“الهوية المفقودة”.. أطفال اليمن يبحثون عن إعتراف قانوني

عابر- اليمن

علياء محمد

بين أم تخشى ضياع مستقبل أطفالها، وطفل ينتظر حقه في الاعتراف القانوني، تبقى الهوية بالنسبة لآلاف النازحين اليمنيين معركة يوميّة من أجل البقاء داخل سجلات الحياة. إذ حرم الصراع المسلح الاف الاطفال  من الحصول على شهادات ميلاد ووثائق ثبوتيّة، الأمر الذي هدد حقهم في التعليم والرعاية الصحيّة والحماية القانونيّة.

أكثر من نصف الأسر

وفقًا لبيانات أممية صادرة عام 2024، يعيش نحو 4.5 مليون نازح في ظروف إنسانيّة صعبة داخل اليمن، فيما أظهرت دراسة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أُجريت على 47 ألف أسرة نازحة، أن أكثر من نصف الأسر لديها طفل واحد على الأقل بلا شهادة ميلاد، فيما أشارت تقارير رسميّة إلى أن أزمة غياب الوثائق برزت كتهديد حقيقي لمستقبل الأطفال النازحين  في اليمن.

وثائقنا مفقودة

خلف هذه الأرقام، تختبئ قصص يوميّة لأطفال يكبرون خارج سجلات الدولة، وأمّهات يحاولن انتزاع اعتراف قانوني بأبنائهن وسط تعقيدات النزوح.

“لا توجد شهادات ميلاد رسميّة تثبت وجود أطفالي” هكذا بدأت أم نجاة، وهي نازحة من مدينة تعز الى عدن حديثها، وبجوارها أطفالها أحمد (10 سنوات) ومحمد (7 سنوات) في أحد مخيمات النزوح هناك، يُعرف بإسم “مخيم الرباط”.

وعن رحلة النزوح، تقول لـ”عابر”: “خرجنا من المنزل أثناء القصف، ولم نأخذ معنا سوى الملابس؛ وثائقنا باتت مفقودة”. تركتها أم نجاة في منزلها، لأنها خرجت على حين غفلة، ولم تتمكن بعد ذلك من العودة إلى منزلها مرّة أخرى كي تُحضر الأوراق الرسميّة معها، كما تواجه صعوبات جمّة في إصدار وثائق جديدة. 

وتضيف: “وبعد سنوات من النزوح، حاولت تسجيل أطفالي  في إحدى المدارس، لكن الإدارة رفضت ذلك بدون شهادة ميلاد رسميّة”. وبعد معاناة طويلة تمكنت أم نجاة تسجيلهم بضمان استخراج شهادات ميلاد جديدة.

لا تقتصر معاناة أم نجاة على صعوبات تخص تعليم أطفالها وإنما تمتد إلى الحصول على الرعايّة الصحيّة والمساعدات الإنسانيّة، حيث تُطالب الأسرة في كلّ مرة بإثبات هوية الأطفال.

معاناة بالجملة

ومثل أم نجاة، فقدت أسر كثيرة وثائقها الرسميّة خلال رحلة النزوح وترتب على ذلك صعوبة في استخراج شهادات الميلاد بسبب العقبات الاداريّة واللوجستيّة وكذلك لم تتمكن بعض العائلات من تسجيل المواليد الجدد. من بين هؤلاء هدى (اسم مستعار) أرملة وأم لطفلين (7و8 سنوات) فقدت شهادات ميلادهم وشهادة وفاة زوجها بسبب النزوح من منزلها في عدن أثناء الحرب، الأمر الذي فاقم أزمتها ومنعها من الحصول على المساعدات. 

وكانت محافظتي عدن و مارب من المحافظات اليمنية الرئيسيّة التي استقبلت النازحين/ات القادمين من مناطق الصراع المختلفة في اليمن، مثل الحديدة وتعز، واكتظت بأعداد كبيرة من الأسر في المخيمات، في ظروف معيشيّة قاسية افتقرت لأبسط الاحتياجات الحياتيّة الأساسيّة.

