كيف يهدد بنزين العراق حياة مواطنيه
يكشف هذا التحقيق الاستقصائي حقيقة البنزين المستخدم في العراق، وخطورته على صحة ملايين المواطنين، من عمّال محطات الوقود إلى الأطفال الذين يعيشون قرب الطرق المزدحمة.
في صباح ملبّد برائحة العادم، يقف حسين علي سلمان، 48 عام، عند باب منزله في أحد أحياء بغداد، يحاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة. الرجل الذي أمضى سنوات يعمل بمحطة وقود، فقد صوته تقريبًا بعد إصابته بسرطان الحنجرة.
كان يستنشق أبخرة البنزين يوميًا، يضحك مع الزبائن، يمسح العرق عن جبينه، ولم يكن يدرك أن الهواء الذي يملأ صدره كان يحرث داخله مرضًا قاتلًا.
يقول حسين بصوت متقطع، بالكاد يُسمع:
"لم يقف معي أحد… تكاليف علاجي تجاوزت الخمسين مليوناً35 ( الف دولار تقريبا)".
لا يشكو قدره بقدر ما يشكو إهمالًا رسميًا يرى أنه كان يمكن أن يحميه ويحمي غيره.
قصة حسين ليست منعزلة، بل جزء من مشهد أوسع يثير قلق الأطباء والمنظمات البيئية، ويطرَح أسئلة ملحّة حول نوعية الوقود المستخدم في العراق، وتأثيره العميق على صحة السكان.
يوسف، ابن الثامنة عشرة، يقلب صور والده الراحل بحزن لا يخطئه النظر.
والده – عامل أيضًا في محطة وقود – توفي قبل أسابيع بعد صراع مرير مع سرطان الرئة.
يقول يوسف:
"بعنا أثاث البيت لنغطي العلاج… لكن السرطان لم يمنحنا فرصة".
يبدو الشاب متيقّنًا أن عمل والده وسط الأبخرة كان الشرارة الأولى للمرض. في بلد يزداد فيه التلوث، لكنه لا يزال يفتقر إلى الحدّ الأدنى من إجراءات السلامة.
بحسب الموقع المختصة بقياس جودة المناخ (IQ Air وهي شركة سويسرية لتكنولوجيا جودة الهواء) يحتل العراق ما بين المركز الثاني والرابع خلال الثلاث سنوات الماضية حسب ما نشرته قناة الحرة عراق. بالرغم من انخفاض الحركة الصناعية في البلاد بعد عام 2003 وتوقف اغلب المصانع الاستراتيجية بسبب تكلفة المنتج العراقي قياسا بالمنتجات المنافسة لدول الجوار وعدم وجود حماية للمنتج المحلي.
بينما اعلنت مديرية المرور العامة عن تواجد اكثر من ثمانية ملايين سيارة في العراق وثلاثة مليون ونصف في العاصمة بغداد وبحدود سيارة واحدة لكل 5.43 أشخاص في عام 2023.
بينما يبلغ حجم استهلاك وقود البانزين اكثر من 28 مليون لتر يوميا بحسب تصريح وزير النفط العراقي حيان عبدالغني، بينما تشير البيانات الخاصة بمساحة العاصمة التي تبلغ ( 5169 ) كيلو متر مربع وفق جهاز الاحصاء المركزي العراقي. بينما يبلغ استهلاك وقود البانزين في الاردن اليومي حوالي (8,862,000) لتر يوميا.
الارقام والاحصائيات تثير الشكوك والتسائل عن حجم التلوث الناتج عن اعداد السيارات ونوعية الوقود المستخدم لتشغيلها هذا ما سنتتبعه خلال هذا التحقيق ونثبت فرضيتنا عن سبب استخدام مواد تحمل عناصر تحتوي على مواد سامة في صناعة البانزين مما يسهم في احداث تلوث في البيئة والاخلال في مركبات الهواء الطبيعي, الامر الذي يسبب امراضاً واضراراً للمجتمع والعالم وبشكل خاص ممن لديهم مشاكل وامراض في الجهاز التنفسي.
في منطقة الشعب شمال بغداد، تراقب طفلة في السادسة عشرة جهاز التنفس الموضوع قرب سريرها.
زهراء أُصيبت بمرض تنفسي مزمن قبل أربع سنوات، بعد أن قضت طفولتها قرب شارع مكتظ بالسيارات.
اليوم، يفكر أهلها بالرحيل. لم تعد المدينة مكانًا آمنًا لرئتي ابنتهم.
