الحظ العاثر للوردي والسعيد لشريعتي.. هل يدفع العراقي ثمن عراقيته
اسعد الزلزلي – مقال رأي
ربما لم يكن علي الوردي يتخيل أن المجتمع الذي أمضى حياته في تشريح تناقضاته سيمنحه، بعد رحيله، دليلاً جديداً على صحة بعض ما قاله.
كان الوردي يراقب المجتمع العراقي وهو يتحدث بلغة ويمارس بأخرى، يرفع قيمة معينة في الخطاب ثم يفعل عكسها في الواقع، ويتعامل مع الأفكار والأشخاص وفقاً لموقعهم من منظومة الولاءات أكثر مما يتعامل معهم وفقاً لقيمة ما يقولون. بعد عقود، يبدو أن شيئاً من ذلك لم يتغير. بل ربما أصبح أكثر وضوحاً.
ولعل المقارنة بين علي الوردي وعلي شريعتي تكشف جانباً من هذه المفارقة. ليس غريباً أن يختلف الناس حول الأفكار، ولا أن يخضع المفكرون للنقد والمراجعة، بل إن قيمة أي فكر حقيقي تكمن في قدرته على الصمود أمام الأسئلة والاعتراضات. لكن الغريب في العراق اليوم أن السؤال لم يعد: ماذا قال المفكر، بل أصبح، في كثير من الأحيان: من أين جاء؟ ولمن ينتمي؟
وهنا تبدو المقارنة بين عالم الاجتماع العراقي علي الوردي وعالم الاجتماع الإيراني علي شريعتي لافتة إلى حد كبير.
كلا الرجلين جاء من بيئة اجتماعية ودينية وسياسية متقاربة في بعض جوانبها، وكلاهما حاول أن يقدم قراءة نقدية للمجتمع، وأن يخرج من أسر التقاليد الجامدة إلى أسئلة الحداثة والتغيير.
الوردي درس علم الاجتماع في الولايات المتحدة وحصل على الدكتوراه من جامعة تكساس، ثم عاد إلى العراق ليقدم مشروعاً حاول من خلاله تفسير الشخصية العراقية وتناقضاتها، متناولاً الصراع بين البداوة والحضر، وبين القيم الاجتماعية المعلنة والسلوك الفعلي.
وشريعتي درس في إيران ثم في فرنسا، وتأثر بالفكر الاجتماعي والفلسفي الحديث، وحاول أن يقدم قراءة إصلاحية للدين والمجتمع، وأن يحول الوعي الديني إلى قوة للتغيير والعدالة والتحرر، قبل أن يصبح أحد أبرز الأصوات الفكرية المؤثرة في المرحلة التي سبقت الثورة الإيرانية.
ليس المقصود هنا وضع الرجلين في كفة واحدة، فلكل منهما سياقه ومشروعه وتناقضاته وتأثيره التاريخي. لكن المقارنة مهمة لسبب آخر. فكلاهما كان مفكراً صاحب مشروع، وكلاهما قابل للنقد، وكلاهما لا ينبغي أن يتحول إلى صنم فكري، لكن السؤال هو: لماذا يُعامل أحدهما بوصفه مفكراً قابلاً للنقد، بينما يتحول الآخر أحياناً إلى شخصية تكاد تكون فوق النقد؟
الوردي عراقي. وشريعتي إيراني. وهذه، في العراق اليوم، قد تكون أحياناً أهم من كل ما كتبه الرجلان.
الوردي الذي اكتشف اللعبة مبكراً، لو كان بيننا اليوم، ربما لن يحتاج إلى كتابة كتاب جديد. قد يجلس فقط أمام شاشة التلفزيون، يراقب النقاشات، ثم يبتسم.
ربما سيقول: “ألم أقل لكم إن المشكلة ليست دائماً في الفكرة، بل في الإنسان الذي يتبناها؟”، وربما سيضيف، بصوت ساخر: “كنتم تتحدثون عن التناقض الاجتماعي، فإذا بكم تحولونه إلى منهج حياة”.
فهو، قبل عشرات السنين، لم يكن يصف مجتمعاً مثالياً، بل كان يحاول كشف المسافة بين ما نقوله وما نفعله. واليوم تكفي مقارنة صغيرة بين طريقة تعامل بعضنا مع الوردي وشريعتي لنكتشف أن تلك المسافة لا تزال قائمة. بل ربما اتسعت. حين يصبح الوردي مشكلة لأنه عراقي.
في العراق، من السهل أن تجد من يخرج إلى الإعلام ليسفه علي الوردي، ويصفه بالسطحية أو الجهل، ويختزل مشروعه كله في بعض الملاحظات أو الأخطاء، وكأن عقوداً من البحث والتأليف يمكن إلغاؤها بجملة ساخرة أمام كاميرا. لا مشكلة في نقد الوردي. المشكلة في أن يصبح تسفيهه ظاهرة.
والأغرب أن كثيراً ممن يرفعون شعار النقد والحداثة لا يبدون الحماسة نفسها عندما يتعلق الأمر بمفكر آخر جاء من خارج الحدود. وهنا لا يعود السؤال عن الفكر. يصبح السؤال عن الهوية والولاء.
قبل فترة، ظهر أحد الزملاء في برنامج حواري للحديث عن علي الوردي. الرجل الذي أعرفه منذ سنوات كان يعمل مونتيراً في إحدى القنوات التلفزيونية. شخصية هادئة، قليلة الكلام، تميل إلى الصمت وتتجنب السجالات.
