الانتحار العلني حين تتحول اللحظات الأخيرة إلى مشهد متكرر في مصر

عابر – مصر
لم تعد بعض لحظات إنهاء الحياة تحدث بعيدا عن العيون كما كانت سابقا، بل باتت تبث مباشرة أمام الجمهور، حيث تتحول اللحظة الأخيرة إلى مشهد يتابعه الآخرون في الوقت الفعلي لحدوثه، وهذا ما حدث بالأمس ففي أحد المباني العالية في منطقة سموحة بالإسكندرية المصرية، بدأت دقائق آخر ساعة للشابة الثلاثينية بسنت سليمان من شرفة منزلها في الطابق الثالث عشر، خلال بث مباشر على صفحتها الشخصية.
بدأت القصة بمنشور كتبت فيه “خلي بالكم من ولادي”، على صفحتها قبل ساعات من ظهورها ببث مباشر وهي تتحدث بكلمات قصيرة حملت عتابا واضحا وخذلانا، قبل أن ينتهي المشهد بكادر فارغ يلحقه صوت ارتطام شديد ينم عن سقوطها للأسفل.
ما جرى خلال تلك الدقائق لم يكن معزولا عن ما قبلها، فبحسب ما نشر وتداولته منصات إعلامية، عاشت بسنت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات المتراكمة، من نزاع أسري بعد الانفصال عن زوجها، وخلافات قانونية مرتبطة بالنفقة على بناتها ومسكن الحضانة، إلى جانب ضغوط حياتية شملت مسؤوليات إعالة طفلين وظروفا شخصية صعبة.
هذه المعطيات لا تقدم تفسيرا حاسما لما حدث، لكنها تضعه ضمن سياق أوسع من التراكمات التي سبقت اللحظة الأخيرة كل ذلك كان في ساعات الفجر الأولى، قبل أن تتبين تفاصيل ما حدث مع وصول سيارات الإسعاف وانتقال الأجهزة المعنية إلى الموقع، بينما باشرت الجهات المختصة التحقيق في ملابسات الواقعة.
من موقع الحادث
روى أحد أفراد الأمن بشركة مجاورة لموقع الحادث تفاصيل ما جرى، موضحا أنه أثناء جلوسه في محل عمله سمع صوت ارتطام عاليا، لكنه ظن في البداية أن الصوت ناتج عن “نقل بضائع” بمحل أدوات كهربائية مجاور.
وأضاف الشاهد أنه فوجئ لاحقا بانتشار أمني مكثف ووصول سيارة إسعاف، وبالاستفسار تبين العثور على سيدة أسفل العقار، مشيرا إلى أن الحادث تزامن مع وقت صلاة الفجر، مما أدى إلى تجمع عدد كبير من المصلين من المسجد الواقع أسفل البناية فور خروجهم، وهو ما ضاعف من حالة الذهول في المنطقة.

البث المباشر.. مشهد متكرر
لم تكن بسنت هي الوحيدة الذي اختارت أن توثق مشهد النهاية، إذ سبقتها وقائع أخرى خلال السنوات الماضية اتخذت طابعا مشابها، حيث تحولت اللحظات الأخيرة في بعض حالات إنهاء الحياة إلى مشاهد موثقة أو مباشرة أمام الجمهور، ما أعاد طرح تساؤلات حول تكرار هذا النمط وتحول بعض الأزمات الشخصية إلى أحداث علنية تتجاوز حدودها الخاصة.
ففي إحدى هذه الوقائع، ظهر شاب مصري عبر بث مباشر على موقع “فيسبوك”، وهو يتحدث إلى متابعيه في لحظاته الأخيرة، قبل أن يتدهور وضعه بشكل سريع وينتهي الأمر بوفاته لاحقا إثر تناوله حبوب سامة، الواقعة أثارت صدمة واسعة، ليس فقط بسبب نتيجتها، بل لطريقة عرضها أمام الجمهور لحظة بلحظة.
وفي حادثة أخرى بمحافظة البحيرة، وثق شاب ثلاثيني خلال بث مباشر على فيسبوك لحظاته الأخيرة، في مشهد تابع فيه الناس ما جرى بشكل مباشر، قبل أن تعلن وفاته لاحقا رغم محاولات إنقاذه بعد نقله للمستشفى.
وقبل ذلك، في عام 2019، سجلت واقعة لشاب في إحدى قرى محافظة المنوفية، ظهر في بث مباشر وهو في غرفته قبل أن تنتهي حياته داخل المنزل، في حادثة أعادت وقتها طرح أسئلة حول تأثير الفضاء الرقمي على طريقة ظهور هذه الوقائع.