صك مفقود

وفي هذا السياق، تصف الناشطة الاجتماعيّة أروى فضل شهادة الميلاد بـ”صك العبور نحو الحقوق المدنيّة والقانونيّة”، تتابع حديثها مع “عابر” وتقول: “فهي الوثيقة التي تمنح الإنسان اعترافًا رسميّا بوجوده على قيد الحياة، وفقدانها أو عدم الحصول عليها يجعل الطفل خارج منظومة الخدمات الأساسيّة التي عادة ما تعتمد على بيانات رسميّة دقيقة”.

وتلفت فضل إلى وجود عدّة عوامل ساهمت في عرقلة حصول الأطفال على هذه الأوراق، أبرزها، العامل الجغرافيّ، حيث تبعد المخيمات عن مكاتب الأحوال المدنيّة مسافات طويلة، الأمر الذي يجعل تسجيل المواليد مهمة شاقة ومؤجلة أحيانًا كثيرة” خاصة أن ظروف النزوح الصعبة أرهقت الناس وجعلت أولوياتهم في تأمين المأكل والمشرب والطبابة ليس أكثر.

كلفة مادية مرتفعة

وهذا ما يؤكد عليه أيضًا، ممثل الوحدة التنفيذيّة للنازحين في عدن، أشرف عبد الله، إذ يقول لـ”عابر”: “يواجه آلاف الأسر في مخيمات النزوح في عدن تحديات معقدة في استخراج شهادات الميلاد لأطفالهم  الأمر الذي وضعهم في دائر الخطر القانونيّة والاجتماعيّة”.

يُعدد عبد الله التحديات التي تمّ رصدها وشكّلت عقبة أمام استخراج وثائق ميلاد جديدة للأطفال، فهي إلى جانب فقدان الوثائق الأصلية نتيجة النزوح والتهجير القسري، فإن استخراج البديل “يُعد أمر في غاية الصعوبة بسبب اشتراط ضرورة حضور الوالدين أو أحدهما، وقد لا يتوفر ذلك أحيانًا كثيرة، وكذلك الكلفة الماديّة المرتفعة والتي تفوق قدرة النازحين في ظل الظروف الراهنة”.

على مقلب آخر، لفت عبد الله، إلى أن جزء  كبير من النازحين “لا يدرك أهميّة امتلاك هذه الوثائق وبعضهم يستصعب الإجراءات القانونيّة” ما زاد من تعقيد الأمر. وأشار إلى “تمييز يعاني منه غالبيّة النازحين، من قِبل بعض الموظفين داخل مكاتب الأحوال والسجلات المدنية، ومحاولة عرقلة حصولهم على أوراق ثبوتية لمواليدهم بحجة أنهم لا يستحقونها، علمًا أن هذه المكاتب حكوميّة”.

وخلال إعداد هذا التقرير، تمّ التواصل مع مصلحة الأحوال المدنيّة والسجل المدني للحصول على تعليق رسمي حول هذه الإجراءات والتحديات المرتبطة بها، إلا أنها رفضت الإدلاء بأيّ تصريحات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب تعقيد الإجراءات واستمرار معاناة آلاف الأسر النازحة التي تسعى لتثبيت هوية أطفالها وانتشالهم من دائرة “اللاوجود القانوني”.

83 % من الأطفال بلا تسجيل

يرى رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة أحمد القرشي، أن وجود نسبة أطفال يمنيين غير مسجلة أو  حاصلة على شهادات ميلاد يُعد كارثة بكل ما للكلمة من معنى، إذ يقول: ” انخفضت نسب تسجيل المواليد من 22 في المئة في عام 2006، إلى 17 في المئة عام 2013″ وبأن “هذا الانخفاض حصل قبل تفاقم النزاع الأخير” ما يعني أن النسب الحالية في ظل انهيار المؤسسات قد اصبحت أسوأ بكثير.

وفي سياق متصل أوضح القرشي أن “نحو 70 في المئة من النازحين المقدر عددهم بـ4.5 مليون نازح هم أطفال وفي عمر الشباب”.

ووفقاً للمسوح والتقارير الصادرة عن منظمة اليونيسف، فإن 83 في المئة، من الأطفال في اليمن ليس لديهم شهادات ميلاد و هذا الرقم يعني أن الأغلبية الساحقة من أطفال البلاد هم قانونيًا في حكم المنسيين”.

