقله أو خطر على المجتمع.

ويلفت إلى أن الخوف من تأثير طلب المساعدة على السمعة أو المستقبل المهني أو الأسري قد يمنع بعض الأشخاص من اللجوء إلى المختصين، مؤكدًا في الوقت ذاته أن السرية جزء أساسي من العمل النفسي، وأن الجلسات تحافظ على خصوصية المراجع.

ويختم الصباريني بأن هناك حاجة إلى مزيد من التوعية لتصحيح المفاهيم حول العلاج النفسي، وأن بعض الأشخاص قد يحتاجون إلى جلسات إرشادية أو دعم نفسي فقط، بينما تُحال الحالات التي تتطلب تدخلًا طبيًا إلى الطبيب النفسي.