دفعت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة التي بدأت في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 مرضى غسيل الكلى إلى مواجهة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعطل الأجهزة، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات مع استمرار النزوح و الاستهدافات وإغلاق المعابر.
ومع محدودية ما يدخل إلى القطاع حتى بعد الهدنة وانتهاء الحرب منذ تشرين الأول الماضي، نفذت مواد أساسية لتشغيل أجهزة الغسيل، وتراجعت قدرة مراكز العلاج على استقبال المرضى، واضطر بعضهم إلى تقليص جلساته، رغم أن أجسادهم لا تحتمل تأخير العلاج أو اختصاره.
ويحتاج مريض غسيل الكلى عادة إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، تمتد كل منها أربع ساعات، لكن المرضى في غزة اضطروا خلال فترات النقص إلى تلقي جلسات أقل وأقصر.
670 مريضًا و4 مراكز فقط
وبينما تخدم أربعة مراكز نحو 670 مريضًا حاليًا وهم: مركز هند الدغمة في مجمع ناصر الطبي، وقسم غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى، ومركز الغسيل في المستشفى الميداني بالزوايدة، وقسم غسيل الكلى في مجمع الشفاء الطبي. انخفض عدد أجهزة الغسيل من 197 جهازًا قبل الحرب إلى أقل من 70 في ذروتها، قبل أن يرتفع إلى نحو 103 أجهزة بعد نقل بعضها وصيانته، بحسب زاهر الوحيدي مدير مركز المعلومات في وزارة الصحة في غزة.
وبين نقص المعدات والمستهلكات، والاستهدافات التي طالت المرضى والعاملين والمنشآت، وصعوبة إدخال الإمدادات عبر المعابر، أصبح استمرار جلسة الغسيل نفسها معركة يومية للبقاء.
غسيل مرهون بالوصول
قبل الحرب، كانت عايدة الصفدي (63 عامًا)، تعرف كيف تدير حياتها مع جلسات غسيل الكلى، منذ أكثر من ست سنوات، كانت تخضع لثلاث جلسات أسبوعيًا، أربع ساعات في كل جلسة، وتحصل على الإبر والأدوية اللازمة لتقوية دمها، فيما لم تكن كلفة وصولها إلى المستشفى تتجاوز ثمانية أو عشرة شيكل (3.38 دولار). تقول لـ”عابر”: “ما كنا نتغلب”، مستذكرة وقتًا كان فيه علاجها منتظمًا، قبل أن تتحول الحرب إلى عائق جديد يضاف إلى مرضها.

جسد أنهكه المرض والنزوح
وتروي رحلة العلاج، إذ كانت تسكن في حي التفاح في غزة وتتلقى العلاج في مجمع الشفاء الطبي إلا أنه مع اجتياحه في مارس (آذار) 2024، نزحت جنوبًا، وتنقلت بين مراكز الغسيل في شهداء الأقصى والنجار ورفح وخان يونس والزوايدة، بحثًا عن جلسة تحفظ حياتها. في شهداء الأقصى، ازدحمت مراكز الغسيل بالمرضى القادمين من مناطق مختلفة، ومع نقص الأدوية والمستلزمات بدأت الرحلة تصبح أكثر قسوة. كانت تخرج أحيانًا ليلًا لتصل إلى المستشفى مع الفجر، وسط القصف.
وتسرد الصفدي بألم تفاصيل ما عاشته خلال ذهابها لجلسات الغسيل: “بعض الرحلات كانت تتم في سيارات إسعاف تحمل شهداء وأشلاء، وفي مرات أخرى لم أجد وسيلة نقل، فاضطررت إلى المشي من التفاح إلى الشفاء، ثم العودة بالطريقة نفسها بعد جلسة الغسيل”، فيما كان الوصول إلى العلاج يتطلب منها جهدًا يفوق قدرة جسد أنهكه المرض والنزوح.
ولم تكن رحلة الوصول تضمن الحصول على الجلسة كاملة. ففي فترات النقص، تقول إنها كانت تغسل أحيانًا مرتين في الأسبوع، ولساعتين ونصف بدلًا من أربع ساعات، فيما كانت تصل أحيانًا إلى المستشفى فلا تجد مياهًا في الأجهزة، أو تتوقف الكهرباء فجأة، أو يحول الازدحام دون الغسيل، فتعود من دون العلاج الذي جاءت من أجله.
