لاجئون مجهولو الهوية

.. إرث الأسد يلاحق السوريين بمخيمات النزوح في العراق

مئات الأطفال السوريين اللاجئين في العراق محرومون من حق الحصول على الجنسية السورية، مما يضعهم في مصير مجهول دون مستمسك ثبوتي يربطهم بـ"الوطن"، ويجعلهم تحت رحمة اللجوء. في هذا التحقيق نرصد ونوثق ما يعيشه الأطفال السوريون بمخيمات اللجوء في العراق

"بينما رحل نظام الأسد قبل نهاية العام الماضي، تاركا خلفه إرثا من المشاكل السياسية والاجتماعية، يعيش الآلاف من السوريين بعيدا عن أرض الوطن. ويواجه المئات من أطفالهم اللاجئين في مخيمات إقليم كردستان شمال العراق، التي تأويهم منذ سنوات، مصيرا مجهولا حتى بعد رحيل النظام. ورغم مراجعات ذويهم السابقة، لم يحصلوا على الجنسية السورية، مما يفاقم من مستقبلهم المجهول. هذه المشكلة تضاف إلى باقي ظروف الحياة الصعبة التي يعانون منها في ظل اللجوء، هربًا من ويلات الحروب التطرف وصعوبة العودة

بين جيلين.. معاناة الهروب وحرمان الجنسية

أبو إياس

أبو إياس

أبو إياس

أبو إياس

ليس نقص مستلزمات الحياة الأساسية ما يؤرق مضاجع اللاجئين السوريين في مخيمات دوميز بمحافظة دهوك (نحو 480 كلم شمال بغداد)، بل إن الكثير من أطفال المخيم وُلدوا وكبروا دون أن يحصلوا على جنسية بلدهم الأم، رغم كل محاولات ذويهم

قرب أبواب مخيم دوميز1، يقف نواف محمد مع أحفاده الخمسة، وبالرغم من فرحته برحيل النظام، إلا أنه يقف حائرًا أمام مصير هؤلاء الأطفال الذين وُلدوا بين أسوار المخيم، وعاشوا دون أي مستمسك يربطهم بالوطن. في عام 2012، جاء نواف (61 عامًا) مع ولده صلاح، الذي يعمل عامل بناء، إلى العراق هربًا من ظروف الحرب والعصابات المتطرفة. وتزوج ابنه من إحدى لاجئات المخيم

لكن بعد 13 عامًا من المحاولات المتكررة لمنح أحفاده الجنسية (أكبرهم يبلغ 10 سنوات، وأصغرهم 3 سنوات)، لم يحصل أي منهم عليها. يقول نواف إنه لا يعرف ما ينتظر أحفاده في ظل عدم امتلاكهم لأي مستمسك رسمي، فبلدهم الأم، في عهد النظام السابق، رفض منحهم الجنسية، رغم توكيله محاميًا ورفع دعوى داخل سوريا. إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل، والمستقبل بالنسبة لهؤلاء الأطفال يظل غامضًا، خاصة مع انعدام أي أوراق ثبوتية تثبت انتماءهم للوطن

أحفادي وُلدوا وكبروا هنا، لكنهم بلا جنسية ولا وطن.. لا أعلم كيف سيعيشون مستقبلهم وهم مجرد أرقام في المخيم
نواف محمد لاجيء سوري

ينظر نواف بحسرة إلى أحفاده وهم يلعبون، قائلا: "لا أعلم على ماذا أحزن: على مصير عائلتي أم على ظروفها الصعبة التي أرزح فيها داخل المخيم. فابني يخرج منذ الصباح وحتى المساء ليعمل في البناء من أجل توفير لقمة العيش لأولاده. والأدهى هو مصير هؤلاء الأطفال؛ فهم دون هوية أو وطن. يلعبون اليوم لكنهم لا يعلمون ما ينتظرهم غدا في ظل البقاء مجرد رقم في مخيم دون هوية أو مستمسك".يأمل نواف واللاجئون الآخرون في الحصول على جنسية لأولادهم، أملا في الحصول على جواز سفر، والسفر يوما للهروب من ويلات الحروب ومعاناة اللجوء

فرحتُ برحيل النظام، لكنني ما زلتُ عاجزًا عن منح أحفادي أبسط حقوقهم.. هوية تُثبت أنهم ينتمون لوطن اسمه سوريا
نواف محمد لاجيء سوري