قصص حسين ويوسف وزهراء ليست روايات عاطفية، بل دلائل حيّة على أزمة بيئية تزداد تعقيدًا في بلد يتنفس ملايين الليترات من الوقود يوميًا.
الأطباء والخبراء البيئيون الذين تحدّثنا إليهم لم يترددوا في الربط بين نوعية الوقود المستخدم في العراق والارتفاع المقلق في الإصابات السرطانية وأمراض الجهاز التنفسي.
الدكتور عبد الرزاق ...، طبيب استشاري، يوضح أن:
"الرذاذ المتطاير من البنزين يخترق الرئة ويغير طبيعة الخلايا. إنها مقدمة مثالية لنشوء الأورام".
وفقا للاحصائيات الصادرة من وزارة الصحة العراقية عبر التقرير السنوي يتزايد عدد المراجعين المصابين بأمراض الجهاز التنفسي في عام 2020 اذ بلغ العدد ( 334010) مراجع الى مستشفيات العاصمة بغداد والمحافظات العراقية الاخرى بمعدل بلغ ( 13.05 % ) من بقية المراجعين من اصحاب الامراض الاخرى , ليرتفع في عام 2014 الى (334359 ) مراجع الى المستشفيات بمعدل بلغ 19% عن بقية مراجعي الامراض الاخرى .
احصائيات وزارة الصحة و تصريحات مديرية المرور العامة بلسان متحدثها الرسمي عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين ونص مركبة في العاصمة بغداد وثمانية ملايين في عموم العراق تدفعنا للبحث على المسبب الرئيسي للتلوث في اجواء العاصمة بغداد
تواصلنا مع فريق متخصص من الخبراء في مجال البيئة من جامعة بغداد برئاسة الدكتور حسين جبار رئيس شعبة هندسة البيئة في الجامعة وتم تشكيل فريق عمل مهمته إجراء فحوصات ميدانية ووضع نقاط لبيانات حقيقية لإثبات صحة فرضيتنا من خلال اجراء فحوصات عبر اجهزة بيئة متخصصة لمنطقة تشهد زخم مروري ومنطة اخرى لا تشهد زخم مروري وسط العاصمة بغداد .
مقارنة تركيز الملوثات بين المناطق الهادئة والتقاطعات المزدحمة
يقول الدكتور حسين جبار (رئيس قسم الهندسة الكيميائية في جامعة بغداد )ان نسب التلوث مرتفعة من خلال الاحصائيات الموجودة واسبابها متعددة ومختلفة لكن اهمها يتركز بجودة البانزين المستخدم وكميات المواد الكميائية والرصاص في محتواه ويؤكد حسين ان الملوثات الكاربونية تختلف اقطارها وحجمها وتتطاير في الهواء على شكل غبار ورذاذ يتم استنشاقها من قبل المواطنين مما يسبب لهم امراض سرطانية وامراض تنفسية مزمنة وقد تصل الى وفاة الشخص .
ويعرف الكازولين او مايعرف في العراق "بالبنزين" بانه خليط من الهيدروكربونات السائلة المتطايرة القابلة للاشتعال والمشتقة من البترول وتستخدم كوقود لمحركات الاحتراق الداخلي واصبح وقودا للسيارات بسبب قدرته على الاحتراق واختلاطة بسهولة مع الهواء بحسب موقع BRITANNICA
وبعد محاولا كثيرة لايجاد ما يثبت وجود مواد خطرة على البيئة وسمية في منتوج البانزين حصلنا على وثائق رسمية منشورة تفيد ان وزارة النفط وعبر شركة المصافي الجهة المعنية فاتحت وزارة البيئة لأستخدام مواد تحتوي على مادة الرصاص ذات السمية العالية والتلوث البيئي من قبل وزارة النفط شركة المصافي لانتاج البانزين, المادة التي تم حضرها مسبقا منذ عام 2017 بحسب الوثائق المرفقة ولأجل التحايل والتغطية على خطورة الموضوع وتسويفه تم الاتجاه نحو استيراد مواد باسماء اخرى ( ميثيل انيلين ( MMA) ) لاستخدامها في الانتاج البانزين عالي الاوكتان لكن تبين من خلال مخاطبات وزارة البيئة ومن خلال وثاق رسمية احتواء هذه المواد على نسبة 98 % من مادة الرصاص الخطرة .
في الوثائق تردد اسم شركة ( ( S T G الروسية ويمتلك احد مناكيها من جمهورية الصين على اسهم بلغت نسبتها 9.09% روبل من اسهم الشركة وعند تحليل بياناتها وجدنا لها اعمال داخل العراق بالاضافة الى ملاحظة ارتفاع رأس مالها خلال الاعوام الماضية .