لكنني فوجئت به ضيفاً في برنامج حواري، وكان جزء كبير من حديثه مكرساً لتسفيه الوردي والتقليل من شأن ما قدمه.
قد يكون هذا حقه الكامل. وقد يكون قد اكتشف في مشروع الوردي ما يستحق النقد. لكنني وجدت نفسي أتساءل عن المفارقة: لماذا كان الصمت طويلاً، ثم جاء الكلام فجأة من بوابة تسفيه أحد أهم علماء الاجتماع العراقيين؟
ربما كان عمله الجديد قد منحه مساحة للحديث. وربما أراد أن يقول ما لم يقله من قبل. ولا أريد أن أحول موقف شخص إلى قضية أكبر من حجمه. لكنه ليس الحالة الأولى. فقد سبقته شخصيات سياسية ومثقفون وإعلاميون، وكثير منهم ينطلقون من اتجاهات وولاءات يعرفها العراقيون جيداً، حيث تصبح العقيدة أو الجماعة أو القومية أو المشروع السياسي أهم من فكرة الوطن. وهنا يصبح الوردي، مرة أخرى، شاهداً على ما يحدث.
ماذا لو كان الوردي يراقبنا؟ ربما كان سيقول: “أنا لم أقل إن العراقي أسوأ من غيره. قلت فقط إن عليه أن يتأمل تناقضاته”. ثم ينظر إلى المشهد اليوم ويسأل: لماذا يصبح المفكر العراقي موضع شك لمجرد أنه عراقي؟ لماذا نبحث عن الحكمة خارج الحدود ثم نفتش عن العيوب داخلها؟
ولماذا نطلب من الوردي أن يثبت جدارته كل يوم، بينما نتعامل مع مفكرين آخرين بحساسية تمنع حتى مناقشة بعض أفكارهم؟
ربما سيضحك الوردي مرة أخرى. فهو الذي جعل من التناقض الاجتماعي موضوعاً لسنوات من البحث، سيجد أن بعضنا قرر أن يجعل التناقض نفسه معياراً للولاء. ربما كان حظ الوردي العاثر أنه ولد هنا
قد يكون حظ علي الوردي العاثر أنه ولد في العراق. بلد أصبح الانتماء إليه في مراحل كثيرة أقل أهمية من الانتماء إلى عقيدة أو حزب أو طائفة أو قومية أو مشروع يتجاوز الحدود. بلد جرى فيه، على مدى عقود، تفكيك فكرة الوطن نفسها.
أصبح الجار غالبا أهم من الدار. وأصبح السؤال: “أنت مع من؟” أهم من السؤال: “أنت من أين؟”، ثم جاء الدور على الذاكرة. إذا نزعت من الإنسان انتماءه، يصبح من السهل أن تعيد تشكيل تاريخه. وإذا أعدت تشكيل تاريخه، يصبح من السهل أن تعيد تعريف رموزه. ثم تبدأ بمحاكمة الرموز نفسها.
علي الوردي واحد من هذه الرموز. ليس لأنه معصوم من الخطأ، وإنما لأنه عراقي ترك أثراً فكرياً لا يمكن ببساطة محوه أو تسفيهه. ليست القضية الوردي وشريعتي
المقارنة بين الرجلين ليست دعوة إلى تقديس الوردي ولا إلى إسقاط شريعتي. على العكس. فربما يكون أفضل تكريم لهما هو أن نقرأهما بحرية، ونناقش أفكارهما، ونكشف نقاط القوة والضعف في مشروعيهما دون أن نسأل أولاً عن جنسيتهما. لكن ما يحدث حين يصبح شريعتي بعيداً عن النقد بسبب رمزيته، بينما يصبح الوردي هدفاً دائماً للتسفيه بسبب عراقيته، يكشف شيئاً أخطر من الاختلاف الفكري. يكشف أن الولاء قد يكون قد سبق الفكر.
وهنا ربما كان الوردي سيقول لنا، لو كان حاضراً: “ألم تلاحظوا أنكم ما زلتم تفعلون الشيء نفسه الذي حاولت أن أشرحه لكم؟” نحن لا نناقش الفكرة دائماً.
نحن نناقش صاحبها أولاً. ننظر إلى جواز سفره قبل كتابه. إلى انتمائه قبل فكره. إلى موقعه من خريطة الولاءات قبل أن نعرف ماذا قال.
وهذا هو الخطر الحقيقي. فالأمم لا تحتاج إلى أن تمجد كل أبنائها، لكنها تحتاج إلى أن تعرف قيمة منجزهم. ولا تحتاج إلى أن ترفض كل ما يأتي من الخارج، لكنها تحتاج إلى أن تمتلك القدرة على النظر إليه بعين نقدية لا بعين التقديس.
أما أن يصبح العراقي مداناً لأنه عراقي، وأن يصبح القادم من الخارج محصناً لأنه من الخارج، فهذه ليست حداثة. هذا اغتراب.
ولعل أكثر ما كان سيؤلم الوردي أن يرى العراق الذي حاول أن يفهمه طوال حياته، وقد وصل إلى مرحلة يحمل فيها أبناؤه جوازه في جيوبهم، لكنهم يبحثون عن وطنهم في مكان آخر.
عندها ربما لن يكتب الوردي كتاباً جديداً. ربما سيكتفي بأن يقول: “يبدو أنني لم أكن أدرس الماضي.. كنت أصف المستقبل”.