أعباء إضافية
وخلال النزوح، عاشت الصفدي في خيمة مع ابنتها وأحفادها وزوج ابنتها، وسط نقص الغذاء وسوء التغذية. وفي إحدى ليالي الشتاء، غمرت مياه الأمطار الخيمة حتى ما دون الركبة، ولم تجد الأسرة حتى أغطية جافة تحتمي بها؛ “البطانيات غرقت بالمياه”، تقول الصفدي وتتابع: “في الصباح مرض أفراد الأسرة، وأصبت بنزلة معوية أدخلتني المستشفى أربعة أيام”.
ومع نقص الطعام والأدوية والإبر، بدأ جسدها يدفع ثمنًا إضافيًا. ينخفض مستوى دمها أحيانًا إلى 6.5 أو 7 غرام/ ديسي لتر، فتحتاج إلى وحدات دم، لكن الحصول عليها يتطلب متبرعًا. “طيب هو في متبرع في المجاعة اللي إحنا فيها؟”، تتساءل الصفدي بحزن، فيما لا تملك هي القدرة على العمل بسبب هشاشة العظام والجلطات وارتفاع الضغط والسكر ومشكلات صحية أخرى.
بالنسبة إلى عايدة، لم تعد معاناة غسيل الكلى محصورة في الساعات التي تقضيها أمام الجهاز؛ صارت تمتد إلى الطريق المؤدي إليه، ونوعية الطعام، فكل الاعتماد على المعلبات التي تزيد من تفاقم الأزمة بدل تخفيفها، والمياه غير النظيفة التي تضطر إلى شربها وترفع الأملاح والسموم في جسدها الهزيل.

مرضى في زمن الحرب
لكن معاناة مرضى غسيل الكلى في غزة لا تتشابه في بداياتها، وإن كانت الحرب تجمعهم في الرحلة نفسها، فلم تبدأ ختام دغمش، البالغة 37 عامًا، من تل الهوى في غزة، رحلة غسيل الكلى قبل الحرب بسنوات طويلة؛ فمنذ نحو ستة أشهر فقط، أصبحت الجلسات جزءًا من حياتها بعد أن أضعف السكري الذي رافقها منذ طفولتها وارتفاع ضغط الدم الذي تعاني منه منذ 16 عامًا كليتيها.
لكن الحرب لم تمنحها وقتًا للتكيف مع مرض جديد؛ فقد دُمّر بيتها، ونزحت إلى خيمة في تل الهوى، لتجد نفسها تحاول تأمين علاجها وسط ظروف لا تملك فيها حتى ثمن الدواء.
تقول ختام لـ”عابر”: إن ارتفاع الكرياتينين بدأ يترافق مع تورم في جسدي يرافقه إسهال مزمن”، قبل أن تصل إلى المستشفى وتكتشف بالتحليل أنه وصل إلى ست درجات، ثم ارتفع إلى 15 درجة، ودخلت في غيبوبة على إثره، وكانت تخشى الغسيل وترفضه في البداية، لكن تدهور حالتها لم يترك لها خيارًا آخر.
ومع نقص المستلزمات الطبية، تسرد أن جلسات الغسيل لم تعد كما ينبغي؛ فبعد أن كانت تتلقى ثلاث جلسات أسبوعيًا، أصبحت جلستين فقط، لا تتجاوز كل منهما ساعتين في إحدى فترات النقص.
وحدي في خيمة النزوح
تقول دغمش إن جسدها لم يعد يحتمل: “السموم تتراكم داخلي، أفقد الوعي كثيرًا، ولم أعد أمشي أو أتحرك كما السابق”.
ولا ينتهي نقص العلاج بانتهاء الجلسة، إذ تضيف أنها تحتاج إلى إبر تأخذها يومًا بعد يوم، وإلى “فيتامين دال” والكالسيوم، لكن “لا أحد يصرف عليّ. فقدت والديّ ودُمّر بيتي، وأصبحت أعيش في خيمة نزوح وحدي بإعاقة حركية وبصرية نتيجة لارتفاع السكر المزمن”.
ومع غياب الطعام الكافي والعلاج المنتظم والماء النظيفة، تجد دغمش نفسها أمام مرض يحتاج إلى رعاية مستمرة، في وقت لا تملك فيه مصدر دخل أو معيل، وتقول قبل أن تختصر ما آلت إليه حياتها منذ أصابها الفشل الكلوي: “الله لا يذوقك اللي بذوقه”.