بعد اطلاعه على الوثائق الخاصة باستخدام وقود يحتوي على مادة الرصاص يقول الدكتور سعد حنش رئيس قسم الكيمياء في جامعة بغداد وخبير الكمياء النفطية ان استخدام مادة الرصاص وميثيل انيلين ( MMA) كمادة مضافة الى البنزين لغرض تحسين خصائص الاحتراق لكن تاتي بالعديد من المخاطر الصحية والبيئية بسبب الخصائص الكميائية واحتراق المواد في السيارات واستنش اق الابخرة والدخان الناتج عن احتراق وقود السيارات الذي يحتويها ,ويؤكد حنش على سمية المواد وامكانياتها بالتسبب بالتسمم وتلف اعضاء الجسم مثل الكبد والكلى وعضاء الجسم والجهازالعصبي للانسان والوفاة كما لها تاثير مباشر على تلوث البيئة والهواء عند احتراق الوقود المحتوي على هذه المادة تنبعث منتجات سامة وايضا تنتج تلوث للمياه عند تسربها الى المياه تؤدي الى تسمم الحياة المائية وزيادة الاحتباس الحراري وتعبر مادة خطرة جدا .
ولغرض المعرفة الدقيقة للخطورة البيئية الناتجة عن المركبات الكميائية للمواد المضافة تواصلنا مع الخبير ورئيس المهندسين البيئي الاستاذ محمد احمد نجم الذي وضح لنا رموز المواد المواد الكيميائية لها ثلاث علامات للخطر وتسبب طفرات جينية ومسرطنة وتأثر على القدرة الانجابية وسامة جدا وتوقف اعضاء الجسم وتصل خطورتها الى موت الانسان .
ويضيف ان هذه المواد خطرة وتسبب امراض السرطان وتلف اعضاء الجسم والموت للاشخاص العاملين بها وحتى الاحياء المائية والارض مما يكون سبب للتلوث غير مباشر للانسان وتم حضرها في أوروبا والصين لخطورتها .
N-Methylaniline - Wikipedia رابط حضر المواد في اوربا والصين
أقر مجلس الوزراء العراقي في 2021 وثيقة الإسهامات المحددة وطنيا لجمهورية العراق بشأن تغير المناخ والتي تنص على انضمام العراق الى اتفاقية باريس للمناخ.
وتنص اتفاقية باريس وفقا للأمم المتحدة " تبنت 197 دولة اتفاق باريس في مؤتمر الأطراف 21 في باريس في 12 كانون الأول/ديسمبر 2015. دخل الاتفاق حيز التنفيذ بعد أقل من عام، ويهدف إلى الحد بشكلٍ كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية والحد من الزيادة إلى 1.5 درجة."
وبحسب وثيقة الاسهامات المحددة التي أعدت وفقا لمتطلبات الاتفاقية الاطارية للمناخ واتفاقية باريس للمناخ اذ يطمح العراق الى تنفيذ مساهماته المحددة وطنيا للفترة الزمنية من 2021 لغاية 2030 الى تحقيق خفض متوقع بين 1% – 2 % من مجمل انبعاثات وفقا للجرودات الوطنية للغازات الدفيئة بالجهد الوطني و 15 % عند توفر الدعم الدولي المالي والفني وتحقيق الأمن والسلام وفقا لمسارات والتوجهات التي حُددت في هذه الوثيقة وبما يضمن تحقيق المنافع المشتركة لتمكين قطاعاته الهشة من التكيف مع الآثار الضارة لتغير المناخ وبعد ان يتمتع شعبه بتوفير الطاقة الكهربائية ولمدة 24 ساعة في اليوم أسوة بشعوب العالم .
وفي ما يخص الجانب النفط والطاقة خفض نسبة الانبعاثات الناتجة عن الصناعات ومنها صناعة العراق وتبنى العراق وفقا للاتفاقية في المجال الصناعي خفض نسبة الانبعاثات من خلال إدخال عمليات التطوير والتأهيل للصناعات القائمة :
هذا ما لم نجده في المصافي والبالغ عددهم 16 مصفى والعمليات الخاصة بانتاج البانزين ومحطات الوقود المنتشرة من خلال ما توصلنا له من المعلومات والادلة الخاصة بارتفاع نسبة التلوث بنسب كبيرة قياسا مع النسب المحلية والعالمية.
