إيذاء جسدي ونفسي.. الحرب تزيد العنف ضد النساء والفتيات في لبنان

عابر- لبنان

حنان حمدان

في كلّ مرة تستأنف فيها إسرائيل الحرب على لبنان، تجد نساء كثيرات أنفسهن أمام واقع مُعقد يصعب التعامل معه ويشكّل الاستثناء، إذ تمتزج فيه الضغوط الماديّة، الاجتماعيّة والنفسيّة، وتزداد فيه التوترات داخل الأسرة، وتكون النساء والفتيات أكثر عرضة للعنف من قبل الشريك أو الأفراد الآخرين، والأسوأ أن غالبيّتهن تعاني ظروفًا ماديّة منهكة ما يجعلهن غير قادرات على إيجاد خيارات بديلة.

أعاني نفسيًا وجسديًا 

“شتمني وضربني أمام أطفالنا؛ تكرر الأمر مرارًا خلال نزوحنا الأخير” هذا ما قالته منى (إسم مستعار لأنها فضلت عدم الإفصاح عن هويتها)، لـ”عابر” وأضافت: “لم يكن سهلًا عليّ أن أتحمل كلّ ما جرى، أعاني وضعًا نفسيًا وصحيًا سيئًا للغاية، يمارس زوجي عنفًا معنويًا وجسديًا بحقي”.

ومنى (40 عامًا) أمّ لثلاثة أولاد، انفصلت عن زوجها قبل 3 سنوات، نزحت وعائلتها من مدينة صور جنوبي لبنان (حيث كان القصف مستمرًا) إلى شمال لبنان، تقول: “كان يقضي معظم وقته في العمل، وبسبب الحرب أصبح مقيمًا معنا في منزل واحد وطوال الوقت، لا يفوت فرصة إلا ويحاول إهانتي بكلمات جارحة”. 

تروي منى كيف ازداد شعور الحزن والقلق مع مرور الوقت، وكيف باتت محاصرة بين جدران غرفة واحدة، لا تخرج منها إلّا للضرورة: “فضلت العزلة لأنني غير قادرة على فعل أيّ شيء آخر. ولا أملك أموالًا كافية لاستئجار منزل آخر”، وتختم: “كان يعلم حجم الأذى ويصّر على فعله هذا، ويقول لي: إذا لم يعجبكِ الأمر غادري إلى الشارع” على اعتبار أن الشارع والكورنيش البحري كان الملجأ بالنسبة لنازحين كثر.  

 وخلال الحرب، ارتفعت أسعار الإيجارات في لبنان بسبب زيادة الطلب على الوحدات السكنيّة وطُلب من الناس دفع بدل إيجارات مسبقة ولعدّة أشهر، ما فاقم أزمات الناس أكثر، وصّعب عليهم إيجاد أماكن ينزحون إليها. 

مررت بأيام عصيبة

ومنى واحدة من نساء كثيرات، تعرضن لأنواع مختلفة من العنف الأسري، مثل الشتم والتهديد والتحرش الجنسي والضرب، ناهيك عن العنف الاقتصادي كالحرمان من المال. مريم سيّدة أخرى، تروي لـ”عابر” قصتها، فتقول: “الخلافات كانت موجودة لكنها تفاقمت بسبب النزوح وظروفنا المعيشيّة الصعبة”. 

وتضيف: “عشنا ثلاث عائلات سويّة، في بيت صغير، بالكاد يسع عائلة مؤلفة من أربعة أفراد في الظروف العادية، بقينا أكثر من مئة يوم على هذه الحال” وتتابع: “بات عصبيًا للغاية، أيّ شيء كفيل بأن يستفزه، مررت بأيام عصيبة”. علمًا أن الحرب أجبرت عدد كبير من العائلات على العيش معًا واستقبال أفراد تحت سقف واحد، ما أثّر على العلاقات الزوجيّة والأسرية. 