يُعتبر مخيم دوميز1 من أكبر مخيمات اللاجئين في العراق. أُنشئ في العام 2012 على شكل خيام، ثم تحول إلى ما يشبه المنطقة المغلقة بأسوار. ويضم حاليا 13 حيا. وعند السنوات الأولى لتأسيسه، استقبل المخيم أكثر من 50 ألف لاجئ، لكن العدد انخفض مؤخرا ليصل إلى قرابة 30 ألف لاجئ وأكثر من ستة آلاف عائلة. ويوجد في دهوك وحدها خمسة مخيمات للاجئين السوريين

وبحسب آخر تقارير الأمم المتحدة في كانون الأول ديسمبر 2024، يستضيف العراق أكثر من 327 ألف لاجئ وطالب لجوء، 90 بالمئة منهم من السوريين، ويعيشون في إقليم كردستان العراق، فيما يعيش أكثر من 70 بالمئة من اللاجئين في المناطق الحضرية، ويقيم 30 بالمئة في تسعة مخيمات للاجئين في الإقليم، يشكل الأطفال تحت سن 18 عاما 41 بالمئة من اللاجئين. وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فإن العدد الإجمالي للسوريين اللاجئين في العراق، بلغ حتى نهاية العام الماضي أكثر من 303,500 شخص

معاناة مشتركة وجنسية مفقودة
يعيش في عموم العراق أكثر من 240 ألف لاجئ سوري، يعتمدون على بطاقة اللجوء التي تصدرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والمعروفة بـ"الفورمة"، كوثيقة تعريفية. إلا أن هذه البطاقة لم تُجدد منذ نحو عام، بحسب إفادات العديد من النازحين الذين التقينا بهم

ووفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة، هناك 247,302 لاجئ سوري ينتمون إلى 74,484 أسرة لجأت إلى العراق منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011. يتمركز معظمهم في محافظات إقليم كردستان، لا سيما في أربيل ودهوك، ويعيش الغالبية منهم في مخيمات لجوء تحت ظروف معيشية صعبة. ويعتمد أغلبهم على المعونات التي تقدمها المنظمات الدولية، في حين يُسمح للبعض بالعمل لإعالة أنفسهم وعائلاتهم

غير أن جزءًا من هؤلاء اللاجئين يعاني من عدم تمكن أبنائهم من الحصول على الجنسية، بعد أن وُلدوا نتيجة زيجات داخل المخيمات، حيث يكتفون بورقة صادرة عن الأمم المتحدة تثبت عدد أفراد الأسرة المقيمين داخل المخيم. ومع ذلك، لم تُجدد هذه الوثيقة أيضًا، لأسباب تتراوح بين الظروف الصحية أحيانًا، والروتين الإداري في أحيان أخرى

أما في عام 2024، فلم يحصل أبناء تلك المخيمات على أي مساعدات تُذكر، باستثناء دفعة واحدة بلغت قيمتها نحو 100 ألف دينار عراقي (ما يعادل 70 دولارًا)، يُفترض أنها مخصصة لتغطية احتياجاتهم الأساسية

مصير مشترك مجهول

في داخل مخيم دوميز1 ودوميز2، يقطن أكثر من 10 آلاف عائلة سورية، تضم أكثر من 42 ألف لاجئ سوري، وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة. وليس أحفاد نواف هم الوحيدون في المخيم ممن حرموا من حق الحصول على الجنسية السورية بعد ولادتهم في مخيمات اللجوء، بل هناك العشرات من قصص الأطفال الآخرين الذين وُلدوا وعاشوا في المخيم دون أي وثيقة تثبت انتماءهم لبلدهم الذي حرموا من رؤيته وجنسيته

منذ 2014، يعيش عماد صبري في داخل المخيم، وهو الآخر حُرم أبناؤه من جنسية بلدهم الأم. هذا اللاجئ الذي وصل إلى كردستان العراق في 2013 هربا من الظروف الأمنية الصعبة في بلدته ديريك التابعة لمحافظة الحسكة في أقصى شمال شرقي سوريا، على الحدود العراقية السورية، يعاني من وضع مشابه. أبناء عماد الثلاثة الذين وُلدوا بين 2016 و2020 لم يحصل أي منهم على الجنسية السورية ولا يعلم مصيرهم أو مستقبلهم في ظل اعتمادهم على بطاقة اللاجئ التي منحتها المفوضية السامية للاجئين لعائلته فقط