يقول الناشط البيئي قتيبة محمد جواد رئيس المنصة البيئية عند سؤاله عن التلوث الناتج عن انتاج البانزين وخطورته على الانسان "نحن ندين اي انتهاكات بيئية وخاصة وخاصة التي تسبب ضرر مباشر للانسان وامراض خطيرة "
بحسب التقرير السنوي لعام 2020 لاحصائيات وزارة الصحة العراقية ان اعداد المصابين بامراض السرطان بلغت 35,864 مصاب لكل 100,000 شخص
وتشير الاحصائيات في ذات التقرير في الجدول المرقم جدول ( 39-6 ) ان امراض الجهاز التنفسي بلغت نسبة (6.55 ) من المرضى الراقدين في المستشفيات العراقية بالمقارنة مع الامراض الاخرى .
بينما تشير احصائيات مجلس السرطان في وزارة الصحة الى ان سرطان الرئة يحتل المراتب الاولى من بين انواع امراض السرطانية بعد سرطان الثدي لدى النساء وسرطان القولون ويسجل اعلى مستويات الاصابة بالسرطان من بين الانواع الاخرى لدى الرجال وذلك بسبب ان عمال محطات الوقود والعاملين في انتاج البانزين هم من الرجال اذ بلغت الاصابات في عام 2023 (2,129) اصابة بنسبة 11.8 % من مجموع انواع الاصابات السرطانية لدى الرجال بينما سجلت الاحصائيات تدنيها لدى النساء اذ سجلت البيانات ( 891 ) اصابة لدى النساء بنسبة 3.6 .
يؤكد الدكتورعلي عبد الرزاق علاقة امراض الجهاز التنفسي والسرطان بالتلوث الناتج عن مواد البانزين ويسرد قائلا ( ان المود التي يتم استخدامها ممكن ان يوضح مدى تأثيرها على سطح جلد الانسان او من خلال الاستنشاق ودخولها الى رئة الانسان وتغيير الحامض النووي للخلاية الجلدية او التنفسية وتغيرها الى خلاية سرطانية وقد تؤدي الى امراض في المخ الانسان ومنها سرطان المخ )
ويتهم عبد الرزاق وزارة النفط وموظفيها استخدام مثل هذه المواد هو من اجل الحصول على ارباح مالية خاصة ويطالب وزارة الصحة وزارة البيئة بأخذ دورهم لحماية المجتمع والعاملين في منتجات النفطية ومنع استخدام مثل هذه المواد وردعهم الجهات المعنية .
لم تنف وزارة البيئة ما توصلنا له بعد ان حملنا معلوماتنا ووثائقنا وتوجهنا لمعرفة اجراءات ورأي الجهة المختصة بالرقابة والمتمثلة بوزارة البيئة ,تواصلنا مع رئيس قسم المواد الكيميائية في وزارة البيئة الاستاذ لؤي المختار الجهة المختصة بمتابعة الموضوع الذي لم ينف وجود مواد كيميائية خطرة وسمية في منتج البنزين وحمل بدوره الجهات المسؤولة عن العمل المسؤولية من خلال توفير إجراءات الحماية و السلامة والحفاظ على صحة ووعد بالنظر إلى تقييمات هذه المواد مستقبلا.
لغرض معرفة رد الجهة المعنية وهي وزارة النفط العراقية تواصلنا مع الناطق الرسمي باسم الوزارة وبعد محاولات عديدة اجابنا قائلا استلم اسئلتكم وننتظر الاجابة من الجهات العليا ورغم تكرار محاولات الاتصال لم نجد رد يذكر
لم نجد إجابة من وزارة النفط ولا مجيب لمناشدات حسين علي وغيره من الالف المصابين ولم نجد ما يداوي جراح يوسف بعد وفاة ابيه الذي طالب بإيقاف اسباب المرض والموت .
في بلد يضم أكثر من ثمانية ملايين سيارة ويستهلك ما يزيد على 28 مليون لتر من البنزين يوميًا، يصبح الهواء موردًا مهددًا بالانقراض.
بين صوت حسين الذي تلاشى، ودموع يوسف، وأنفاس زهراء المتقطعة، تتجلى أزمة بيئية وصحية كبرى يعيشها العراق.
في ظل غياب إجراءات حقيقية وتجاهل حكومي، يظل المواطن العراقي يواجه كل يوم هواءً ملوثًا… هواء يعرف أنه مضر، لكن لا يملك خيارًا سوى استنشاقه.وبينما يواصل العراقيون حياتهم وسط الهواء المثقل بالسموم، يبقى السؤال الذي لم تجب عليه أي جهة رسمية:
من يحمي رئات العراق؟