ومريم في الأصل تعاني همومًا من نوع آخر، تشبه هموم جميع النازحين، لجهة تفاصيل الحرب المرة وصعوبة تأمين الاحتياجات الحياتيّة اليوميّة، والخوف والقلق وصولًا إلى الفقد.

خط ساخن 

في لبنان، وفرت الدولة اللبنانيّة الخط الساخن رقم 1745 للإبلاغ عن العنف، وقد وصل عدد الحالات المبلّغ عنها لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لشهر مارس (آذار) الماضي إلى 59 شكوى: 51 حالة عنف جسدي و8 عنف معنوي، في حين سجلت المديرية 73 شكوى في شهر أبريل (نيسان): 62 حالة عنف جسدي، 8 عنف معنوي، 2 عنف جنسي وحالة واحدة عنف اقتصادي، وفي شهر مايو (أيار) 86 شكوى توزعت كالآتي: 73 عنف جسدي، 12 عنف معنوي وحالة عنف اقتصادي. 

ووفق تقارير المديرية فإنه عادة يتمّ التبليغ عن هذه الحالات من قبل الضحية أو أفراد الأسرة أو كل من يشهد عليها بالإضافة إلى تحديد هوية الجاني أو الجانية بالنسبة إلى الضحية.  

تحذيرات وشكاوى 

وحذرت منظمات حقوقيّة ونسوية عدّة من أثر الحرب والنزوح على الفتيات والنساء، كونهن من الفئات الهشة اجتماعيًا. من بينها “أبعاد” وهي مؤسسة مدنية تُعنى بالمساواة بين الجنسين ومناهضة العنف القائم على الدور الاجتماعي مقرها في لبنان، وقد تلقت 250 شكوى على الخط الساخن، منذ بدء الحرب في 2 مارس (آذار) وحتىّى اخر حزيران (يونيو)، ما يؤكد ازدياد حالات العنف الأسري خلال الحرب.   

ووفق آخر أرقامها، فقد استفادت أكثر من 16 ألف إمرأة وفتاة من استجابة أبعاد الطارئة، وقد نفّذت 5.652 جلسة توعوية حول الحماية، السلامة والخدمات المتاحة، وتمّ توزيع 2911 حقيبة حماية متاحة، فيما تلقت 278 امرأة وفتاة خدمات إدارة حالة متخصصة بحالات العنف القائم على الدور الاجتماعي.

“هلق مش وقتها”

وفي هذا السياق، تتحدث منسقة برنامج الاستجابة في “أبعاد” عن واقع النساء والفتيات خلال الحرب، وتقول: “كانت الحالة الطاغية للنساء في حرب 2024 وكأنها تقول: “هلق مش وقتها”، أما اليوم فالعكس ما هو ظاهر تمامًا” وتضيف: “سيدات وفتيات، داخل مراكز النزوح وحتّى خارجها، تشجعن وأعلن وعبّرن عن ما يحصل معهن”. ربما بسبب تراكم الأزمات والأحداث التي لم تترك مجالًا للشفاء منها.

وعن القصص الأكثر خطرًا تُخبرنا حمدان عن إحدى الحالات التي مرّت خلال النزوح: “سيدة تمّ إحالتها إلى المستشفى بعد أن ضربها زوجها وهي حامل ما تسبب لها بنزيف حاد”، وتُعلق: “قد لا تقوم النازحات، في أكثر الأحيان، بخطوات إجرائيّة كأن تنتقل للسكن في مكان آخر، لكنها حتمًا باتت متقبلة أكثر لطلب التدخل الوقائي والإستجابي، كالطلب على التدخل النفسي مثلًا”. 

وما كان لافتًا أيضًا خلال هذه الحرب، أن عددًا من الرجال “طلبوا منّا خدمة التدخل النفسي الأولي، كونهم يعانون آثار الحرب والنزوح والفقر وصعوبات ماليّة” تقول حمدان وتتابع: “لقد تمّت إحالة بعض الأفراد إلى مركز أبعاد للرجال وهو مساحة آمنة وسرية مجانية تُعنى بدعم الرجال نفسيًا واجتماعيًا في مواجهة الضغوط التي تؤثر على حياتهم وعلاقاتهم”. وهذا ما يأتي ضمن عمل “أبعاد” في إشراك الرجل للحد من العنف القائم على الدور الاجتماعي.

