في الازقة القديمة للنجف، وُراء جدران صامتة بلا صور وبلا شعارات، يجلس رجل يزيد عن التسعين، لم يستل سلاح ولم يطرح خطاب جماهيري، إنما نجح في توجيه إعصار تغيير اجتاح دولة بأسرها. إنه علي السيستاني، المرجع الأعلى للشيعة في العراق، لم يحكم يومًا واحد خلال حوالى تسعة وثلاثين عامًا من تصديه للمرجعية، لكنه شرح للعالم بأسره التكيف العميق بين الدين والدولة، بين السياسة والدينية، وبالأخص بين الفساد والشرف.
اعتبارًا من شهر نيسان 2003 عندما سقط نظام صدام حسين، ووسط تكافح المصالح الإقليمية والكونية على الساحل العراقي، أصبح العراق متحف التاريخ المفتوح للقوى الخارجية، من الولايات المتحدة التي قادت الغزو، إلى إيران التي حاولت ملء الفراغ عبر أذرعها السياسية والعسكرية. في هذا المشهد الممزق، ظهر السيستاني كمفهوم مختلف للقيادة: رجل الدين الذي لا يحكم، لكنه يوجّه مسار الحكم.
يذكر د. هوگر تركهاني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة روجرز بولاية أوكلاهوما في حديث خاص ل عابر ، أن السيستاني يمثل نموذجًا منفردا يجمع بين الزعامة الأخلاقية والتأثير السياسي دون أن يمارس السلطة مباشرة. "هو لا يمارس السياسة بمعناها الحزبي، لكنه يتدخل عندما يكون كيان الدولة أو أمنها مهددين. في 2004، 2014، و2019 كان صوته حاسمًا – مرة لإنهاء القتال في النجف، ومرة لتعبئة الناس ضد داعش، وثالثة للمطالبة بإصلاح النظام السياسي." ويربط تركهاني بين سلوك السيستاني وبعض النظريات السياسية الكلاسيكية: "نفوذه يجسد شرعية وِبريّة من نوع خاص: شرعية قائمة على الكاريزما والعلم والتقوى، تُترجم إلى طاعة طوعية لا مفروضة. كما ينسجم مع مفهوم الحوكمة اللادولية، حيث تمارس المرجعية سلطة معيارية تنظم السلوك العام وتحفّز الفعل الجماعي دون أن تكون جزءًا من الدولة." عندما اجتاح تنظيم "داعش" الموصل في صيف 2014، كان العراق أمام خطر الانهيار الكامل. لكن السيستاني، الذي نأى بنفسه عن السياسة اليومية، خرج عن صمته ببيان تاريخي دعا فيه العراقيين إلى “الدفاع عن الوطن والمقدسات”. تحولت تلك الدعوة إلى ما عُرف لاحقًا بـ"فتوى الجهاد الكفائي"، التي شكلت نواة قوات الحشد الشعبي. ورغم الانتقادات التي لاحقت تلك القوى لاحقًا بسبب تغلغل فصائل موالية لإيران فيها، فإن نية السيستاني — كما فسّرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى — كانت حماية الدولة لا تعزيز نفوذ أي محور. وقد شدّد السيستاني مرارًا على ضرورة دمج الحشد ضمن مؤسسات الدولة الرسمية ووقف تبعيته لأي جهة خارجية، في موقف عُدّ رسالة واضحة إلى طهران بضرورة احترام السيادة العراقية. كما ذكر تركهاني أن مرجعية السيستاني الدينية كان لها اثر عظيم على تطور القومية العراقية، وخاصةً بين المجتمعات الشيعية حيث دافع عن إطارٍ مدني: "العراق أولاً". في توجيهاته عام 2014، وجعل من الحملة ضد داعش دفاعًا عن جميع العراقيين، وأدانت تصريحاته مرارًا الانتقام الطائفي، وحمى الأقليات، وحثّ على الوحدة في ظل الدستور، بما في ذلك خلال مناقشة استفتاء الاستقلال الذي أقيم في كردستان العراق عام 2017. " في الفترة 2019-2021، دعم الإصلاحات والحوكمة الرشيدة. وقد عزز ذلك بين الشيعة هويةً وطنيةً، لا طائفية، مرتبطةً بالقانون والانتخابات ومؤسسات الدولة".
يشرح د. بابك رحيمي، أستاذ الاتصال والثقافة والدين بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، في حواره مع عابر أن السيستاني أعاد بعد 2003 تعريف معنى القيادة الدينية في مجتمعات مسلمة خارجة من الاستبداد. يقول: "بدلًا من ملء الفراغ السياسي كما فعل رجال الدين في إيران عام 1979، اختار السيستاني دور المرشد الأخلاقي لا الحاكم. لقد جعل من المرجعية قوة مدنية تحفّز المشاركة الديمقراطية وتؤطّرها أخلاقيًا دون أن تتحوّل إلى سلطة سياسية." ويضيف رحيمي أن السيستاني نجح في صياغة ما يمكن وصفه بـ “الشرعية الدينية دون حكم سياسي”، مستندًا إلى أربعة مبادئ: الإرشاد لا الحكم، السيادة الشعبية، التدين المدني، واستقلال المؤسسة الدينية عن الدولة. بهذا المزج بين هذه العناصر، أنتج السيستاني نموذجاً سياسياً دينياً يتعايش فيه القانون الإلهي والممارسة الديمقراطية ــ كل منهما يؤدب الآخر لمنع الاستبداد والفراغ الدنيوي.