يجلس عماد في المخيم بالقرب من أولاده متسائلًا: "أنا سوري أبا عن جد، لكن أولادي وُلدوا وهم يكبرون بعيدين عن الوطن ودون ما يثبت انتماءهم له. لست أنا وحدي من لديه أطفال دون جنسية. فالكثير من أطفال المخيم الذين وُلدوا هنا لم يحصلوا عليها، ولم يراجعنا أي ممثل للحكومة السورية للسؤال عن أحوالنا أو ترتيب أوضاعنا القانونية، رغم أننا لاجئون إنسانيون ولسنا سياسيين

أمام محل صغير في المخيم، التقينا محمد عبدو (48 عاما) مع بناته الخمسة وزوجته.يعمل محمد بشكل غير منتظم، أحيانا في مجال البناء وأحيانا أخرى في البيع في السوق. هاجر بعد أحداث 2011 وجاء إلى العراق مع ابنته الوحيدة وزوجته. استقر في المخيم كحال باقي اللاجئين الآخرين، وهناك رزق بأربع بنات أخريات يعشن حتى اليوم دون مستمسكات ثبوتية، متسائلا عن مصيرهن في ظل التغيرات الجديدة. تقول إحدى بناته، "لولاف"، وهي في السادسة من عمرها، إنها لا تريد سوى الحصول على جنسية تثبت اسمها وتثبت فيها أنها سورية.يقول عبدو، إنه لا يعلم ماذا يفعل هو وبناته في ظل ما حدث. وحتى اليوم، لا يلوح في الأفق أمل ليحصلن على مستمسكات ثبوتية تمكنهن من الخروج من جدران المخيم إلى العالم الكبير بهوية وجواز يثبت اسمهن ووطنهن، ويمنحهن الحق في السفر والتنقل

لاجئ مكتوم الهوية

على أطراف مخيم دوميز2، قابلنا أبو إياس (70 عامًا)، الذي جاء إلى العراق في 2011 ويعمل في رعي الأغنام. لا يستغرب الرجل من عدم حصول أحفاده أيضا على الجنسية، فهو الآخر عاش محرمًا منها طوال حياته بعد أن وُسم بمكتوم الجنسية، وهي صفة أطلقها النظام السوري على كثير من أبناء القومية الكردية لمنعهم من الحصول على الجنسية. واليوم، لا يبدو المستقبل أكثر تفاؤلاً، فالحروب التي تجري بين المسلحين الأكراد في "قسد" والفصائل المسلحة التي تولت الحكم تجعله يشعر بغموض الأمل في حل مشكلته.يروي أبو إياس، قصته مبتدئا بابتسامة تداري جراح سنين طويلة فرضتها ظروف قاهرة ليس له ذنب فيها سوى أنه كردي وُلد في سوريا في ظل قوانين فرضها نظام الأسد. فهو من بين والديه وإخوته، اختارت الحكومة السورية أن توسمه بمكتوم الجنسية، بينما حصل أفراد عائلته على الجنسية والجواز وتمتعوا بحياة طبيعية وحق التنقل والسفر

عاش أبو إياس طوال حياته محرما منها، وأورث تلك السمة إلى أولاده وأحفاده حتى بعد الهروب من معاناة الحرب واللجوء صوب العراق. يتحدث أبو إياس قائلا: "هل أبكي أم أضحك على معاناتي التي أورثتها لعنة لأولادي وأحفادي؟ فأنا من دون أفراد عائلتي أصبت بلعنة منذ الولادة اسمها مكتوم الجنسية." مضيفا: "لم أدرس، ولم أسافر، ولم أشعر بأي من حقوق الحياة. ها أنا أقضي سنين أرذل العمر، مورثا لأولادي وأحفادي لعنة سترافقهم مدى الحياة دون ذنب أو جريمة اقترفتها أنا أو هم. نحن مجبورون على البقاء داخل هذا المخيم رغم كل الظروف الصعبة التي نعيشها

العشرات، كحال أبو إياس في مخيم دوميز، من مكتومي الجنسية ينتظرون أن تؤدي التغيرات الجديدة في سوريا وزوال نظام الأسد إلى إغلاق صفحة مكتومي الجنسية الذين عانوا من حرمانهم منها لمجرد قوميتهم الكردية