جلسات لا تكفي للبقاء
ما عاشته عايدة وختام من تقليص جلسات الغسيل، يفسره الدكتور غازي اليازجي، رئيس قسم أمراض وزراعة الكلى في مجمع الشفاء الطبي، بأنه نتيجة مباشرة لنقص المستلزمات اللازمة لتشغيل الأجهزة.
ويؤكد لـ”عابر” أن مريض غسيل الكلى يحتاج عادة إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، مدة كل منها أربع ساعات، لكن نقص مادة بيكربونات الصوديوم اضطر الطواقم الطبية في إحدى فترات النقص إلى تقليصها إلى جلستين أسبوعيًا، وبثلاث ساعات للجلسة، ما خفض وقت الغسيل الأسبوعي من 12 ساعة إلى النصف بواقع ست ساعات.
ويحذر اليازجي من أن هذا التقليص يعني بقاء السموم داخل أجساد المرضى، إلى جانب ارتفاع مستوى البوتاسيوم واضطراب التوازن الحمضي، وهي مضاعفات قد تزيد من خطر الوفاة.
ومن بين أكثر النواقص تأثيرًا، يذكر أدوية علاج فقر الدم، موضحًا أن كثيرًا من مرضى الغسيل تصل مستويات الهيموغلوبين لديهم إلى أقل من 7 غرام/ديسي لتر، ما يسبب الضعف والهزال ويدفع الطواقم إلى اللجوء إلى نقل الدم. بالإضافة إلى أدوية الكالسيوم والقساطر الطبية المستخدمة للغسيل، إلى جانب قطع الغيار اللازمة لإبقاء الأجهزة قيد الخدمة.
انتهى الأمر بالوفاة
ولا يقتصر أثر الحرب على ما يحدث داخل مراكز الغسيل؛ فالنزوح وحصار المستشفيات وصعوبة التنقل حالت دون وصول مرضى إلى جلساتهم، إذ أن بعضهم بحسب اليازجي انقطع عن الغسيل لأكثر من أسبوع، فيما امتد الانقطاع لدى آخرين إلى أسبوعين أو ثلاثة، وانتهى الأمر بالوفاة.
ويمتد النقص إلى مرضى زراعة الكلى أيضًا، إذ يلفت إلى نقص التحاليل والأدوية المثبطة للمناعة، ما يهدد بفقدان الكلية المزروعة وعودة المريض إلى الغسيل. أما خارج المستشفى، فيواجه المرضى قيودًا إضافية؛ فالنقص الغذائي يدفعهم إلى الاعتماد على المعلبات الغنية بالفوسفور التي تضر الكلى بشكل واضح، فيما يؤدي غياب المياه النظيفة إلى النزلات المعوية والإسهال، في أجساد تحتاج أصلًا إلى رعاية غذائية وصحية دقيقة.
أعداد تتضاعف
في مركز هند الدغمة لغسيل الكلى في مجمع ناصر الطبي، يتلقى أكثر من 200 مريض العلاج، قدموا من مختلف محافظات قطاع غزة. وخلال النصف الأول من عام 2026، أجرى المركز 2.159 جلسة غسيل، والفريق الطبي اقتصر على خمسة أطباء و21 ممرضًا.
ويقول رئيس قسم غسيل الكلى، رياض بربخ، إن حجم الإقبال والضغط على الخدمة يتضاعف مع شح الأجهزة والمستلزمات العلاجية، مشيرًا إلى أن الظروف القاسية أدت إلى فقدان عدد من المرضى نتيجة تعذر توفير كامل متطلبات الرعاية الحيوية لهم، فيما يهدد أي نقص في المستلزمات أو تعطل الأجهزة حياة المرضى مباشرة.
لكن إلى متى يستطيع مريض غسيل الكلى في غزة أن يبقى معلقًا بين الخيمة وسريره في المستشفى، ينتظر جلسة لا تحتمل التأجيل، ودواء قد لا يصل، وجهازًا قد يتوقف في أي لحظة؟ وإلى متى يبقى الحق في العلاج مرهونًا بما تسمح به ظروف الحرب والنزوح ونقص الإمدادات؟