وهكذا فإن أكثر من نصف تركيبة المجتمع اليمني، وتحديديًا النازحين،  أيّ ملايين الأطفال قد فقدوا وثائقهم أو وُلدوا في المخيمات ولم تُستخرج لهم أي أوراق ثبوتيّة وهذه كارثة حقوقية مكتملة الأركان بحق كل طفل، بحسب القرشي.

انتهاكًا صارخًا

ويرى حقوقيون كثر، أن غياب الوثائق الثبوتيّة لا يمثل مجرد مشكلة إدارية، بل يشكل انتهاكًا مباشرًا لحقوق الطفل الأساسيّة، وهي حقوق يكفلها الدستور اليمني واتفاقية حقوق الطفل. تقول المحامية أحلام صالح إن حرمان الطفل من الهوية القانونيّة قد يفتح الباب أمام سلسلة طويلة من الانتهاكات، تشمل الحرمان من التعليم والميراث والرعاية الصحيّة وحتّى صعوبة إثبات النسب مستقبلًا”.

وتضيف لـ”عابر”: “هناك مجموعة قوانين تعالج هذه القضية منها الدستور، وقانون الأحوال الشخصيّة، وقانون الطفل، إضافة إلى الاتفاقيات والمواثيق الدوليّة الخاصّة بحقوق الإنسان والطفل”.

وتشير إلى أن الإطار القانوني اليمني، بما في ذلك قانون الوثائق وقوانين الأحوال المدنيّة، يتيح للمواطنين استعادة وثائقهم المفقودة عبر إجراءات قانونية تبدأ بالإبلاغ عن الفقدان ثمّ التقدم بطلب استخراج فاقد.

وبينت أن الإجراءات القضائية تمثل المسار القانوني الأساسي، حيث يتم رفع دعوى “إثبات واقعة ميلاد” أو “إثبات نسب” أمام الجهات المختصة، وبعد صدور الحكم القضائي، تقوم الجهات الحكومية المختصة، مثل مصلحة الأحوال المدنيّة والسجل المدني، بتنفيذ الحكم وإصدار الوثائق الرسميّة اللازمة.

وأكدت في ختام تصريحها أن مسؤولية الدولة قائمة في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان إثبات الهويّة وحماية حقوق المواطنين، وعدم حرمان أي طفل من حقوقه بسبب غياب الوثائق الرسميّة.

حملات متنقلة

تطالب منظمات مختصة بحقوق الطفل بضرورة إطلاق حملات متنقلة داخل المخيمات لتسجيل المواليد، وإعفاء الأسر النازحة من رسوم استخراج الوثائق، إلى جانب تبسيط إجراءات إثبات الميلاد للأطفال فاقدي الوثائق.

وفي محاولة لاحتواء أزمة غياب شهادة الميلاد لآلاف الأطفال النازحين، نفذت اليونيسف وشركاء لها حملتين  لتسجيل المواليد في 16 محافظة استطاعت خلالها الوصول إلى أكثر من 54 ألفًا من الأطفال والبالغين لاستخراج هذه الوثيقة.

وفي هذا السياق، ترى الناشطة الحقوقية والمجتمعيّة أروى فضل، أن مساعدة الأسر في استخراج شهادات الميلاد  لأطفالهم لم تعد خيارًا، بل ضرورة إنسانيّة ملحّة، تتطلب تحركًا عاجلًا من الجهات الرسميّة والمنظمات الإنسانيّة، عبر تسهيل الإجراءات، وإطلاق حملات تسجيل متنقلة تصل إلى المخيمات،  بالاضافة الى تفعيل إجراءات مرنة واستثنائيّة لمعالجة حالات “السواقط”، أيّ الذين سقطوا سهوًا أو تأخروا عن التسجيل في السجل المدني، ومن لم يتم تسجيلهم في الوقت المحدد.

وفي المحصلة، يؤكد الجميع على أهمية تكثيف الجهود الرسميّة والدوليّة لمعالجة هذه الأزمة، وضمان عدم بقاء آلاف الأطفال خارج سجلات الحياة القانونيّة، بما يحفظ حقوقهم ويؤسس لمستقبل أكثر أماناً واستقراراً، خصوصًا في ظل غياب الاستقرار الأمني راهنًا في البلاد، وبالتالي تجنيب هؤلاء الأطفال أزمات إضافية هم بغنى عنها.