بشار يوسف (65 عاماً) يروي قصته مع الحرمان من الجنسية، قائلاً إن الآلاف من أكراد سوريا، وخاصة في المناطق التي يُطلق عليها "كردستان سوريا" – حيث يتركز الوجود الكردي – حُرموا من الجنسية السورية، وصُنّفوا كأجانب فقط بسبب انتمائهم القومي. أُطلق عليهم لقب "مكتومي القيد"، وكان هو أحدهم

ويضيف أنه قبل أن يلجأوا إلى خارج البلاد، لم يكن بحوزتهم سوى ورقة تأييد من مختار الحي الذي يقيمون فيه، لكن بمجرد مراجعتهم للدوائر الحكومية، كانوا يواجهون خطر الاعتقال على يد استخبارات النظام البعثي. الأمر الذي اضطرهم إلى البقاء حبيسي المنازل لأيام خوفاً من الملاحقة

ويتابع بشار: حتى بعد لجوئنا إلى العراق هرباً من الأوضاع الأمنية، رافقتنا هذه اللعنة. لم نتخلص منها، بل أورثناها لأبنائنا. ما زلنا نعيش بلا هوية
ويختم حديثه بأمل: "أتمنى أن تمنحنا الإدارة الجديدة الجنسية، وأن تنهي رحلة عمرٍ عشناها في الظل، نحن وأولادنا

من هم "المكتومون"؟

قبل أكثر من ستين عاماً، جرّدت الحكومة السورية أكثر من 500 ألف كردي من جنسيتهم، وذلك عقب إحصاء استثنائي أجرته في عام 1962 في محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد. ومنذ ذلك الحين، تعاني هذه الفئة – المعروفة باسم "مكتومي القيد" – من تمييز واسع من قبل السلطات، حتى في أبسط الحقوق، مثل استخراج بطاقة هوية، أو التسجيل في المدارس والجامعات الرسمية

وقد أسفر ذلك الإحصاء عن سحب الجنسية من عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، ما أدى إلى حرمانهم من حقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية، فضلاً عن الإقصاء من الحقوق الاقتصادية والخدمة العسكرية

ومع انطلاق الاحتجاجات السورية عام 2011، أصدر النظام السوري المرسوم رقم 49، الذي نص على منح الجنسية لفئة "الأجانب" الذين يملكون إخراج قيد (المعروف بالبطاقة الحمراء). وقد اعتُبر المرسوم محاولة من النظام لاسترضاء الأكراد واستقطابهم، غير أن نتائجه بقيت محدودة. فالغالبية من مكتومي القيد واجهوا عراقيل إدارية وأمنية حالت دون حصولهم على الجنسية، ويُعتقد أن القرار اتُخذ بشكل رمزي لتهدئتهم ومنع انخراطهم في الحراك الثوري، لا لإصلاح أوضاعهم فعلياً.

معاناة مشتركة بين "المحروم" و"المكتوم"

قصص اللاجئين السوريين في مخيمات شمال العراق بإقليم كردستان كثيرة، لكنها تلتقي غالباً عند معاناة واحدة: الحرمان من الهوية، سواء بالولادة داخل المخيمات، أو بالوراثة من أم أو أب محروم من الجنسية

أديب حسين موسى (44 عاماً)، يعمل في مهن حرة، ويمثل نموذجاً لهذا الواقع المركّب. فقد اجتمعت في أسرته حالتان: أطفاله وُلدوا داخل المخيم، وأمهم "مكتومة القيد"، أي لا تملك أي إثبات رسمي لجنسيتها. ولأن تسجيل الأطفال يتطلب وثائق الأبوين، تعذّر تسجيلهم قانونياً

يقول أديب: "تزوجت من امرأة مكتومة الجنسية، ثم لجأت إلى العراق عام 2013، واستقر بي الحال في مخيمات دهوك. وبعد أن رُزقت بثلاثة أولاد، بدأت رحلة المعاناة معهم. لم أستطع تسجيلهم بسبب وضع والدتهم القانوني"
وبعد محاولات مضنية، دفع 600 دولار للجهات المعنية في محافظته لاستخراج دفتر عائلي له ولأطفاله. وبالفعل، وصل الدفتر إليه بشكل رسمي، لكن المفاجأة كانت أنه مزوّر، ولا تعترف به أي جهة رسمية. وعندما راجع الدوائر المختصة، أُبلغ بأنه لا يزال مسجلاً لديهم كـ"أعزب"، وأن أطفاله غير معترف بهم حتى اليوم