كما شهدت مصر خلال السنوات الماضية وقائع أخرى ذات طابع مشابه، بينها حالات انتحار أو محاولات ظهرت في أماكن عامة أو جرى تداول تفاصيلها بشكل واسع بعد وقوعها، ما جعل بعض هذه الحوادث تتحول إلى أحداث رأي عام تتجاوز نطاقها المحلي.
ورغم اختلاف تفاصيل كل حالة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو انتقال لحظة شخصية شديدة الحساسية من الإطار الخاص إلى فضاء عام، سواء عبر بث مباشر أو توثيق أو تداول لاحق، قبل اكتمال الصورة النهائية لما حدث.
هذا النمط المتكرر أعاد فتح النقاش حول كيفية ظهور مثل هذه الوقائع، وحدود التعامل الإعلامي والمجتمعي معها، خاصة في ظل سرعة انتشارها واتساع نطاق تداولها.
أرقام وتحذيرات
حذرت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، من تزايد مقلق في حالات الانتحار في مصر، استنادا إلى رصد 216 حالة خلال عام 2024، اعتمادا على ما تم نشره في وسائل الإعلام المحلية.
وأشار التقرير إلى أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للحالات، مرجحا أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير بسبب غياب الشفافية الرسمية والاكتفاء بالرصد الإعلامي.
كما لفت إلى بيانات سابقة لمنظمة الصحة العالمية أفادت بأن مصر كانت ضمن الدول العربية الأعلى في معدلات الانتحار عام 2016، بما يقارب 3800 حالة، ما يعكس استمرار الظاهرة ضمن سياق اجتماعي ونفسي معقد.
إيصال الرسائل ولفت الانتباه
يرى استشاري الطب النفسي وعلاج الأمراض النفسية الدكتور جمال فرويز في حديثه لعابر، أن ما يبدو تزايدا في حالات الانتحار خلال الفترة الأخيرة، لا يعكس بالضرورة ارتفاعا حقيقيا في الأعداد، بقدر ما هو نتيجة مباشرة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
ويوضح فرويز إن معدلات الانتحار تكاد تكون ثابتة نسبيا عبر السنوات، لكن السوشال ميديا أعطت هذه الحالات انتشارا واسعا، وجعلت من كل واقعة حديثا عاما، وأنه في السابق كانت قد لا تنشر مثل هذه الحوادث أو تبقى ضمن نطاق ضيق، بينما اليوم تتحول حالة واحدة إلى قضية رأي عام.
ويضيف أن لجوء بعض الأشخاص إلى الانتحار بشكل علني أو عبر بث مباشر يرتبط برغبة في إيصال رسالة محددة، سواء لمحيطهم أو لأشخاص بعينهم، وأن البعض يسعى إلى إشعار الآخرين بالذنب أو تحميلهم مسؤولية ما وصل إليه.
ويتابع في بعض الحالات، يكون الهدف لفت الانتباه أو تحقيق نوع من الحضور حتى في لحظة النهاية، خاصة مع ثقافة الترند والسعي وراء التفاعل، مؤكدا أن هذه السلوكيات لا تعكس بالضرورة رغبة حقيقية في طلب المساعدة، بل قد تكون قرارا متخذا مسبقا يتم تقديمه في إطار علني.
وفي المقابل، يوضح فرويز أن من يحاول طلب المساعدة فعلا يظهر إشارات واضحة، وقد يتراجع إذا وجد استجابة سريعة من محيطه، إذ أن بعض حالات تم إنقاذها بالفعل بعد تدخل الأصدقاء أو المقربين.
ويشدد على أن الاكتئاب يظل أحد الأسباب الرئيسية للانتحار، لكنه يفرق بين من يعاني من اكتئاب حاد ويميل إلى إنهاء حياته بشكل هادئ وبعيد عن الأنظار، وبين من يقدم على الانتحار العلني، حيث يكون الدافع في كثير من الأحيان مرتبطا بالرسائل والضغوط الاجتماعية.
الضغوط ليست سببا كافيا
ترى الخبيرة النفسية الدكتورة رشا الجندي في حديثها لعابر، أن الضغوط النفسية، رغم قسوتها، لا تقود بالضرورة إلى الاكتئاب أو الانتحار، مشيرة إلى أن هناك استعداد داخلي أو جيني لدى بعض الأشخاص، ومع تراكم الضغوط قد تتطور الحالة إلى اضطراب نفسي يحتاج إلى تدخل متخصص.
وتؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الضغوط، بل في طريقة التعامل معها، موضحة أن إهمال العلاج أو التعامل العشوائي مع الأدوية، سواء بإيقافها أو تغييرها دون إشراف طبي، قد يؤدي إلى تفاقم الحالة بشكل كبير، وقد يصل في بعض الحالات إلى أفكار أو سلوكيات انتحارية.
وفيما يتعلق بالحالات التي تثار عبر مواقع التواصل، تشدد الجندي على أنه لا يمكن تفسير أو تحديد سبب انتحار أي حالة بشكل دقيق دون دراسة متكاملة لخلفياتها النفسية والاجتماعية، لافتة إلى أن هذه الحالات غالبا ما تكون نتيجة تداخل عوامل متعددة، مثل الاكتئاب، أو اضطرابات نفسية أخرى، أو حتى تعاطي مواد مؤثرة.
وتحذر من خطورة تداول مقاطع الانتحار، معتبرة أن نشر هذه المشاهد لا يقتصر ضرره على الضحية، بل يمتد إلى المجتمع، إذ يفرض محتوى صادمًا على الجمهور، وقد يترك أثرا نفسيا سلبيا، خاصة لدى الفئات الهشة، إذ المحتوى المرتبط بالحوادث الصادمة يجب أن يبقى ضمن أطر مهنية متخصصة، وليس عبر الحسابات الشخصية، لأن تداوله بشكل واسع قد يضاعف الأثر النفسي بدلًا من الحد منه
وتلفت إلى أن الضغوط النفسية هي جزء من التجربة الإنسانية اليومية، إذ لا يوجد إنسان بلا ضغوط، لكن الفارق في كيفية التعامل معها، موضحة أن لحظات الضعف قد تظهر على سلوك الإنسان وتعبيراته، وهو أمر طبيعي لا يعني بالضرورة الانهيار.
استغاثة أخيرة
ومن جانبها، قالت وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية مايا مرسي، في تدوينة عبر حسابها على فيسبوك، إن “ما جرى لم يكن مجرد حياة انطفأت، بل استغاثة أخيرة كتبت بدموع القهر قبل أن يسكتها الموت”، معتبرة أن وصول أم إلى هذه المرحلة يعكس مؤشرات خطيرة على تراجع منظومة الأمان الاجتماعي، في ظل ضغوط متشابكة بين الظروف الأسرية والاقتصادية.
وأضافت أن ما أثير حول القضية، وما تردد عن نزاعات تتعلق بمسكن الحضانة، يعكس إشكالية أوسع ترتبط بالاستقرار الأسري وحقوق الأطفال، مشددة على أن سكن الحضانة ليس مجرد مساحة مادية، بل عنصر أساسي في استقرار الأم والأطفال نفسيًا ومعيشيا، وأن انتزاعه أو تهديده قد يفاقم الأزمات بدل حلها.
كما أشارت إلى أن حوادث مشابهة وقعت خلال فترات سابقة، ما يطرح أسئلة حول اتساع دائرة الضغوط التي تواجه بعض الأسر، خاصة في ظل غياب الدعم الكافي أو تفاقم النزاعات الممتدة.
احترام الخصوصية
وفي سياق متصل، قال المجلس القومي للطفولة والأمومة في بيان عبر صفحته الرسمية، إنه يتابع واقعة وفاة سيدة بالإسكندرية، والتي أسفرت عن ترك طفلتين في ظروف إنسانية صعبة، مؤكدا أنه تم توجيه فرق مختصة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطفلتين، ومتابعة أوضاعهما مع الأسرة البديلة.
ودعا المجلس وسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحري المسؤولية في التعامل مع مثل هذه الوقائع، والامتناع عن تداول أي صور أو مقاطع مرتبطة بها، لما لذلك من أثر نفسي مباشر على الأطفال، ولضرورة احترام الخصوصية الإنسانية في مثل هذه الحالات.
حظر النشر
كانت النيابة العامة المصرية قد أعلنت مساء الأحد، حظر النشر في ثلاث قضايا وصفت بأنها “تسيء إلى صورة المجتمع”، وذلك حتى انتهاء التحقيقات، مع السماح فقط بنشر البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب النائب العام.
وشملت القضايا المشمولة بقرار الحظر واقعة اغتصاب مرتبطة بعلاقة عائلية، واعتداء جنسي وقتل لطفلة، إضافة إلى قضية انتحار سيدة في محافظة الإسكندرية.
وبررت النيابة قرارها بما وصفته بتداول واسع لهذه الوقائع على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن طريقة النشر الحالية “تسيء إلى صورة المجتمع وتمس مشاعر أسر الضحايا”، مؤكدة أن القرار يشمل جميع وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