ولا تقتصر المأساة على من هم داخل مراكز الإيواء بل تمتد للنساء الأخريات الموجودات لدى الأقارب وأيضًا النساء في موقع المستضيفات اللواتي استقبلن أفرادًا من العائلة الكبرى.

وتتنوع الشكاوى التي وصلت إلى “أبعاد”: “عنف منزلي أسري مترافق مع الجسدي والمعنوي، حتّى أنه طال الأطفال داخل الأسرة أيضًا” حسبما تؤكد المنسقة في “أبعاد” ليلى حمدان، وتلفت إلى أن أكثر من سيدة أخبرت المنظمة أن إهانتهن باستمرار أمر صعب للغاية بالنسبة لهن، ما تسبب لديهن بأزمة نفسية حادة، خصوصًا أن هذه الإهانات تتكرر بوجود أناس لا يعرفونهم أصلًا. 

ولا يمكن أن ننسى النساء المستقلات اللواتي يُعانين من ظروف اقتصادية صعبة، وقد تعرضن للتحرش الجنسي، وعُرض عليهن دفع الإيجارات مقابل خدمات جنسية، أحيانًا كثيرة، وهذه الحالات موجودة وتمّ توثيقها خلال مقابلة النساء.  

أزمات متتاليّة  

وفي عام 2019، شهد لبنان أسوأ أزمة اقتصادية ونقدية في تاريخه الحديث، فقدت الليرة اللبنانيّة قيمتها وتراجعت القدرة الشرائيّة لدى غالبيّة الناس، ولا تزال تبعاتها حتّى اليوم، ومن ثمّ حدث إنفجار مرفأ بيروت في 2020، وعاش الناس تبعات جائحة كورونا والإغلاق التامّ في البلاد، لتأتي الحرب الإسرائيلية على لبنان (23 سبتمبر- 27 نوفمبر) 2024، ومن ثمّ الحرب الإسرائيليّة الأخيرة والتي بدأت في 2 مارس (آذار) الماضي، ولم تنته بعد. ما فاقم أزمات الناس أكثر، وخصوصًا أهالي الجنوب الذين هجّروا من مناطقهم وقضت إسرائيل على منازلهم ومحالهم التجاريّة ومصدر رزقهم. 

ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 21 حزيران (يونيو) الماضي الهشّ والضبابي، وتراجع حدّة التصعيد نسبيًا في الجنوب اللبنانيّ، عاد بعض النازحين إلى قراهم وبلداتهم في زيارات خاطفة لتفقد منازلهم ومصادر رزقهم، وهم الآن يواجهون واقعًا معقدًا بين الانتهاكات الإسرائيليّة المستمرة للاتفاق، الدمار الكبير الذي أصاب المباني والبنى التحتيّة وغياب مقومات الحياة الأساسيّة، لذا اضطر كثر منهم للعودة إلى أماكن النزوح أو السكن لدى أقارب لهم، وفي كلتا الحالتين تتفاقم أزمات النساء والفتيات أكثر. 

قانون بلا رادع

لنفترض أن النساء والفتيات تشجعن وتقدمن بشكاوى سلكت مسارها القانوني، فهل سيشكّل هذا الأمر رادعًا بالنسبة لمرتكبي العنف؟ تُجيب المنسقة في “أبعاد” ليلى حمدان: “لا زال الإطار القانوني في لبنان يواجه تحدّيات كثيرة لجهة توفير الحماية الشاملة والفعّالة للنساء والفتيات الناجيات من العنف الأسري” وتضيف: “قانون حماية النساء رقم 293، هو خطوة مهمة للإعتراف بالعنف الأسري كقضية تستوجب تدخل الدولة لكن التطبيق العملي لا يكشف هذا الأمر، ويبين أن هناك عدّة ثغرات عند التطبيق”، علمًا أن قانون الحماية المذكور يشمل سائر أفراد الأسرة، وحتّى العاملة المساعدة”. 