يجلس أديب اليوم مع أطفاله الثلاثة ودفتر العائلة المزوّر بين يديه، يتمسّك بأمل ضئيل في أن يأتي يوم يُمنح فيه أولاده حقهم الأساسي: الهوية

حق الطفل في الجسينة : ضمانة قانونية وحماية دولية

حرمان تعسفي يخالف المواثيق الدولية

تنص القوانين الدولية على حق كل طفل في الحصول على جنسية عند ولادته. وكذلك تنص القوانين في عدد من الدول العربية، بما فيها قانون الجنسية السوري، على أن الطفل يكتسب جنسية والده بغض النظر عن ظروف الإقامة أو مكان الولادة، سواء داخل البلاد أو خارجها، طالما أن والده يحمل الجنسية السورية

وتنص الفقرة (أ) من المادة الثالثة في قانون الجنسية رقم 276 لعام 1969 على ما يلي

"المادة 3: يُعتبر عربيًا سوريًا حكمًا
أ ـ من وُلِد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري

وبحسب القوانين الدولية والمواثيق العالمية، لا يوجد أي نص قانوني يتيح حرمان أي شخص من جنسيته، بغض النظر عن الظروف. بل على العكس، تنص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي

الفقرة الأولى: "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما

الفقرة الثانية: "لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفًا، ولا إنكار حقه في تغييرها

ووفقًا لما كشفه التحقيق، فقد حُرم العديد من الأطفال السوريين من حقهم في الحصول على جنسية أمهم بشكل تعسفي، تمامًا كما حُرم مكتومو القيد من الجنسية داخل سوريا وخارجها، ما يُعد خرقًا صارخًا للمواثيق الدولية التي تضمن هذا الحق الأساسي

يرى الحقوقي العراقي نوزاد سعيد، عضو فريق المحامين المتطوعين للدفاع عن القضايا الإنسانية في محافظة دهوك، أن حرمان هؤلاء الأطفال من المستمسكات الثبوتية يتعارض مع جميع القوانين الدولية والمحلية. ويؤكد أنه لا يوجد أي مبرر قانوني يتيح للنظام السوري السابق أو الحالي حرمانهم من حقهم القانوني في الحصول على وثائق رسمية تثبت انتماءهم إلى وطنهم الأم، سوريا، وعلى رأسها الجنسية، التي تتيح لهم حرية التنقل وإنجاز المعاملات والمراجعات الأساسية في حياتهم اليومية

ويقول سعيد إن هؤلاء الأطفال هم لاجئون تحت صفة اللجوء الإنساني، لا السياسي، وهي نقطة مهمة كثيرًا ما تُستخدم لتبرير حرمانهم من الجنسية. ويضيف: "المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نصّت بوضوح على حق كل إنسان في الجنسية، ومنعت حرمانه منها تعسفًا، حتى وإن كان لاجئًا. والأهم أن آباء هؤلاء الأطفال يحملون صفة اللجوء الإنساني، ولم يغادروا سوريا بإرادتهم، بل فروا حفاظًا على حياتهم وأسرهم من الحروب والنزاعات التي اجتاحت مناطقهم، ولذلك لا يوجد أي مبرر قانوني أو إنساني لحرمان أبنائهم من الجنسية

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال الذين وُلدوا في مخيمات اللجوء وحُرموا من الحصول على الجنسية، حيث تكتفي الجهات الأممية بإصدار بطاقات لجوء تُعاملهم كأرقام، في حين تمتنع السلطات المحلية في إقليم كردستان العراق، رغم علاقاتها الجيدة بالنظام السوري السابق، عن متابعة هذه القضايا أو السعي لتوفير الحلول التي تضمن لهم حياة كريمة، وفي مقدمتها حقهم بالجنسية

وفي مخيمات دوميز، حيث يعيش نواف، وأبو أياس، وأكثر من 50 عائلة، والذين التقى بهم معدّ التحقيق أو تواصل مع أقاربهم خلال زيارته القصيرة للمخيم في مطلع فبراير/شباط 2025، تعيش هذه العائلات في مصير مجهول، تجمعهم صفة "لاجئ سوري" دون أي إثبات رسمي لهويتهم

ظاهرة خطيرة

لم تنجح جميع محاولاتنا في التواصل مع المنظمات المسؤولة عن إدارة مخيمات اللاجئين السوريين، وعلى رأسها منظمة بارزاني الخيرية، للحديث عن هذه الظاهرة، بحجة حساسية الموضوع

