ثمن الهوية … استمرار موجة اختطاف نساء الأقليات العلوية في سوريا 

عابر – سوريا

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في بداية ابريل الحالي  تحقيقا لها يوثق عمليات اختطاف نساء وفتيات من الأقلية العلوية والتي تشكل عشر المجتمع السوري، واصفة هذه العملية بأنها  الأكثر “شيوعا” والأكثر “وحشية” مما اعترفت به الحكومة الانتقالية بدمشق.

ووثق التحقيق اختطاف 13 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، إضافة لرجل وطفل، بالإضافة لاستناده إلى عشرات المقابلات مع علويين وثقتها عدد من الجهات مثل اللوبي النسوي السوري والذي  أحصى اختفاء 80 امرأة وفتاة علوية منذ أوائل عام 2025 تم تأكيد اختطاف 26 حالة منها.

كما استند إلى أرقام من منظمة العفو الدولية والتي  قالت في يوليو/تموز إن لديها تقارير موثوقة عن 36 عملية اختطاف مماثلة ووثقت 8 حالات، بالإضافة للجنة تابعة للأمم المتحدة والتي وثقت 6 حالات وتلقت تقارير موثوقة عن العشرات غيرها بينوا جميعهم أنهم تعرضوا للاختطاف وأقاربهم وآخرين ممن لهم صلة بقضاياهم، مؤكدين أن عمليات الاختطاف هذه شائعة ووحشية في كثير من الأحيان.

وفي سياق مقابلات الصحفية فقد كشفت أن خمس من المختطفات تعرضن للاغتصاب، فيما عادت اثنتان إلى منزليهما وهما حوامل، مؤكدة على أنها تحققت من روايات المختطفين وأقاربهم، بالإضافة إلى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تعلن عن مواعيد اختطافهم وعودتهم، ورسائل الفدية التي أرسلها الخاطفون، ومقابلات مع عاملين في المجال الطبي والإغاثي تحدثوا مع المختطفين بعد إطلاق سراحهم.

وقالت العديد من النساء والفتيات المختطفات لنيويورك تايمز إن الحكومة فشلت في التعامل بجدية مع قضاياهن.

رد حكومي بحسب التايمز

الصحيفة نقلت تصريحا عن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا بأنه لا يمكنه الرد على نتائج “التايمز” ما لم تزوده بأسماء الحالات، وهو ما رفضته الصحيفة، معتبرا أن الحمل لا يثبت الاختطاف، وأن رسائل الفدية يمكن تزويرها، متسائلا “أين الدليل على كل تلك الفديات؟”.

وأضاف أنه يتمسك بنتائج تحقيق حكومي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني فحص 42 حالة اختطاف مبلغ عنها، ووجد أن حالة واحدة فقط كانت “حقيقية”، أما الحالات الأخرى، فقال “أن النساء كن متورطات في الدعارة أو جرائم أخرى، أو هربن مع عشاقهن، ثم ادعين الاختطاف لتجنب الوصمة الاجتماعية”.

لكن الضحايا وعائلاتهن رسموا صورة مختلفة تماما صورة لنساء وفتيات يختطفن من الشوارع قرب منازلهن من قبل رجال مسلحين، إذ أكدن على أن آسريهن سألوهن عما إذا كن علويات، وعند الإجابة بـ “نعم”، كان الرد غالبا بعبارات مهينة تشير إلى أن استباحتهن “حلال”، وهي نظرة يروج لها “المتطرفون الإسلاميون.”

رفض حكومي للرواية

نشرت إدارة الإعلام الأجنبي بوزارة الإعلام بيانا في 4 ابريل/ نيسان 2026 بشأن تقرير “مزاعم الاختطاف”في نيويورك تايمز، تأخذ الحكومة السورية جميع التقارير المتعلقة بالاختطاف أو الاختفاء على محمل الجد، وهي ملتزمة بحماية المواطنين بغض النظر عن الطائفة أو العرق أو الدين، ويتم التحقيق في كل شكوى بدقة من قبل السلطات المختصة. وبناءً على ذلك، أنشأت وزارة الداخلية لجنة تحقيق خاصة في يوليو الماضي لفحص الشكاوى والادعاءات المتعلقة بالاختطاف. 

وقالت الوزارة في بيانها أن التحقيق أقرب إلى بناء سردي منه إلى صحافة استقصائية مهني وأنه يستند في معظمه إلى “شهادات مجهولة المصدر” لا يمكن التحقق منها، وأن الصحيفة انتقلت من “فراغ الأدلة إلى إطار تفسيري جاهز” يقوم على تصوير الحوادث كـ”هجمات انتقامية” تستهدف الطائفة العلوية.

واعتبرت الجهات الرسمية أن هذا الطرح يعكس “نمطا كلاسيكيا من التنميط الاستشراقي”، تستحضر صورة الجهادي” لسد الثغرات في الأدلة، مؤكدة أن التقرير لم يقدم معلومات موثقة حول هويات الجناة.

وبينت الوزارة قبل أنها أبلغت إدارة الإعلام الأجنبي مراسل صحيفة نيويورك تايمز استعداد وزارة الداخلية للتعاون، وقدمت له إمكانية الوصول إلى نتائج اللجنة الخاصة، وطلبت منه الحالات المحددة المذكورة لإجراء مراجعة قائمة على الأدلة. راجعت وزارة الداخلية المعلومات التي قدمها المراسل، والتي كانت غير كافية لدعم تحقيق شامل، وحددت بعض نقاط التقاطع مع نتائج تحقيق اللجنة، وشاركت هذه النتائج خلال اجتماع موسع.

على الرغم من ذلك، لم تتضمن المقالة المنشورة نتائج وزارة الداخلية بشأن الحالات المذكورة في تقرير صحيفة نيويورك تايمز، كما أنها لم تقدمها كتقرير يرد على الادعاءات. بدلاً من ذلك، تم تضمين نتائج تحقيق الوزارة بطريقة عامة ومنفصلة عن السياق، منفصلة عن الحالات التي غطتها الصحيفة. والنتيجة هي عرض أحادي الجانب يفتقر إلى التحقق المتبادل، وهو قصور منهجي واضح يقوض مبدأً أساسياً من مبادئ العمل التحقيقي.

توثيق سابق من عابر

في سياق متصل كانت منصة عابر من أوائل المواقع الصحفية التي فتحت هذا الملف في منتصف العام الماضي، من خلال مادة تناولت ما يعرف بـ”الخطيفة”، وسلطت الضوء على حالات يتم فيها خطف فتيات “علويات” وتحويلها لاحقا إلى زواج تحت ضغط اجتماعي. 

وأشارت المادة إلى الجدل القائم حول هذه الحالات بين من يعتبرها قائمة على الرضا ومن يراها نتيجة إكراه، في ظل عوامل اجتماعية وعائلية تؤثر على مسارها.

كما تناولت المادة البعد القانوني المرتبط ببعض هذه الحالات، في سياقات إقليمية، حيث قد تؤدي الزيجات الناتجة عنها إلى إسقاط الملاحقة القانونية، وتجريد الضحية من وصفها.

ويأتي تناول “عابر” لهذا الملف في سياق يكتسب أهمية مع تحقيق The New York Times، الذي وثق حالات اختطاف حديثة تؤكد استمرار الظاهرة رغم نفيها وإنكارها في سوريا، دون أن يجزم بوجود نمط قانوني أو اجتماعي مماثل، ما يفتح المجال لمقاربة أوسع لفهم الظاهرة.