وعادة ما تكون قناة الإبلاغ الرسمي، عبر قوى الأمن الداخلي، من تلقي البلاغ ومن ثمّ إحالة البلاغ إلى النيابة العامة لإصدار القرار بالإجراءات القانونيّة المناسبة، والتي تختلف بحسب الحالة نفسها، كإصدار طلب حماية أو فتح تحقيق، وهذا يعتمد على الأدلة المتوفرة وكذلك القضية نفسها والخطر الذي تتعرض له الناجية. ورغم كلّ هذه الآليات، إلا أن فعاليتها في ردع مرتكبي المعنف محدودة، والدليل على ذلك هو الأعداد الكبيرة من الشكاوى، التي تشّي باستمرار العنف الممارس ولكن في الوقت نفسه تُخبر واقعًا مفاده أن الناس تجرأن على البوح.  

مسألة أخرى تبرز هنا، وهو البُطء الحاصل في اتخاذ الإجراءات القانونيّة، التي بدورها تدفع باتجاه تراجع النساء عن الشكوى بحق الشخص المعنف والتي عادة ما تكون معه في نفس السكن، علمًا أنه لو تمّ تشكيل صندوق الدعم الاقتصادي الذي تضمنه القانون المذكور لما اضطرت نساء كثيرات للبقاء في المنزل الذي عادة مكان تتشاركه مع المعنف.

وبالنسبة إلى حمدان، فإن تأمين الحماية للنساء والفتيات يتطلب ضمان تطبيق وتطوير التشريعات والمساءلة والمتابعة، وتعزيز الحوكمة على مستوى الجهات المسؤولة كتدريب الجهات الأمنية المختصة، وهذا من ضمن خطة “أبعاد” التي تنفذها راهنًا. علمًا أن الاستجابة القانونيّة وحدها لا تكفي، وهي بحاجة لأن تترافق مع استجابة نفسيّة اقتصاديّة، وكذلك تغيير الأعراف الاجتماعيّة التي تبرر العنف الممارس مرّات كثيرة.  

ثقافة أسرية سائدة

وفي هذا السياق، تلفت المحامية مريانا برو إلى أن “الحروب والظروف الصعبة لا تعطي تبريرًا للمعنفين، خصوصًا وأننا في لبنان مرّت علينا عدّة أزمات، ولكن للأسف تعنيف النساء خلال الأزمات بات واقع حقيقي وملموس” وتقول لـ”عابر”: “من المهم التأكيد على أن قانون الحماية ليس حكرًا على النساء بل يشمل جميع أفراد العائلة بعيدًا عن الجنس، إذ هناك حالات قد تكون فيها النساء هي التي تلعب دور المعنف لأحد أفراد أسرتها على سبيل المثال”. 

وتُعلق: “يأتي العنف الممارس في سياق ثقافة أسرية تعتقد أن “فشة الخلق” تكون عبر العنف والتهديد، ثقافة يتشربها الأطفال، في وقت يُفترض أن تكون الأسرة المكان الأكثر أمانًا وحماية” ولهذا وضع القانون لضبط هذه الأفعال، وتختم: “لا بد من العمل على تثقيف الأسر ودعمها خصوصًا في الظروف الصعبة”. 

يبقى أن نشير إلى أهمية تعامل النساء والفتيات مع مشاعرهن المختلفة في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها، لا سيّما في ظروف استثنائيّة جدًا كالحروب، وأن يتجرأن على قول “لا” للعنف الممارس ضدهن، على أمل خلق منظومة حماية متكاملة، لأن النصوص القانونيّة الراهنة، لا تردع، ولذلك، يكرر المُعنف الفعل نفسه، طالما ينجو دائمًا من العقاب.