لكن معدّ التحقيق تمكّن من التواصل مع أحد النشطاء العراقيين العاملين في منظمة شريكة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمكلّفة بإدارة هذه المخيمات، حيث وافق على الإدلاء بشهادته بشرط عدم الكشف عن اسمه. وقال الناشط، الذي نُشير إليه بالحرفين (ر. أ)، إن ظاهرة حرمان الأطفال اللاجئين المولودين في المخيمات من الجنسية تمثل مشكلة خطيرة وممتدة، مشيرًا إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال، الذين وُلدوا في العراق، لا يحملون أي جنسية، ولا يتمتعون بأي حقوق في بلدهم الأصلي، سوريا

وأضاف أن مستقبل هؤلاء الأطفال قد يصبح أكثر قتامة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، موضحًا أن المفوضية السامية تكتفي بإطلاق منصات إلكترونية وتقارير عامة دون اتخاذ خطوات عملية كافية للضغط على الجهات المعنية في سوريا، سواء النظام السابق أو الحالي، من أجل منح هؤلاء الأطفال جنسيتهم. كما أشار إلى أن هؤلاء الأطفال، رغم ولادتهم على الأراضي العراقية، لا يحق لهم الحصول على الجنسية العراقية أيضًا

وأشار الناشط إلى أن وضع هؤلاء يشبه إلى حد بعيد وضع الفلسطينيين في العراق، الذين وُلدوا وعاشوا فيه دون الحصول على الجنسية، تحت ذريعة "حق العودة"

يُذكر أن مؤسسة بارزاني الخيرية هي منظمة غير حكومية أُسست عام 2005 في إقليم كردستان، وتعمل في المجال الإنساني داخل الإقليم، وتشرف على إدارة مخيمات النازحين واللاجئين، وتقديم المساعدات لهم، إضافة إلى دعم ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام.

مفوضية اللاجئيين ترد

في سياق التحقيق حول حقوق الأطفال اللاجئين وضمان حصولهم على الجنسية، تواصلنا مع فرع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في العراق، لسؤالهم حول معرفتهم بظاهرة حرمان هؤلاء الأطفال من جنسية بلدهم الأم، سوريا.
وبعد أشهر من الانتظار والدراسة القانونية، تلقّى فريق التحقيق ردًا عامًا من المفوضية على شكل بيان رسمي

وجاء في البيان
"حرمان الإنسان من الجنسية له عواقب وخيمة على المتضررين في كل بلد تقريبًا، وفي جميع مناطق العالم

وأكدت المفوضية دعمها المستمر لطالبي اللجوء واللاجئين في العراق من أجل الحصول على الوثائق المدنية، بما في ذلك تسجيل المواليد، باعتباره خطوة أساسية لإثبات الوجود القانوني للفرد، ووضع الأساس لتكوين الهوية القانونية، التي تشمل الجنسية، إلى جانب حماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

كما أشارت المفوضية إلى أن خطر انعدام الجنسية بين الأطفال السوريين قد تراجع بشكل كبير في المنطقة، بعد تعزيز الإجراءات التي تحميهم من مخاطر متعددة مثل الانفصال الأسري، والاتجار بالبشر، والتبني غير القانوني.
وبيّنت أن 97٪ من الأطفال السوريين اللاجئين الذين تقل أعمارهم عن 12 شهرًا في العراق حصلوا على شهادات ميلاد صادرة عن السلطات العراقية خلال العام الماضي.
وأوضحت أن هذه الشهادات، والتي تصدرها المستشفيات العراقية، تثبت فقط واقعة الولادة داخل العراق، لكنها لا تمنح الطفل الجنسية السورية تلقائيًا

ورغم هذا التوضيح، تجنّب البيان الحديث عن الأعداد الحقيقية للأطفال السوريين في العراق الذين لا يملكون جنسية بلدهم الأصلي، مكتفيًا بالإشارة إلى أن المفوضية توفر لكل لاجئ سوري بطاقة لجوء وشهادة ولادة عراقية تساعد في تكييف وضعه القانوني داخل العراق

كما لم يتضمّن البيان أي إشارة إلى خطوات رسمية أو دبلوماسية قد تتخذها المفوضية لفتح حوار مع الحكومة السورية، بهدف ضمان حصول هؤلاء الأطفال على جنسيتهم الأصلية.