نهج السيستاني يلقى إجماعًا من طوائف مختلفة، وضمنيًا لدى المسيحيين الغربيين. ويمكن أن نقرأ، مثلاً، في تقرير للمركز الفرنسي الكاثوليكي للإعلام أن "السيستاني يُعتبر من الشخصيات الأكثر تأثيراً في البلاد، ولعب دوراً محورياً كوسيط سلام ومفاوض في القضايا الدينية والسياسية عقب الغزو الأميركي". وفي تقرير للمعهد الأميركي للسلام حول السيستاني وديمقراطية العراق ما بعد البعث، يُوصف السيستاني بأنه 'رجل براغماتي يتوخى السلام بالتوازي مع الحفاظ على أمن وكرامة الدول الإسلامية'. يتمتع "بالنزاهة الدينية والحكمة لقيادة وتوحيد الشعب العراقي بوجه أعداء الداخل والخارج."
منذ السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق، بدأ كثير من الأكاديميين الغربيين والعرب الحديث عن "ظاهرة السيستاني" باعتبارها نموذجًا نادرًا داخل الفقه السياسي الشيعي. ففي حين تبنّت المرجعية الإيرانية في قمّ نظرية ولاية الفقيه، التي تمزج بين الديني والسياسي وتمنح الفقيه سلطة مباشرة على الدولة، اختار السيستاني طريقًا مغايرًا: المرجعية الراعية لا الحاكمة، والموجِّهة لا المتسلطة. يشرح لنا د. بابك رحيمي، أستاذ الاتصال والثقافة والدين بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، أن السيستاني خاض معركة أكثر تعقيدًا: معركة الاستقلال عن النفوذ الإيراني. "برفضه لنظرية ولاية الفقيه الإيرانية(حكم رجال الدين)، و أعاد إحياء هوية شيعية عراقية وطنية وقد أحيا مثاله روح النجف ما قبل الثورة، التي جسّدها الخوئي، كمركز للعلم والقيادة الأخلاقية،." هذا الموقف، كما يرى رحيمي، أعاد التوازن بين قم والنجف، وأطلق تيارًا شيعيًّا عابرًا للحدود يتبنى الاعتدال والديمقراطية بدلاً من الثورية الدينية. في دراسة نُشرت ضمن سلسلة POMEPS Studies، وُصفت النجف بأنها “المركز الديني الذي يوازن التمدد الإيراني في الفضاء الشيعي”، إذ يعتمد السيستاني على استقلاله المالي والإداري عن طهران، وعلى شبكة تبرعات ومؤسسات خيرية تغطي نشاط المرجعية دون الحاجة إلى التمويل الحكومي أو الحزبي. هذه الاستقلالية البنيوية جعلت النجف مرجعيةً عراقية بامتياز، لا تخضع لقرارات الولي الفقيه الإيراني، ولا تنسجم تمامًا مع رؤيته السياسية.
من جانبه، يرى د. هوگر تركهاني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة روجرز بولاية أوكلاهوما، ان السيستاني رفض ولاية الفقيه ، وتمسك بنهج النجف "الهادئ": الدين يُرشد المجتمع، لكنه لا يُدير الدولة. كما يضيف انه انتقد الميليشيات المدعومة من الخارج، ودعا إلى إخضاع الجماعات المسلحة للدولة. كما أيّد تدخل الأمم المتحدة لضمان حيادية العملية. مع ذلك، لا تزال الجهات المرتبطة بإيران تتمتع بنفوذ؛ فموقفه يُحدد المعايير، لكن تطبيقه كان متباينًا.
في مارس 2021، حين زار البابا فرنسيس العراق، اختار السيستاني أن يستقبله في منزله المتواضع في النجف، بلا أعلام ولا خطب. يصف تركهاني ذلك بالرمزية العميقة: "باستقباله البابا على انفراد في النجف، وعدم ظهوره مع سياسيين أو رجال دين آخرين، برهن السيستاني على استقلاليته عن سلطة الدولة ودوره كصانع جسور أخلاقية، لا كقائد حزبي." ذلك اللقاء، كما يرى تركهاني، كان تتويجًا لسنوات من الجهد الهادئ في ترسيخ نموذج النجف حول التعايش وحماية الأقليات، وعزز نموذج النجف في السلطة الدينية، والقيادة الأخلاقية دون حكم مباشر.
لكن الأسئلة التي يطرحها الباحثون اليوم لا تتعلق فقط بماضي السيستاني، بل باليوم التالي لغيابه. تقرير نشره Middle East Institute عام 2021 بعنوان "هل السيستاني سيكون اخر اسطورة" حذر من أن غياب السيستاني قد يفتح الباب أمام فراغ ديني وسياسي خطير، في ظل وجود فصائل مسلحة ذات ولاءات إقليمية، ومرجعيات دينية أقل استقلالًا. ختاما لا يُقاس تأثير السيستاني بعدد قراراته السياسية أو مواقفه العلنية، بل بقدرته على إعادة تعريف فكرة الدولة في العراق. في زمن كان الجميع يبحث عن “حليف”، كان السيستاني يبحث عن “توازن”. في حين كانت العواصم تتنازع على العراق، كان هو يُذكّر العراقيين بأن بلدهم لا يُدار من الخارج.