السفارة تنتظر تحرّك اللاجئ... واللاجئون يواجهون المستحيل

في الأشهر الأخيرة التي سبقت انهيار النظام السوري، تواصل معدّ التحقيق مع السفارة السورية في العراق عبر بريدها الإلكتروني الرسمي، لطرح ما تم التوصل إليه من معلومات حول أوضاع الأطفال السوريين المولودين في العراق، والذين حُرموا من جنسية بلدهم الأم

جاء في ردّ السفارة
"يحق لأي مواطن سوري يحمل جواز سفر ساري المفعول تسجيل واقعات الولادة لأبنائه، من خلال مراجعة الأب السفارة برفقة جواز سفره، وجواز سفر زوجته، وعقد الزواج أو دفتر العائلة، إضافة إلى شهادة ولادة مصدّقة. بعدها يتم تسجيل الولادة، وإصدار وثائق سفر للأطفال، مثل جوازات السفر أو تذاكر مرور مؤقتة بناءً على طلب ذويهم

لكن هذا الرد بدا بعيدًا عن واقع معظم اللاجئين الذين التقيناهم خلال التحقيق، بل وصفوه بـ"الشكلي وغير القابل للتنفيذ"

يقول اللاجئ عماد صبري، بسخرية ممزوجة بالمرارة
"كيف يمكنني الوصول من دهوك إلى بغداد، وأنا لاجئ لا أملك أي مستند رسمي لأطفالي؟ كان ذلك مستحيلًا حتى قبل سقوط النظام، أما اليوم، فالسفارة متوقفة عن العمل أصلًا

أما أبو إياس، فارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة وقال
"إذا كنا نحن وأولادنا وأحفادنا محرومين من الجنسية منذ عقود، فكيف نراجع السفارة بوثائق لا نملكها أصلًا؟"

ورغم محاولات معدّ التحقيق طرح أسئلة واضحة حول أوضاع مكتومي الجنسية من اللاجئين السوريين، وحرمان أبنائهم من الحق في الجنسية، اكتفت السفارة بالرد بأن بريدها الإلكتروني مخصص فقط لـ"الاستفسارات العامة للمواطنين"، ضمن نطاق محدود

وأضافت في ردها أنها تسعى لتقديم التسهيلات للراغبين في العودة إلى سوريا، عبر خدمات قنصلية تشمل إصدار وثائق السفر، ومعاملات الأحوال المدنية، والتجنيد، وتسوية أوضاع من غادروا البلاد بطرق غير شرعية، بالإضافة إلى إجراءات تتعلق بالمطلوبين للخدمة الإلزامية

لكن السفارة لم تقدّم أي توضيح بشأن الإجراءات الفعلية تجاه قضية آلاف الأطفال المولودين في المنفى، والذين ما زالوا محرومين من هوية وطنية تربطهم بسوريا

وفي الوقت الراهن، تبقى السفارة السورية متوقفة فعليًا عن العمل، في ظل شبه انقطاع للعلاقات الدبلوماسية، وهو ما يترك مصير هؤلاء الأطفال معلقًا ومفتوحًا على المجهول

خارطة اللجوء: أبناء بلا هوية

خلال إعداد هذا التحقيق، وثّق معدّه أكثر من 50 عائلة سورية لاجئة في جزء واحد فقط من أحد المخيمات بمحافظة ضمن إقليم كردستان العراق، لا يحمل أبناؤها الجنسية السورية

يعيش هؤلاء الأطفال تحت وطأة ظروف اللجوء القاسية، يواجهون مستقبلاً غامضًا وهم محرومون من أبسط حقوقهم الأساسية، مثل الحصول على هوية رسمية أو جواز سفر.

بعضهم وُلد لاجئًا دون أن يُسجّل في أي سجل مدني، بينما ورث آخرون "لعنة انعدام الجنسية" من آبائهم وأجدادهم

هربت عائلاتهم إلى العراق طلبًا للأمان من ويلات الحرب، ليجدوا أنفسهم في بلد مثقل هو الآخر بمآسي النزوح، حيث شُرّد أكثر من 3 ملايين من سكانه نتيجة العنف والتطرف والانهيار الأمني بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء واسعة من أراضيه

وفي قلب هذا الواقع المعقد، يولد الطفل السوري على أرض العراق موسومًا بلقب "لاجئ مجهول الهوية"

تم إنجاز هذا التحقيق من قبل شبكة رادار بالشراكة مع صحيفة العالم الجديد الإليكترونية